'ولعينيك هذا الفيض'.. تطريز شعري بالرموش

اشتهي لمسة واحدة من يمناك البيضاء من غير سوء

تلتقي الرسالة الشعرية والرسالة السماوية في الهدف السامي النبيل المتمثل في تحرير الإنسان من رواسيه التاريخية الخاطئة، وتطهيره من كل ألوان الرجس الشيطاني، فضلا عن محاولة إشباع هذا الإنسان بكل الفضائل القيمية السامية، كي يتوهج جوهر الدخيلة ويفيض إشعاعه على مناطق النفس العميقة فتتجدد الولادة الإنسانية للإنسان في الظرفيات التي يتكلس فيها الزمن القيمي ويتحول الجسد إلى سجن مجبولةٌ جُدُره من الشهوانية.

وإذا كل رسل الرسالات السماوية قد عملوا على دعوة بني آدم إلى اعتناق ما جاءوا به، فإن الشعراء عملوا على اعتناق معاناة بني آدم واستلهام رسالتهم من رحم ما اعتنقوه، فكانت لكل شاعر رسالته الاستلهامية التي توافق أدواته الشعرية وقدرته على استقراء آيات المعاناة الذاتية والجمعية، وقوته على استنطاق الطبيعة وإعادة خلقها في سياق الطقوس التي يبتدعها ويحلّ في عناصرها.

إن الشعر يترفع بالكائن البشري عن أحواض الابتذال الاستهلاكي إلى مراتب التصنيف الإنساني المتسامي، لذلك فالشاعر هو أرقى الكائنات البشرية وهو أتعسها على الإطلاق، وأخصّ الشاعر الوجداني الذي تكتنز في ذاته محصلة المفكر والفيلسوف والصوفي ويرنو إلى التجدّد والتجديد، وشاعر لا يتجدد هو شاعر لا يجدد.

شاعرنا عثمان لوصيف متجدد دوما فقد اكتشف بحدسه الصوفي أن الزهر أدرك ذاته لذلك، فهو يموت ليتجدد ولا يقبل من الحياة إلا سويعات التفتح والتألق، الإنسان وحده هو الشذوذ الطبيعي الذي يمثل متتالية من المآسي الضالة، في كون كل ما فيه ينضج باليقين. وشاعرنا استجمع كل قواه في استنطاق الطبيعة ليعيد خلقها من جديد في كل فتح تجددي يولد فيه.

لقد استطاع شاعرنا في مجموعته الشعرية "ولعينيك هذا الفيض" أن يتجدد وينبعث في أغوار ذاته بميلاد خصب وثري، متجاوزا الآفاق العقلية دون إن يسقط في مهاوي التّضادية أو الانعزالية أو التناقضية، وكانت الصورة الشعرية تنهمر في انبثاق عفوي، خرجت بالحالة النفسية من مازورة الإشعاع والدفق إلى حالة الضوء والتدفق، وهو ما دفع الشاعر إلى تسلق سدرة التعبير لكي يمسك بمنتهاه والأمر يفسر توظيف الجمالية في خدمة الذاتية.

"لعينيك هذا الفيض" هو خلاصة موقفية فردية ترنو إلى الخلق بالمداد الشعري والفني باعتماد اللغة كمحور دراسة واعية تأملية في المجال الداخلي لأسر الكون وإعادة خلقه بالكلمة المكتنزة الدلالة:

كنت مهتاجة

مشبوبة

وانا كنت نصف مخبول

من الحباب اللبني

وأموج

من أقصاك إلى أقصاك

إن الشاعر هو الكلمة لأنه لا يكون له وجود بدونها، إنه سيزيف الكلمة وقديسها وخادمها، هو عابدها والمتعبد في محرابها، وإن شاعرنا يرنو إلى الحرية المطلقة، ولأنه سيزيف الكلمة، فمحكوم عليه أن يحرر الجارية اللغة التي استعبدته، إيّ وضع مثل هذا في ثنائية الاستعباد بين الشاعر واللغة، وأيّ مسلك يسلكه شاعر مُتلبس بكشاف الرحلة الدورانية للإنسان؟

الأرض تستحم بالفيروز

كنارية تنتفض قبل أن تطير

ومن أقصى الوديان

يرن عطر أنوثة

أضاع الشعراء مفتاحها القديم

إن الرحلة الدورانية للإنسان هي المعنى الحقيقي للأسر في الزمن المغلق أو الدارة الزمنية، ولأن الشاعر هو كشّاف تلك الرحلة فإن الاستلهام من فيوض الطبيعة هو المسلك الأمثل للتحرر من الدارة وامتلاك حقيقة الكشاف:

جسدك

يا رضوضا عاجية... ملتهبة

يا فطرا ينمو في ضحي المرأة

ويا كمنجة تتأوه

بين الأصابع النحاسية

للريح المجنونة...الشبقة

إن جسد المرأة يختزن في دلالته رمز التحول من حال للوصول إلى حال آخر، لأنها المرادف الوجودي للأرض وللحياة على السواء في السياق الطبيعي، وهو مفتاح التجدد الدوري:

من مرج

آلاف المجرات القزحية

فتهاوت في حقويك

وتناثرت جذاذا

جذاذا

من حرك

فيك.. سر الوهج البريء

ومن بث

في الغضار الحي نارا

وجلنارا

إن الرحلة الدورانية للإنسان أشبه بانحراف خارج الزمن، أو هي الدخول في الزمن الميت. وهو ما يدفع الشاعر الكشاف إلى الغرق في فواصل الاستفهام. ولأن اللغة تمتلك ثلاثة مفاتيح لتتساءل أو لتجيب:

المفتاح الأول: هو رحلة البحث في المفاهيم، وهي رحلة شاقة ويابسة لا يمكن للشاعر أن يستمطر طقوسها أو يرعى زنابقه في جفافها.

المفتاح الثاني: هو البحث في منتجات العقل، وهي رحلة أكثر يبوسة ومشقة لأنها تلغي مجالات نفسية عديدة ولا يمكن للشاعر أن يحيى بعيدا عن إفرازاتها القلقية المثيرة.

المفتاح الثالث: وهو التيه في الكون الطبيعي، وهو الذي اختاره شاعرنا لأنه يفتح مجال اللغة الذي تكون فيه أبعاد الفكرة القابلة للإشباع بالرموز الصوفية، وكل تفاعلات النفس العميقة، هي الوطن الحقيقي للشاعر. بمعنى أن كل كلمة تصبح هدفا للفتح الشعري، يجاهد الشاعر لكي يحولها إلى مستعمرة يقيم عليها نظامه الخاص، فإن شاء احتفظ بمفهومها ومعناها، وإن شاء بث فيها من روحه ومن رمزيات نظامه ما يغيّر ملامحها و يعيد خلقها من جديد:

لكن طفلا معتوها

لا يزال يغتسل بالسهاد

ويدثر بعهن الكلمات

لا يزال يهرول مثل الحجيج

بين البرق والظلمة

هذا الطفل المعتوه هو الصوفي الذي أدرك عجز الإنسان فاعتنق وهجة تجلي وراح يبحث عن الحقيقة اليقينية، هذه الحقيقة تتجلى بتفسير الوجود من منطق الخلق اللغوي. وكأن الحقيقة اليقينية هي تلك التي تطاردنا في تجلياتها، وما نعتقد انه حقائق يقينية إنما هو أشباه حقائق أو تأويلات عقلية توافق الفاهمية الفردية لكل إنسان:

لا يزال هنا

ينبش في أتربة الديجور

باحثا على البذرة المطمورة

لأرجوان النهارات..

إن الحقيقة اليقينية لا يمكن إدراكها عقليا، الحدس الصوفي وحده قادر على معاينة تجلياتها. واليقين بوجودها هو فاتحة الإسراء بملكوتها. هي حقيقة لا يمكن أسرها ولكن يمكن ملامستها وتقبيلها ومضاجعتها في حالة نصف الخبل الصوفي، حينما ينصهر الإدراك بالحدس ويلتحم الانفعال بالعقل ويصير اللاوعي في إبراقات الزمن الصوفي كشافا لمنتهى الوعي في لزمن الطبيعة أو الزمن الفيزيائي. ولا غرو أن تفقد الألفاظ خاصيتها الطبيعية، وتكتسب مزايا جديدة توافق حالة نصف الخبل في إبراقات الزمن الصوفي:

أحاول أن أدنو منك

فتحتجبين في غلالتك النورانية

وتستغشين أصابعك العنابية

لكن النايات المتكسرة

لعطرك الوهاج

تظل تفضح أحواضك الغرقى

وشلالاتك الباكية

في رحلة البحث عن الحقيقة اليقينية بالنسبة لشاعر أدرك عجز الإنسان فاعتنق وهجة تجلي وامتثل لدعوة الصوفي في داخله، تكون اللغة هي التجلي الأول للحقيقة اليقينية، أخذ مواصفات الكائن المطلق، لذلك يستسلم الشاعر للتوالد الذاتي في حالة نصف الخبل، ويكون أشبه بالقبلة الثورية كلما زادت توالدا (انشطارا) زادت قوة وإشعاعا:

يا هذه المهرة البيضاء

الشاردة وحدها في الحنادس

ضاع اللجام من يدي

وضاعت معه المهامز

عندما انتفض الشاعر من حالته الصوفية وعاد إلى ذاته المدركة الواعية، اعترف أن اللغة كائن مطلق لا يمكن ترويضه أو لجمه. والمعنى أن العقل في تفكيره الواعي يمثل الهدوء أو السكون، والكائن المطلق يمثل في إطلاقه الحركية المذهلة، فهل يمكن للسكون أن يروض الحركة الجامحة؟ وهل يمكن لفارس في حالة الهدوء وبعيد عن شحنات الانفعالية والثورة النفسية أن ياسر جسدا طيفيا يمتلك خاصية التّوزع والانتشار والتّشكّل:

ما من أحد

يطال نظراتك الزائفة

أو يجرؤ أن يلامس

طيفك الشغوب

عبثا يحاول الشاعر أن يتحرر من أسر اللغة، وعبثا يحاول تحريرها عقليا في مخبر العلائقية بين الكلمات، والموضوعية في التواصل. إن اللغة جارية استعبدت سيدها حين توّجته شاعرا، وليس أمامه إلا الامتلاك الداخلي الذي يعيد خلق الجارية في كل ولادة شعرية. هو الامتلاك الداخلي الذي يسوق إلى الفناء في الاستعباد كي يستمر التوالد. هو الفناء الذي يرسّخ وجود اللغة ويزيد في عنفوانها ونظارتها. وهو الوجود الذي يخلّد الشاعر عندما يموت إنسانه الجسدي:

وكان ثمة خيطان

من نوارس خضراء

ترف تحت قميص المتأجج والبحر المجنون... الأرعن

يندفع.. مصطخبا في أغواري المُدهامة

وكانت الريح المستبدة تحمل إليّ ذرات أنفاسك العطرة

إنها إبراقة من حالة في نصف الخبل الصوفي، أسرها الشاعر باهتلاك داخلي مرير، من أجل أن نتواصل معها وجدانيا، ونحاول تذوق طعوم اللغة العفوية. ولا اعتقد أن قارئا يستطيع التحليق في طقوس اللغة إذا لم يكن ذواقا للكلمة، وإذا لم يكن شفافا إلى الدرجة التي تنطبع على نفسيته الصورة الشعرية بجزئياتها، كيف نوظف حواسنا الخمس أمام تشكيل لغوي هو تنزيل شعري من علياء الإطلاق؟ وكيف نوظف الحس في تمثل الفتاوى اللغوية لهذا التنزيل؟ تلك هي مهمة رسول اعتنق معاناة البشر واستفهم منها رسالته:

ارتشف شرشف أريجك

اعترش رفرف عينيك

أصلي لعينيك السماويتين

وانتظر مطلع أنوارك الربانية

منتصرا على زبانية الموت

وكوابيس البهتان..

إن شعر الفكرة الذي يحدد مجال الوجدان يتصل بالوقائع الحديثة بالتفاعل الآتي معها قصد استجداء موقفية من الأحداث، بينما يتصل الشعر الوجداني بالوجود من زاوية النظر الشمولية، قصد تجاوز هذا الوجود والسمو به إلى المطلق.

وشاعرنا شكّل بلغته الصوفية التي ترنو إلى الإطلاق عالما خاصا، يجدد فيه الشاعر اكتشافه لذاته، ويعيد تشكيل طاقاته الكامنة التي تقوى على تقويم الوجود واحتواء الوقائع، بمعنى ممارسة الحياة بروح بطولية متفائلة تمتلك كل أسباب الانتصار على دواعي الزيف ومشهديات الظلمة والبهتان:

قالوا عنك مخبولة

واتهموك بالغواية

آه.. يا قديسة الشعراء

آه.. يا امرأة من نوافح عبقر

إن انبعاثات الصورة الشعرية هو انبثاق عفوي يتدفق من مرجعية فكرية علمية وفلسفية تأملية منفعلة في ذات متصوفة، تمثلت الوافد، وتعمقه، وأوغلت في التريث، واستوعبت الواقع، وصهرت كل ذلك في المعاناة الفردية؛ فأشرقت حقيقة الانبثاق وكان هذا الفيض الشعري الذي يجدد اللغة ويضفي عليها قدسية المطلق عبر الأزمنة:

من ملايين السنين

أرقص دون هوادة

لهذا الحب القدوس

لا روحك الظمأى ثملت

ولا أحوالي الصوفية سكنت

عندما أحبك فقط

أغدو قطب الأقطاب

إن الذات المتصوفة ممزقة ومتحرقة بطبيعتها، وهي في توق دائم إلى عوالم الإطلاق التي تتحرر فيها من إلزاميات والتزامات وجود ضال يكتنز اليقينية في أعطافه.

والتصوف حاله فردية انعزالية تسعى إلى الحقيقة اليقينية بمفردها، ومن هذا المنظور فإن التصوف هو مواجهة سلبية للواقع، وهو تضاد ساكن للوقائع. ولكن شاعرنا يمارس التصوف الحي الذي يسوق للبعث، لذلك فإن التنويعات الرمزية المكثفة محاولة للدخول إلى مدارج العقل من مملكة القلب. وليس أقدر من اللغة على فتح هذه المملكة. وليس أقدر من شاعر مرابط في محراب اللغة أن يتوج ملكا على مملكة القلب:

اشتهي لمسة واحدة

من يمناك البيضاء من غير سوء

فأصحو على خمس ريشات

يداعبن كماني الجريح

إنها فاصلة إدهاش ساكنة تتضمن بعض الرغبة في الانفجار. وتدفع القارئ إلى بحيرة المتعة، وتكسبه خاصية التواصل مع اللغة بالحدس. وهي تورط القارئ أن يساهم في العملية الشعرية بالاستغراق في الفيض الرمزي، إنها فاصلة تمثل التصوف "الزئبقي" أو أقصى الحركة في حالة السكون.

إن الاستغراق في الفيض الشعري لـ عثمان لوصيف هو مجازفة كبرى تستدعي امتلاك أدوات غير عادية للتمكن من قراءة استلهامية.

فليس سهلا أن نتواصل في حالة الوعي المدرك مع ثلاثين نشيدا فيضيا تدفق في حالة نصف الخبل الصوفي، وليس سهلا أن نتواصل مع اللغة القديسة إذا كنا لا نمتلك الإحساس بالكلمة ولا نؤمن أن اللغة كائن مطلق، من المجدي أن نبحث في ملهمات الشاعر وأسباب انفجارياته.

ومن المجدي أن نتعمق حقيقة التصوف عند عثمان لوصيف، لنكتشف إن كان هذا التصوف حالة قدرية أم موقفا وجوديا له دوافعه؟

وأعتقد أن الإجابة عن السؤال التالي: هل يمكن لـ عثمان لوصيف أن يكون شاهدا على عصره؟ هو مفتاح القراءة الفعالة لانتاجاته، مثلما أعتقد أن التصوف يقوم على عنصري الجمال والحب، والبحث في محور التصوف عند شاعرنا يورطنا في إشكاليات عديدة أهمها أن تشبيه القطيعة بين الشعراء وجمهور القراء هو إشكالية تخص في المستوى الأول العلاقة بين القارئ واللغة.

ولقد أدرك شاعرنا هذه الإشكالية، فسعى لإعادة القدسية للغة من محراب المرأة، وأعتقد أن المرأة هي المفتاح الحقيقي لمملكة القلب.