ولكُم في الضمانات حياة!

بقلم: مازن الدبعي

كان واضحاً أن قرار مجلس الامن 2014 حاول أن يمسك بالعصا اليمنية من الوسط بين السلطة والمعارضة. ولكن ما لفت الانتباه فعلاَ هي تلك الديباجة الموجودة في بداية القرار التي تؤكد على ضرورة إجراء تحقيق في قضايا القتل وإنتهاكات حقوق الإنسان وعدم إعفاء المسؤولين عنها من المقاضاة والملاحقة، بالرغم من أننا لا نعول على إنسانية الدول التي صاغت هذا القرار ولكن هناك دلالات لايجب إغفالها وهي انه بالرغم من محاولاتهم الحثيثة لجعل القرار أقل وطأة وحزماً على نظام علي عبدالله صالح إلا أنهم لم يستطيعوا بتاتاً حذف تلك الديباجة على الأقل من باب إنسجام القرار مع المبادرة الخليجية وما تحتويه من ضمانات حيث وقد نص القرار الأممي على أن هذه المبادرة هي السبيل الأفضل للخروج من الأزمة.

هذا التناقض الكبير بين الديباجة وبين الفقرات التالية التي تتضمن دعماً للمبادرة الخليجية تعطينا صورة واضحة عن مدى صعوبة إقدام أي مؤسسة أو دولة أو نظام أو كيان أممي على إعطاء ضمانات لأيٍ كان في قضايا متعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان بالرغم من إزدواجية هذه المؤسسات الدولية عملياً ولكن على الأقل على الورق وعلى الطاولة من المستحيل التحدث عن بند ضمانات لقاتل أو مجرم أو متهم بقضايا إنتهاكات حقوقية والاكثر إستحالة أن يدونوا مثل هذه الضمانات في مسودات قراراتهم التي لن تكون سوى مذكرات إدانة لمن صاغها في هذه الحالة!

ولكن لحسن حظنا نحن هنا في اليمن، فقد أكرمنا الله بمعارضة وطنية إستطاعت أن تقفز فوق كل تلك الخطوط الحمراء وأن تذهب بعيداً جداً وراءها.. فأستطاعت وبعقلانيتها المعروفة أن تضيف بند بضمانات دستورية يقرها مجلس النواب!! ضمانات وحصانات لكلٍ من علي صالح وكل من عمل معه خلال 33 سنة بدون إستثناء.. بهذه السهولة إستطاع اللقاء المشترك أن يحل هذه المعضلة التي وقفت كل منظمات العالم وكل مؤسساتها القانونية عاجزة أمام حلها،، والأدهى أن مثل هذه الضمانات أًعطيت لعلي صالح حتى من قبل طرح المبادرة الخليجية وتحديدا بعد مجزرة الكرامة مباشرة!

اللقاء المشترك وبدهائه السياسي وعقلانيته المفرطة لم يتجاوز بفطنته وحكمته فقط القوانين البشرية والدساتير الموضوعة بل إنتقل لمستوى أرقى أخر وأستطاع أيضاً أن تكون له رؤية فوق الرؤية الإلهية لمشروع القصاص فالله تعالى يقول "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".. ولكن المعارضة دائما وأبداُ تشدد على أن كل تلك الضمانات والحصانات وصكوك الغفران الممنوحة لنظام علي صالح هدفها الوحيد هو حفظ حياة المواطن وحقناً للدماء.

فلسان حالها يقول دائماً ولكم في الضمانات حياة! والجواب كان يأتي سريعاً من نظام علي صالح بإزهاق المزيد من هذه الأرواح وسفك المزيد من الدماء في معادلة أخرى أصدق وأوضح من معادلة أخواننا في اللقاء المشترك فمعادلة النظام هي "مزيد من الضمانات يعني مزيداً من القتل".

لا أشك ولو لوهلة أن اللقاء المشترك كان ينوي جدياً تطبيق هذه الضمانات الفريدة فالهدف الرئيسي كان واضحاً وهو ثورة مفرغة من كل مضمونها وأدبياتها ولكن عناد وبلادة علي صالح فوتت عليه النجاة بجلده والفوز بهذه الصفقة الملطخة بدماء الأبرياء ولا أشك أنه سيندم لاحقاً على تضييع هذه الفرصة وأيضاً ضيّعت على المعارضه الحصول على ثورة بالمقاس المطلوب..والرابح الوحيد هو الشعب الذي صبر على كل هذه المهازل،هو فقط من سيجني فعلاً ثمار صبره ومعاناته وقبضه على جمرة الجوع والخوف لتسعة أشهر متوالية فهذه المبادرة بقدر ما فضحت الإنحطاط السياسي لعلي صالح بكذبه وإفترائه وتراجعه المستمر عن التوقيع فقد فضحت أيضاً الطرف الأخر الذي لم يخجل من التنازل عن دماء هذا الشعب وعن حقوقه المشروعة في محاكمة القتلة والمجرمين.

مازن الدبعي

mazen506@hotmail.com