ياسر العدل، بين رحلات واحد مفلس وعليه العوض

بقلم: أحمد فضل شبلول

كتابان جديدان للدكتور ياسر العدل، قرأتُهما في يوم واحد، ليس لأن عدد صفحاتهما صغير (الأول 114 صفحة، والآخر 112 صفحة) ولكن لأن موضوعهما وأسلوبهما يغريان القارئ بالقراءة، فلا يتركهما إلا وقد أتى عليهما قراءةً، وبذلك ينطبق عنوان الكتاب الأخير للشاعر الكبير فاروق شوشة "الإغراء بالقراءة"، على مثل هذين الكتابين لياسر العدل الذي يحمل درجة الدكتوراه في الإحصاء، على الرغم من فقر الطباعة الداخلية والخارجية (الغلاف على وجه التحديد). * رحلات واحد مفلس من السودان إلى لبنان الكتاب الأول في أدب الرحلات، وهو بعنوان "رحلات واحد مفلس"، ويضم سبع رحلات قام بها المؤلف إلى السودان، ولبنان، عن طريق الأوتوستوب، في أواخر الستينيات من القرن الماضي. وقتها لم يكن مسموحا للمصري (العادي) أن يحمل أكثر من خمسة جنيهات مصرية، في سفره إلى الخارج. وعلى الرغم من ذلك فقد جازف المؤلف بالسفر والسياحة وطالت رحلاته أكثر من سنتين زار خلالها خمسة وعشرين بلدا في أوربا وأفريقيا وآسيا وأمريكا، أيامها كان شعره أسود ناعما جدا، ولكنه بعد أن اشتعل الرأس شيبا، أو زحف الصلع إلى رأسه، قرر أن يكتب عن رحلاته، ويتذكر ما حدث وما صار في تلك الأيام الخوالي.
ويبدو أن هذا الكتاب "رحلات واحد مفلس" هو الحلقة الأولى من كتب أدب الرحلات التي قرر إصدارها ياسر العدل. وهو يبدؤها برحلته الأولى جنوبا إلى بحيرة السد العالي من خلال "تماسيح العسل الأبيض" حيث تمكث القوارب الفقيرة أياما تجوب البحيرة، ثم تعود للشواطئ بصيد من الأسماك والتماسيح، وقد يصل وزن السمكة الواحدة من نوع البلطي إلى خمسة وعشرين كيلو جراما، وقد يزيد طول التمساح عن المترين. ويطلعنا المؤلف على قصة صحبته لفتاتين أستراليتين بيضاوين تجوبان العالم مثله عن طريق الأوتوستوب، وهما "أنجلا" و"سالي"، ولكنه يميل إلى الشقراء "سالي" أكثر من زميلتها.
ثم يتجه ثلاثتهم إلى وادي حلفا بشمال السودان، ويعيشون مع العقارب والزكام. وهناك يركبون السيارة "اللاندروفر" ويقابلون البشاريين، وهم قبائل عربية تحيا بين النيل وساحل البحر الأحمر، لا يعرفون الحدود السياسية في تنقلهم المستمر بين جنوب مصر وشمال السودان، بحثا عن الماء والكلأ لحيواناتهم من الإبل والأغنام والماعز، سمر الوجوه، نحيفو الجسد، فارعو الطول، يتحدثون لهجة ويدينون بالإسلام.
ومن وادي حلفا إلى صحراء "أبو حمد" عبر القطار رقم صفر، الذي يتحكم سائقه وحده في مواعيد توقفه وانطلاقه، حيث تصبح العزلة نوعا من أنواع المصادرة على الرأي، ودكتاتورية توظيف المعلومات التي يقررها وحده سائق القطار المدعو بربان قطار الصحراء.
ومع وصولهم إلى الخرطوم، تصبح حقيبته ولهجته المصرية مبررا كافيا لتنهال عليهم العزومات المجانية، تناول المؤلف على أثرها إفطارا شهيا من سمك البلطي مع الشطة الحراقة. وهناك يتعرف على "عوض الكريم" الذي كانت عينه على إحدى الفتاتين، ويعرض على صاحبنا تدخين البانجو، وتناول السعوط، فيرفض صاحبنا بأدب.
ويتضح بعد ذلك أن عوض الكريم من تلاميذ الصوفية، وأنه يتردد على إحدى الزوايا التي اصطحب إليها مؤلفنا، وهناك تعرف على "الشيخ" أو القطب الصوفي الذي يجلس على كرسي بجواره مريدان عن اليمين واليسار، يدلكان رجليه تارة بأيديهم وتارة بشفاههم تقبيلا، وبجوار الكرسي يوجد وعاء ضخم بلون أوعية الإطفاء الحمراء وقد امتلأ قرب نهايته بالرمل، يستخدم كمقبرة لما يتفله الشيخ من بقايا "سعوط" يستحلبه.
واثناء جلسة المؤلف في هذه الزاوية ممتعضا مما يراه ويسمعه، خاصة حين تعرض "الشيخ" إلى اسم الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت، وأن هذا الاسم (شلتوت) يعني عندهم "الخرقة القديمة"، إذ بأنباء حرب الاستنزاف ـ بين المصريين والإسرائيليين ـ تتواتر إليهم عبر الراديو، وهنا دعا "الشيخ" إلى حلقة كبيرة تُكال أو تُرفع فيها الأذكار والأدعية كي ينتصر المصريون.
ومن الخرطوم إلى أم درمان ـ العاصمة الشعبية للسودان ـ ورقصة "الكاروشا"، حيث يصف المؤلف فرحا أو عرسا سودانيا أقيم يوم الاثنين، ويتضح أن السودانيين يتفاءلون بهذا اليوم، فهو اليوم الذي هبط فيه "آدم" إلى الأرض حاملا زوجته الوحيدة "حواء" التي تشاركه قدره في إنجاب كل تلك الذرية من البشر.
ومن خلال هذا العرس السوداني يحدثنا المؤلف عن موسيقي "البامبو السوداني"، ورقصة "الكاروشا"، ورقصة "الرقبة"، وأغاني "الحقيبة"، ويعطينا بعض المعلومات الأنثروبولوجية عن تلك المنطقة من العالم.
وهو من خلال الرحلتين الأخيرتين في الخرطوم وأم درمان، لم يحدثنا عن فتاتيه الأستراليتين "أنجلا" و"سالي"، فهل استولى عليهما "عوض الكريم". فمنذ أن ظهر عوض في الصورة ولم نسمع عن الفتاتين خلال رحلات ياسر العدل، ويبدو أنه أيضا نسيهما في حياته السودانية الجديدة، خاصة بعد أن تعرف على الفتاة السودانية التي يشبهها بالغزال الراقص، وبالفعل عندما كان يتأمل رقصتها في الحفل، تقدمت إليه وداست على قدمه بحذائها، ثم وجهت ضربة مكتومة إلى جانبه الإيمن ـ كطقس من طقوس الرقصة ـ فوقع على الأرض وسط ضحك الشبان والحاضرين، وعندما قام من الأرض، تقدمت ثانية إليه وقالت باسمة ومعتذرة: تعيش وتاخد غيرها يا مصري يا قمر. ولكنها تفلت من بين يديه بعد ذلك وتتجاهله، ولا يستطيع التحدث إليها.
***
ومن السودان إلى لبنان، ورحلة عبر السفينة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء بيروت، وحكايات حول السفينة وركابها، وطرق تعامل رجال الجمارك مع الركاب، والشك الذي يسبق كل شيء. ثم محاولة البحث عن عمل في بيروت، والتحايل على مخلوقات الله من أجل أكلة مجانية، أو عزومة على غداء أو عشاء، أو توصيلة من مكان إلى مكان.
ومع هذا لم ينس المؤلف وصف الطبيعة في بيروت، فيقول على سبيل المثال:
"مع غروب اليوم التالي ألقيت بظهري مستندا على سور كورنيش البحر. من خلفي صخرة "الروشة" تقف في الماء على مقربة من الشاطئ كقوس نصر لعشاق البحر تداعبها الأمواج منذ مئات السنينن وتهفو عندها قلوب المحبين، وأمامي جبل يمتلئ رويدا بليل بيروت، فسيفساء ضوئية لمصابيح تتلألأ بين البيوت والأشجار والطرقات والبشر، ولاطفتني نسمات صيف عليلة كعاشق يتمطى على صفحة من سماوات تزهو بالنجوم".
هذا هو أسلوب ياسر العدل في وصفه، وهو أسلوب أدبي راق، يدل على إمكانات وحس أديب كبير، مؤهل لكتابة القصة القصيرة والرواية، ولم أدر هل جرب من قبل كتابة القصة والرواية أم لا؟.
بعد ذلك يذهب بنا إلى بحمدون بلبنان حيث صبايا جبل التفاح، فيقابل ثلاث فتيات صغيرات السن، يتضح أنهن أخوات، يعزمنه على الغداء في البيت، بعد أن لعبن وغنين معه، وهناك يقابل الأم والأب، فيأكل "المنسف" الذي يشبه طبق الكشري المصري ولكن باللحمة. وهو أشهر ما يُقدم من طعام في لبنان. * عليه العوض في حزام العفة الكتاب الثاني "عليه العوض" عبارة عن مقالات أدبية وصل عددها إلى 48 مقالة، (معظم المقالات لا تزيد على صفحتين من صفحات الكتاب) سبق أن نشرها الكاتب في جرائد يومية وأسبوعية مصرية مثل: جريدة الوفد، وجريدة الأحرار، وجريدة الحقيقة.
وهو يتناول في كثير منها الأوضاع الاجتماعية والسياسية والعلمية والفنية والأدبية والفكرية في مصر، فبعضها عن المسرح، وثقافة أستاذ الجامعة، وثقافة طلاب الجامعة، واتحاد كتاب مصر، وبعضها عن الانتخابات، وقضية الأحزاب، مثل الصوت الانتخابي المجروح، وبعضها عن المقابر، والتعليم، وقضية البطالة، والحكومات السرية، وحزام العفة ومداخل الفساد الثمانية، .. وما إلى ذلك من هموم المواطن المصري العادي، خلال سنوات كتابة تلك المقالات التي أغلبها كان ما بين عامي 2000 و2001.
وأعتقد أن بعض المقالات المنشورة بهذا الكتاب إذا كانت تصلح في وقتها لمتابعة قضية ما أو شكوى ما، انتهت بنهاية زمانها، فإنها قد لا تصلح لضمها في كتاب صالح لكل زمان ومكان. وكان ينبغي على المؤلف أن يصفِّي مقالاته التي يجمعها للنشر في هذا الكتاب، ويستخلص المقالات التي بها هم عام ودائم، أو التي لها طابع الشمول الإنساني والديمومة.
ولكن في جميع الحالات فإن للكاتب أسلوبا سلسا شائقا في عرضه للقضية التي يتحدث عنها، معتمدا في ذلك على رصيد قوي وكبير من المشاركة الوجدانية بين قلمه والقارئ، لأنه يتناول في الأغلب الأعم قضايا مشتركة يحسها ويعيشها كل مصري، وخاصة في السنوات الأخيرة. فهو مثل الفلاح الفصيح الذي يتحدث لأصحاب الكراسي الكبيرة، في لغة أدبية رائقة، عن همومه وقضاياه التي هي هموم وقضايا أغلب المواطنين.
واعود فأقول إننا في انتظار إبداعا أدبيا قصصيا أو روائيا لياسر العدل، وهو قادر على ذلك.
ولا أبالغ إذا قلت إن بعض مقالاته الأدبية الواردة في هذا الكتاب من الممكن بلمسات بسيطة جدا، أن تتحول إلى قصص ذات طابع اجتماعي وإنساني عام. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية