وهم الفكرة... تجربة الإسلاميين مع الديمقراطية

التناقض بين المسلمات العقائدية والتكتيكات السياسية!

يتزامن هذا المقال مع انعقاد مؤتمر الدوحة: "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي"، إلا أن عنوان المقال يركّز على التجربة السياسية للحركات الإسلامية، الذين قبلوا خوض لعبة الديمقراطية، وتحديداً في الحالات البارزة التي بدأت في الجزائر عند خوض الانتخابات، ثم في الأردن عند قبول المشاركة في الحكم، ثم في تركيا عند تسلم الحكم، ثم في غزة عند دخول السلطة الفلسطينية، ثم في أنظمة ما بعد الثورات في كل من مصر وتونس والمغرب.

لقد ارتبط رواج مصطلح "الإسلاميين" بترويج الديمقراطية في العالم الإسلامي، وذلك عندما فرضت الديمقراطية الغربية على المسلمين تقبّل العلمانية كدعوة فكرية بين المسلمين دون أن تثير عندهم نوازع الرفض المبدئي والتصدي السياسي. ولزم ذلك إعادة تصنيف الناس – ومن ضمنهم المسلمين- باطلا إلى "إسلاميين" وغير إسلاميين، مع أن الإسلامي هي صفة للشيء لا للشخص.

لذلك ساهم ظهور هذا المصطلح في إزالة الحواجز النفسية والفواصل المبدئية بين العلمانية وبين الشريعة؛ ومهّد للتقبل الفكري والسياسي بأن يكون المسلم غير إسلامي، في تناقض عجيب غريب لا يمكن أن يستقيم في العقول السليمة. وبالتالي جعل الدعوة لتحكيم الإسلام في الدولة دعوة خاصة بالإسلاميين لا عامة للمسلمين.

الديمقراطية

لا يمكن لعاقل منصف عندما يرجع إلى مفهوم الديمقراطية الحالي والتاريخي إلا أن يراها من منظورها الصحيح على أنها نقيض الشريعة التي تُتلقى من الوحي. فالديمقراطية نظام سياسي يألّه الشعب إذ يجعله مصدر السلطات في الدولة، ومن ضمنها السلطة التشريعية التي تسنّ الدساتير والقوانين. أما الإسلام فيُعبّد الشعب للرب، ولذلك جعل السلطة التشريعية للوحي تستمد الدساتير والقوانين حصريا من نصوصه –فقط- عبر فهم شرعي يقوم به المجتهدون (الشرعيّون) لا المشرّعون (الوضعيّون)، ولذلك حدد الإسلام السيادة في الشرع، وحصرها فيه بينما منعها عن الشعب، في تناقض صارخ مع الديمقراطية، بحيث لا يكون السياسي ديمقراطيا إلا إذا "تنكر للإسلام"، وتمرد على نصوص الوحي.

إن الديمقراطية –كنظام حكم- لا تنفصم عن العلمانية كفلسفة الحياة، وممارستها اليوم لا تنفصل عن الرأسمالية كطريق للاستعمار ونهب خيرات الشعوب، مهما نظم المضبوعون بها من قصائد غزل سياسية، ومها أصدر الخادعون والمخدوعون بها من فتاوى سياسية، تظل نكهتها غربية وعجينتها وضعية.

وإن محاولة مزج الديمقراطية بالإسلام عبر التشارك في آلية الانتخابات هي محاولة سطحية، كمحاولة مزج الربا بالبيع للتشابه في التقابض المالي والربح، ثم إن محاولة اعتبار الشورى كأنها النظير للديمقراطية هي أيضا قفزة خاطئة فوق ذلك المفهوم الإسلامي، ومدّه خارج حدوده المحصورة في بيان رأي للخليفة حول مسألة عملية لا حول قضية تشريعية، ومن زاوية أخرى هي حصر خاطئ للديمقراطية في مجرد التعبير عن الرأي وتناسي مفهومها الأساس بأنه "حكم الشعب للشعب" عبر من يمثل الشعب.

إذن فكل محاولات "الإسلاميين المعتدلين" للتجمّل بالديمقراطية أثناء حالة المغازلة مع الغرب، أو التطبّع بها عند الشعور بالغلبة أمامه، خاضعين لعقدة "تقليد المغلوب للغالب"، هي تجاوز فكري وسياسي، وقفز على معطيات العقل والشريعة –معا- في فهم الإسلام وفي الحكم على طبيعة الديمقراطية.

التجربة السياسية

إن الحقيقة المشاهدة أنّ من يصنّفهم الغرب –وأبواقه الإعلامية العربية- على أنهم إسلاميون متطرفون، ليس لهم تجربة في اتخاذ الديمقراطية كطريق للحكم، فلا هم دخلوا مضمارها، ولا هم آمنوا بها كنظام، بل مجملهم يضعها في سياقها العلماني الكفري المرفوض.

هذه هي الحقيقة

من هنا، فإن الحديث عن تجربة الإسلاميين في طريق الديمقراطية محصور فيمن انخدع من المسلمين بالديمقراطية ومن ضلل (بفتح الضاد وضمها) باعتبار الديمقراطية لا تناقض الإسلام، وهم الذين يصنفهم الغرب بالإسلاميين المعتدلين، ويحبون أن يصنّفوا أنسفهم كذلك، ويعتبرون أنهم يحملون "الإسلام المعتدل"، وهو في الحقيقة "الإسلام الديمقراطي"، الذي يأله الشعب في السياسة بينما يألّه الخالق في العبادات والعقائد، مما هو ممارسة مخففة للعلمانية المبطنة.

كان خوضهم لتلك التجربة نتيجة حملة ترويض طويلة، تمكنت من تحويل أدبياتهم عن مفاهيم سيد قطب عن المفاصلة بين الجاهلية والإسلام إلى المهادنة والتساكن مع العلمانية والديمقراطية، ثم إلى تسكين حركة المطالبة بالشريعة مع الجري خلف الديمقراطية، حتى قال أحد منظّريهم: "الحرية مقدمة على الشريعة"، ومن ثم أعلنوا الجهاد من أجل الديمقراطية.

وعندما تخلّى أولئك الإسلاميّون عن أنظمة الإسلام السياسية والاقتصادية وكثير من نظامه الاجتماعي؛ وما يترافق مع ذلك من قوانين ومفاهيم على سبيل الديمقراطية، كان رفعهم للإسلام شعارا دون المضمون، فوصلوا للحكم ولم يصل معهم الإسلام بالطبع، فكانت تجارب فشل ذريعة، لأنها –في حقيقتها- إعادة استنساخ الأنظمة الغربية العلمانية بعباءة إسلامية، فصار الفشل ينسب للإسلام بدل أن ينسب على حقيقته لمحاولة أسلمة العلمانية، أو دمقرطة الإسلام.

ورغم بطلان تلك المحاولات في "العدول" عن الإسلام نحو الديمقراطية تحت عنوان خاطئ من "الاعتدال"، ظل اسم الإسلام وشعاره مرعبا للقوى العلمانية ومن خلفها من القوى الغربية، وظل العلمانيون ممن ينافسون "الإسلاميين" على كعكة السلطة وممن يزاحمونهم على استرضاء الغرب يخوّفون الغرب بالقول أن الإسلاميين يريدون الديمقراطية لمرة واحدة فقط (كما صرح أكثر من مرة رئيس السلطة الفلسطينية عباس).

ويمكن أن يحسب الغرب حسابا لوصول الإسلام عبر التسلل الديمقراطي وعلى حين غفلة من قوى العمالة التي تحرس مصالحه، لأن الإسلام ذا طاقة كامنة وقابلة للانفجار السياسي وإحداث البركان الحضاري. ولأن المسلمين يظلّون أصحاب عقيدة دافعة، يمكن أن تعيد صوغ أفكار حاملها على النهج الصحيح إن فتح عقله وقلبه، وبالتالي يمكن أن يقلب للغرب ظهر المجن إن وصل للسلطة وتحركت فيه عقيدته، أو تحرك أتباعه حسب مفاهيم الأعماق لديهم.

كذلك الحالة في غزة عندما تورط "الإسلاميون" في سلطة كانوا يكفرون بمشروعيتها، سالت الدماء على مذبحها لدى التخاصم على مكتسباتها لا على مشروع الحكم الإسلامي (الذي لا واقع له تحت الاحتلال)، ولا زالت شاهدة على حالة مريرة من تطويع الإسلام السياسي للدخول في أنفاق سلطة خدماتية ما قامت إلا عبر اتفاقيات أمنية تحفظ أمن الاحتلال اليهودي لفلسطين.

أما التجربة المصرية فهي شاهدة على الانقلاب على الثورة، وعلى دخول مصر في الأقبية الأمنية، وهي تجربة تجسّد حالة من القمع لم يسبق أن تجرّأ على مثلها ومستواها نظام ما قبل الثورة. وكذا الحال في التجربة التونسية المفتوحة الآن على مسار التجربة المصرية، وهي تظل حبلى مع غليان شعبي، مؤهل لأن يكشف عن عوار التجربة في أي لحظة.

أما التجربة التركية، فهي في الحقيقة لا تمت للإسلام بصلة، إلا في أزياء زوجات الرؤساء والوزراء، وفي تنظيف حمامات المساجد الأثرية، بينما ظهر أصحابها يحتسون الكؤوس مع قادة اليهود، ويشاركون في الحرب التي يخوضها حلف النيتو ضد المسلمين، ثم يتمجّد عراب تلك التجربة لدى زيارته لمصر قبل أشهر بأن العلمانية لا تعارض الإسلام، بما يتجاوز حدود التضليل بالديمقراطية إلى حد الإضلال بالعلمانية، التي لا يكون "الإسلامي" إسلاميا إلا إذا كفر بها.

إذن أمام كشف الحساب المختصر هذا، ولدى استحضار تلك التجارب الديمقراطية الفاشلة (والباطلة) أليس حقيق على أصحابها الصدع بالحقيقة الصارخة أن الإسلام إنما هو نظام بديل عن كل الأنظمة الوضعية كنظام وحي رباني وأن ذلك هو سرّ تميزه، وما حاولوا القفز على تلك الحقيقة إلا وقعوا في حفرة الفشل أو وحل الدماء.

ومن هنا آن الأوان لحوار صريح معمق ومواجهة مصارحة، تقوم على فهم نصوص الوحي كما تفيد لا على ليّ أعناقها كما نريد، وبالطبع لا يمكن لمنصة الدوحة -التي يناقض كرسيّ أميرها الديمقراطية والإسلام معا- أن تحتضن ذلك الحوار وأن تتكشف على تلك المصارحة.

ومن هنا توجب على "الإسلاميين" وهم يستحضرون هذه التجربة أن يسألوا من جديد: هل يمكن أن تختلط الديمقراطية الوضعية بالإسلام الرباني ثم يبقى الإسلام ربانيا وتبقى الديمقراطية وضعية؟ وهل يمكن أن تسمح الديمقراطية بأن يصل الإسلاميون عبر سلمها ثم يلقون به بعيدا؟

ماهر الجعبري

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين