وهبي: الغناء الصوفي يحارب التعصب الديني

'تنظيم العلاقة مع الخالق والآخر'

بيروت - تُعد الفنون الصوفية إرثاً حضارياً مشتركاً بين مختلف البلدان العربية والإسلامية. وتكمن ميزة هذا النمط الموسيقي في ارتباطه الوثيق بالجانب الديني إلى جانب كونه يمثّل نقطة التقاء بين الإسلامية.

وتؤكد الفنانة اللبنانية جاهدة وهبي صاحبة البصمة المهمة في الإنشاد الديني أهمية تطوير هذا النوع من الغناء وإيجاد أطر لضمان استمراره.
وتقول لصحيفة "الاتحاد" الإماراتية إن بداية الإنشاد الديني كانت مع بداية الأذان حيث كان بلال المؤذّن يجود فيها كل يوم خمس مرات، ويرتلها ترتيلاً حسنًا بصوت جميل جذَّاب. "ومن هنا جاءت فكرة الأصوات النديّة في التغني بالأشعار الإسلامية، ثم تطور الأمر على أيدي المؤذنين في مصر والشام والعراق وغيرها من البلدان، وأصبحت له قوالب متعددة وطرائق شتى".

وترى وهبي أن أسلوب الترتيل كان الأسلوب السائد في ذلك الوقت "وكان صوت عبد الله ابن مسعود من أكثر الأصوات ترديدا للقرآن الكريم ثم أصبح تجويدا بعد ذلك بقوالب موسيقية وطرق متعددة".

وأصبح الإنشاد الديني في العصر الأموي والعباسي فنا له قواعده وأصوله وإيقاعاته. وتميز في هذا اللون من الغناء الديني وتلحين القصائد إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن موسى الهادي وأبو عيسى بن المتوكل وآخرين.

وتقول وهبي "منذ الربع الأول من القرن الماضي تطورت الأغنية الدينية والإنشاد، لينتقل الحال من الارتجال والتطريب إلى التعبير والتأثير. واستحدث نوع من الأناشيد الدينية هو 'الدعاء الديني' الذي يُغنى بالعربية الفصحى والمحكية المحلية. وظهر لون آخر وهو الغناء الشعبي الديني الذي يعتمد على شكل قريب من رواية الملحمة، والذي يحكي المنشد قصص الأبطال التاريخيين وسيرة الرسول الكريم".

ودخلت الموسيقى إلى الطرق الصوفية على يدي الحلاج، وكان لأبي الحسن الشاذلي الفضل الكبير في إدخال الألحان الموسيقية إلى حلقات الذكر، ثم قدم أبو مدين الغوث الموشحات الصوفية على إيقاعات ومقامات معينة. كما انتشرت الصوفية في مختلف البلاد العربية والإسلامية معتمدة على الحب الإلهي، فتكونت فرق خاصة للإنشاد داخل المساجد بمصاحبة الدفوف.

وتسوق وهبي بعض الأمثلة على الطرق الصوفية كأبو الحسن الششتري في المغرب العربي الذي كان ينشد في حلقات الذكر أزجالا من نظمه بمصاحبة إحدى الآلات الموسيقية، فضلا عن المدرسة القادرية والسلامية والجيلانية في تونس، مشيرة إلى أن الطرق الصوفية كانت سببا رئيسيا في ظهور الموسيقى الدينية الصوفية في تاريخ تركيا القديم والمعاصر، حيث كانت المولوية الصوفية التي أسسها جلال الدين الرومي أكثر بروزا في هذا المضمار.

وتقول وهبي إنها أحبت الشعر الصوفي منذ بداية قراءتها للشعر عموما حيث وجدت فيه غايتها، على حد تعبيرها.

وتضيف "عندما يكبر الإنسان ويصبح أكثر نضجا ووعيا يبدأ في السؤال عن الوجود ونظرته للآخر وعلاقته مع الخالق ليبدأ رحلة البحث عن أجوبة. وعلى صعيدي الخاص وجدت بعض الأجوبة في الشعر الصوفي الذي جعلني أعرف نفسي أكثر، وأكتشف سر الخلق، وماهية كينونتي. لقد جعلني أنظر إلى الآخر بطريقة مغايرة بعد أن عمق نظرتي للحياة، وغير طريقة تعاملي مع الأشياء والكائنات. إنه الوسيلة التي تهذب العناصر السيئة في نفس الإنسان مثل التطرف والتعصب. إنه من يجعل الإنسان رحب الأفق، وعلى علاقة جميلة ونقية مع الخالق والآخر".

وتأثرت وهبي بكبار شعراء الصوفية كالحلاج وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية وابن الفارض وابن عربي.

وتقول إنها قدمت أمسيات شعرية صوفية خالصة مزجت فيها بين الإنشاد الصوفي والابتهالات الدينية الإسلامية والترانيم المسيحية في محاولة لتقديم إطار موسيقي جامع بين الحضارات والديانات.

وترى وهبي أن النص الصوفي يفرض نفسه على الجملة اللحنية "لأن الذهاب إلى تلك العوالم التي نتصل فيها مع الخالق فيجب أن تكون الجملة اللحنية انسيابية وحميمية وذاتية وأكثر رحابة ودائرية".

وتضيف "في الغناء الصوفي تعيد بعض الجمل اللحنية نفسها وكذلك بعض الجملة المقامية والإيقاعية، حيث يدخل الفنان الصوفي في مناخ دائري من الأداء مستعيدا الجملة أكثر من مرة. ويصعد إلى مقامات أخرى وأداء أعلى، حتى أن الدراويش الذين يقدمون رقصات المولوية بشكل دائري فهم يدورون حول أنفسهم وحول الأرض وكأنهم يتصلون في نقطة ما بين الأرض والسماء مع الله. وفي الغناء الصوفي يعيش الفنان في حالة إندماج واتصال مع الوجود، والتي تشعر المتلقي بالانتقال من المكان الموجود فيه إلى آخر أعلى وأرحب".

وتؤكد أن من يقدم الغناء الصوفي هو "فنان جاد وملتزم. ولا يغني غناء استهلاكيا سريعا، بل هو من يبحث عن الكلمة الجيدة واللحن المتميز. أي أن من يقدم هذا النوع من الأغنيات لديه مسار جدي وثقافي".

وترى بأن المساحة الجماهيرية للغناء بدأت تتسع في الفترة الأخيرة "ربما بسبب إيقاع الحياة السريع الذي نعيشه اليوم والبعيد إلى حد ما عن الروحانيات، والغائص في الماديات والمظاهر. وربما بسبب ابتعادنا عن أنفسنا وعن الله والوجود بعد أن أصبحنا أقرب للتعصب والتطرف".