'وهم الوصول' للمتوكل طه ودُربة من شجن المقالة

بقلم: عبد السلام العطاري
لم يتبقَّ أمامنا غير الكلام

صدر كتاب وهم الوصول للكاتب الشاعر المتوكل طه، وضم مجموعة من المقالات الموزعة بين الأدب والفن والثقافة والفكر وحول الشعراء والروائيين والسينما والدين، حيث تناول الكاتب في مقالاته تشخيصا او مقاربة لما رآهُ في تلك الاعمال من حيث مضامينها ومن حيث كُتّابها مستعرضاً ملاحظاته حولها وحولهم.
وفي ذات السياق قدم الكاتب والشاعر المتوكل طه في إصداره بعض ما وصل إليه في مقالاته كردود نقدية لامست بناء النصوص التي تحدّث عنها وفي ذات الوقت مفنداً في بعض مقالاته التي جاءت في شكلها كردٍ على بعضها، كما وجدناه في دفاعه عن الرسومات المسيئة للرسول العظيم محمد "صلى الله عليه وسلم" وكذلك تصريحات "بنيديكت" بابا الفاتيكان، ومقاربة ما جاء في خطاب بابا القرن الحادي عشر "اوربان" الذي شكل أساساً للحروب الصليبية في ذلك الوقت.
وفي سياق آخر استعرض كتاب وهم الوصول قراءات حول الشاعر إبراهيم طوقان الذي أعتبره محفزا ومغريا لتساؤل أبدي: من هو الشاعر بالضبط؟ مشيراً إلى التقصير في الكلام عن الشاعر الذي صار مع الوقت جزءاً من روحه.
وإذا كان وجه التلاقي بين "آيريس مردوك" في ضياعها القصير، وحبها لأغنيات أمها وفدوى طوقان الشاعرة التي التقطت الفلة البيضاء ودفنتها كمومياء بين دفتي كتاباتها، نجد كما يقول المتوكل طه اننا بين امرأتين، الأولى استنهضت المختبئة التي في داخلها، والثانية التي تبوح اكثر مما تقول إلى أن يصل بنا الكاتب بأنَّ اختلاف المبدعتين يبدو طبيعياً.
إذا كان لإبراهيم وفدوى وآيريس ورجال الدين والسياسة والسينما، حضورهم في مقالات "وهم الوصول" فإن للِمبدعين "عصر الدواخل الحديث" حضورهم، لذلك يقول في سياق مقالته "المتماوت" عن فلسفة الراحل حسين البرغوثي، "لم يتبقَّ أمامنا غير الكلام، وليس أيّ كلام، الكلام الذي يكون أضعف الايمان، أو ثورة المغلوب على أمره ولم يتبقَّ إلا القول الفصل الواضح دون مواربة ومداهنة...أو تصنّع ولتكن النتيجة ما تكن".
إذا كان البرغوثي لا يخشى النتيجة كما عرفناه لا لخروجه عن أرصفة الواقع، بقدر ما وجد أن الواقع هو الخارج عن الأرصفة، لنرى مع المتوكل طه أن الآخر في الرواية لا يبتعد في نقده وهمّه ووجعه ما صارت إليه الحياة المُجْبرين على تَقَبُلِها في عصر "القرمطي" أو زمن "عكا والملوك".
فالتاريخ كما يقول الكاتب ليس الماضي فقط إنه الرموز والدلالات الكبرى واللاشعور الجمعي، وهذا ما وجده المتوكل طه في مقاربة أو ملابسة الروائي أحمد رفيق عوض التي تعني الغوص في تلك المنطقة المعتمة حيث التابو المقدس والمخيف معاً.
وهنا بين دفتي "وهم الوصول" الذي نجده يعبّر عن التزام مؤلفه بالوفاء سواء كان دفاعاً أو تقديراً، لذلك كان حضور شاعر مصري طالما تحاول أن تحجبه "غولة العصر" و "ثقافة الهمبرغر" كونه ما زال يحافظ على ثقافة خبز الطابون ويخبئها إن حلّت عليه غربة الوطن الأقسى ليعيده المتوكل طه في سياق يجعلنا أن نميل إلى البحث عن شاعر يُلزم التذكير به وأن نقف كجرسٍ يدق كلما حاول النسيان ان يتثاءب لغفلته، لذلك يستوجب حضور الشعر إذا كان "محمد عفيفي مطر" هو من يروّض فضاء جموح اللغة ويدجّنها لتخلُد في في سمرة النوبة ونيلها، إذا كان كذلك "عفيفي المنسي" كما يقول المتوكل طه، فإن "دنقل" لم يبتعد عن حواري "المنسي" ليكون شرقي الهوى يحمل رائحة النيل فجراً لتكون عشاءً لقصيدته ولفقرائه الذين ينتمي إليهم ويقترب من دفئهم ومن عشقهم لضجة الأزقة المكتظة بتزاحُم عرقهم.
لعلني وجدت ما أردت أن أجده في حقيقة لا وهم أن الكاتب لم يغفل في سياق الكتاب ما استوجب او جزء من الاستجابة لبعض رؤيته عن الغناء والشعر في طعم لغة المرأة كما هو في سياق مقابسات الجرح والغزل في نصوص الشاعرة كوثر الزين، أو في سياق امتزاج صوت الشاعر البحريني قاسم حداد، وتفاعل الصوت مع صرخة الجنون الأبدي، وإستعذاب واستطابة الحياة، إلى أن ينتهي بمن لم يبرحْ المكان وتذهب الخطوات بنا إلى قبر الماء لنجد المُطاب من المهابة والعناد الباسم المُؤْمِن بالقدر العائد هديره كلما نزف جرح بلا ثمن أو كلما سالت النار بغير مجراها وهو "درس الثقافة الأخير ...ياسر عرفات".

إذا كان "وهم الوصول" لكاتبه أكثر تعبيراً عمّا جاش من محبة ووفاء ودفاع عن حاضر يستوجب تأصيل ماضيه، فإن "وهم الوصول" لقارئه يفتح منافذ الدعوة لسبر غوره، وتفعه لطرح اسئلة متجددة عن الحياة بمختلف جوانبها.

عبد السلام العطاري