وللعرب سياسة 'الوضوح اللانووي'!

إذا كانت إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، أو تبدو كذلك لدى كثير من العالم، وإذا كانت إيران تعتزم، بحسب التهمة الموجَّهة إليها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا وألمانيا..، صنع قنبلة نووية، فهل من معيار يمكن أن تدعو الدولة اليهودية العالم إلى الأخذ به من اجل أن يصبح مقبولا دوليا الآن، أو مستقبلا، تمييز "الحق النووي الإسرائيلي" من "الحق النووي الإيراني"؟ أعتقد أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت كان واقعا تحت تأثير فكرة كهذه عندما "زلَّ لسانه (الإنكليزي)"، وقال لمحطة تلفزيونية ألمانية: "إيران تهدِّد بمحو إسرائيل من الخريطة.. إسرائيل لم تهدِّد قط بإبادة أي شعب. هل يمكنكم أن تقولوا (بعد ذلك وبسبب ذلك) إنَّ الأمرين متساويان عندما يتطلع الإيرانيون إلى امتلاك أسلحة نووية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وروسيا..". إنَّهما محورا "الخير" و"الشر" في مجال التسلُّح النووي، هذه المرة، فرئيس الوزراء الإسرائيلي أراد بـ "زلَّة لسانه" أن يقنع العالم بأنَّ السلاح النووي "خير عميم" إذا ما كان في أيدي تلك الدول التي ذكرها، و"شر مستطير" إذا ما كان في يد إيران، أو في يد أخرى تشبهها!
لا أقول إنَّ كليهما يتوفَّر، عن وعي ومصلحة، في تسليح الآخر بمزيد من الحجج والأسلحة السياسية والإعلامية، فالرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، والذي لم يَقُلْ قط إنَّ بلاده تسعى من أجل إبادة إسرائيل، دفع اولمرت إلى "زلَّة اللسان" تلك إذ قال في ما يشبه التوقُّع، أو التنبؤ، إنَّ إسرائيل ستزول من الخريطة. وقد فاجأني حديثه الأخير الذي أكد فيه أنَّ إسرائيل "ستزول قريبا"؛ ولكن في المعنى السوفياتي للزوال. ونحن نعلم أنَّ "الزوال السوفياتي" كان من معانيه تفكُّك الإمبراطورية السوفياتية، والعودة إلى الرأسمالية، والتراجع الكبير في المكانة الدولية لروسيا. لقد تسلَّح اولمرت بـ "تنبؤات" نجاد، بعدما أظهرها على أنها "تهديد إيراني بمحو إسرائيل من الخريطة"؛ أمَّا "زلَّة لسان" اولمرت فجاءت إلى "نجاد النووي" كهدية من السماء، وإن كان "البرنامج النووي الإيراني" متلفِّعا حتى الآن بفتوى دينية (إيرانية) تحرِّم على إيران إنتاج، أو حيازة، السلاح النووي.
خصوم اولمرت من القادة الإسرائيليين اغتنموا "زلَّة لسانه"، فأظهروه على أنه غبي سياسيا واستراتيجيا، متسائلين في دهشة واستغراب" :كيف يعترف، ولو تلميحا، بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية في وقت تسعى الدولة اليهودية إلى إقناع الخصوم الدوليين الكبار للبرنامج النووي الإيراني إلى أن يقفوا موقفا يسمح بمنع إيران من إنتاج القنبلة النووية؟!".
المحامون عنه من مرؤوسيه سارعوا إلى وصف أقوال اولمرت بأنها "زلَّة لسان"، فعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي لم يعترف بأنَّ لسانه قد زل، إلى "الخطاب النووي الإسرائيلي الرسمي"، والذي يقوم على مبدأ "الغموض النووي"، ليقتطف منه ما يصلح لأن يكون تصريحا توضيحيا يدلي به، فقال إنَّ إسرائيل لن تكون الدولة الأولى التي "تُدْخِل" السلاح النووي إلى المنطقة. وعملا بسياسة "الغموض النووي"، التي ما عادت تلبي حاجة إسرائيل المتزايدة إلى استعادة ما فقدته من قوتها الرادعة، لم يشرح لنا اولمرت المعنى النووي الإسرائيلي لكلمة "تُدْخِل"، فهل معناها أنَّ إسرائيل تملك فعلا أسلحة نووية؛ ولكنها لن تُعْلِن ذلك، أو لم تَقُم بَعْد بإخراجها من الظلمات إلى النور؟!
إسرائيل ما زال لها مصلحة على ما يبدو في أن تظل "الدولة النووية السرية الوحيدة في العالم"، وإن أظهرت حرصا على أن تجعل أعداءها مؤمنين إيمانا لا يتزعزع بأنها تملك فعلا ترسانة نووية تضم مئات الرؤوس النووية.
أمَّا العرب، الذين يفضِّلون أن يظلوا "أمَةً" على أن يصبحوا "أمَّة"، فليس من أمَّة على وجه الأرض تفوقهم أو تعدلهم لجهة "وضوحهم اللانووي"، فهُم في تسلُّحهم "كتاب مفتوح"، تقرأه إسرائيل قبل أن نقرأه نحن، يُنْفِقون من المال في سبيل تسليح جيوشهم ما يَجْعلكَ تظن أنَّ معظم سلاح العالم عندنا، فإذا دخلوا الحرب، طائعين أو مكرهين، ترى الجيوش بلا سلاح، والسلاح بلا جيوش. عندما يتحدَّانا الواقع النووي الإقليمي أن نصبح "نوويين"، نلبس لبوس "الخُضْر"، فننتصر لـ "البيئة"، وكأن ليس في العالم النووي سوى ظاهرة "تشيرنوبيل"؛ ثم نخلع هذا اللبوس لنلبس لبوس "الوسطية النووية"، فنحن "أمَّة وسط". ثم نكتشف، بعد أن نضرب صفحا عن "مخاطر تشيرنوبيل إيراني"، أهمية الاستعمال المدني والسلمي للطاقة النووية؛ أمَّا سعي غيرنا لامتلاك السلاح النووي فقد نواجهه بطلب العيش ضمن مظلَّة نووية يملكها "أصدقاء" لنا!
إذا تحدَّتْنا إسرائيل أن نأتي بما لدينا من براهين على امتلاكها أسلحة نووية نعود إلى ما قاله إسرائيليون في هذا الصدد، أو إلى ما نُشِر من تقارير صحافية غربية، فنحن لم نكلِّف أنفسنا عناء البحث والاستقصاء؛ ثمَّ ما أهمية أن نتوصَّل إلى أن إسرائيل تملك فعلا ترسانة نووية ونحن الذين نفضِّل ونتمنى أن تظل إسرائيل على استمساكها بـ "سياسة الغموض النووي"؟! جواد البشيتي