وقفة مع الانتفاضة

بقلم: السيد نجم

تعتبر الانتفاضة الفلسطينية في زمانها ومكانها تعبيرا لا يخص أصحابها وحدهم، ولا سكان المناطق المجاورة. باتت "الانتفاضة" تعبيرا صارخا عن أزمة التطور الحضاري عموما/ وفى الوطن العربي خصوصا. كما تعنى بكونها الصورة الواقعية للتخلف التقني والعلمي في الأمة العربية مقارنة بالمنجز العلمي والتقني في العالم الأول، ولأننا أصحاب حضارة فهذا مدخلنا دون شعور بالدونية.

حتى القرن الماضي (القرن العشرين)..كانت الحرب تفرض الخراب والدمار للشعوب المغلوبة على أمرها والمنهزمة.. وغالبا ما تستتبع الحروب بشكل من الاستغلال الاقتصادي للبلدان المنهزمة، مع قدر بارز من النفوذ السياسي للدول المنتصرة.. إلا أنه تلاحظ ظهور ملامح جديدة في العقد الأخير من القرن الماضي ، تمثل ذلك في ظاهرة "العولمة" وفرض "النظام العالمي الجديد".(يقدر القتلى في حروب القرن الماضي ب175 مليونا من البشر).

وجاء القرن الجديد بمعطيات جديدة في مجال الحرب/ التقنيات العلمية المبتكرة. أما عن الوسيلة المستخدمة في الحروب.. فقد كانت مع بدء البشرية: الرمح، الفأس، السهم، المنجنيق..الخ، وهى تعتمد أساسا على القوة العضلية. بينما في الحرب الحديثة التي يؤرخ لها بحرب الخليج الثانية، وحرب كوسوفو، وحرب أفغانستان ففرد واحد هو الجالس أمام الزر يستطيع أن يدمر ويقتل أضعاف ما فعلته كل حروب العالم السابقة. وسيلته تقنية علمية جديدة وليس في حاجة إلى القوة العضلية أو حتى إلى أعداد كبيرة من البشر.

بالنظر إلى أسباب الحروب، بدأت الحروب القديمة بسبب الصراع بين القوميات أو الأيديولوجيات. فيما يقول مفكرو الغرب "صموئيل هانتجنتجون" أن سبب الحروب الآن هو صراع الحضارات أو الثقافات!!
والسؤال الآن: هل يمكن أن يتحول "الصراع" الآن إلى "حوار" بين الأطراف أو البلدان أو الأمم غير المتكافئة حضاريا وعلميا ، أو بين المتخلفة والمتقدمة تكنولوجيا ؟!!..وكيف أصبحت "الانتفاضة تعبيرا عن الأزمة؟؟

في إشارة سريعة لصورة التقدم التقني الحربي الآن، تبرز عدة حقائق: أثبتت حرب الخليج أن 30ثلاثين جراما من "السيلينيوم" (المستخدم في تقنية الحاسوب) يفوق طنا من "اليورانيوم"(المستخدم في القنابل الذرية والنووية).. فقد أستخدم 3000ثلاثة آلاف جهاز حاسوب على أرض معركة الخليج، فضلا عن ألفين أخرى ضخمة وذات إمكانيات فائقة على أرض الولايات المتحدة الأمريكية، هذا إلى جانب التغطية المعلوماتية لقمرين صناعيين بنظام"أواكس وجى ستارس".
وهو ما جعل مذيع محطة س.إن.إن. يصف الضربة الأولى على العراق من خلال الشاشات التليفزيونية قائلا:"إننا أمام فيلم سينمائي أو حفل العاب نارية مسلية !!!".
قد تبدو الصورة أوضح إذا ما قارنا بين التقنيات على مدار الزمن (الحديث). يقال أن الأسطول البريطاني عام 1881م ضرب مدينة الإسكندرية بحوالي 3000ثلاثة آلاف قذيفة، كانت القذائف المؤثرة منها 10%. وفى الحرب الفيتنامية احتاج تدمير جسر "تان هوا" الفيتنامي إلى 800ثمانمائة طلعة طيران، وفقدت عشر طائرات.
في المقابل احتاجت الطائرة الأمريكية "اف4" ذات الرأس الذكية إلى طلعة واحدة لتدمير الهدف.. فيما حققت الطائرة "اف117" الإنجاز نفسه باستخدام قذيفة واحدة..(بينما كانت الطائرة "بى17" أثناء الحرب العالمية الثانية تحقق الهدف نفسه بعد 4500 طلعة) و(وفى الحرب الفيتنامية تحقق الهدف بعد 95طلعة واستخدام 190 قذيفة).
وقد يبرر ذلك ويقرب الصورة إلى المطلع، أن الولايات المتحدة بعد حرب الخليج وفى عام 1993م اشترت 30،000ثلاثون آلفا من أجهزة الحاسوب (وهناك اتجاه بتسليم كل جندي أمريكي جهازا، حتى قالوا أن عدد الحاسوب سيفوق عدد البنادق في الجيش الأمريكي).
وقد ظهرت النتائج في حربي "كوسوفو" و"أفغانستان" التى يقدر عدد القتلى الجنود الأمريكية فيها بالاشىء يذكر!!، وان أضافت المصادر العلمية أنه في الحرب الأفغانية استخدمت تقنية الصاروخ ذي الرأس الذكية القادر على البحث عن بوابات ومداخل الكهوف والمواقع، وربما إلى مكاتب القادة تحت الأرض أو فوقها.(ولا يمكن تجاهل تقنيات الحرب الصامتة التي تعتمد على تعطيل الأجهزة الإلكترونية والمعدات التقنية عند الطرف الآخر إن وجدت).

خلاصة صورة الصراع : أننا نعيش في عالم فقد فكرة المساواة. فقد كانت 10%من سكان العالم تستغل 90%من موارد العالم حتى قبل عام 1960م. أصبحت النسبة أن الأولى أغنى من الثانية عام 1960، 30مرة، وأصبحت 150 مرة خلال التسعينيات، ثم 190مرة مع بداية القرن21..ويتوقع أن تصبح 230مرة في 2010م.

والآن ماذا عن صراع"الانتفاضة"؟
تعتمد الانتفاضة على ظاهرة جديدة لم تبشر بها معطيات التقنيات الحديثة كوسيلة للصراع، ألا وهما الحجر والاستشهاد أو التفجير الذاتي للفرد المقاتل. هذا في جانب "الوسيلة" أما في جانب الأسباب فلم تعد الصراعات القومية والأيديولوجية أو الحضارية هي بؤرة التفجير حسب التفسيرات المختلفة للحروب والصراعات السابقة وحتى العقد الأخير من القرن الماضي.بل تعد الانتفاضة حالة خاصة يلزم تأملها والبحث في جذورها المتشابكة بين الصراع من أجل الأرض وضد الطرد والتهجير بل والإبادة..والصراع من أجل الهوية والذات التراثية المعاصرة.. والصراع ذا الطابع الديني والأنثروبولوجي..والصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي من أجل حياة أفضل، وربما من أجل "الحياة" ذاتها!!
يبدو أنه يجب علينا أولا ثم على الآخر..أن يتفهم الجميع خصوصية الانتفاضة ، وألا تغرينا تحليلات ومقولات الأبواق الأخرى أيا ما تكون، وعلى الآخر أن يسمعنا مهما كانت توصيفاته ومعطياته.
كما أن معطيات الفكر الغربي (في هذا الإطار) وفكرنا في إطار فهمنا للبعد الحقيقي للصراع المعبر عنه الانتفاضة، يجب أن يكون في إطار حقائق ثلاث رسخت في فكر دارسي "الحروب/ الصراعات" عموما الآن وهى: إن معالجة العنف بالعنف، لا يحل المشاكل والصراعات التي قد تؤدى إلى الحروب ولابد من الرجوع إلى درس البشرية الناصع بعد الحرب العالمية الثانية، ألا وهو الرجوع إلى "الشرعية الدولية".. الحقيقة التالية والتي يجب أن ننتبه نحن العرب إليها قبل الآخر، هي أن "السلام" يعتمد الآن على المعرفة بكل أشكالها (العلمية/ الإنسانية)، خصوصا بعد الثورة الرقمية الهائلة التي نعيشها الآن (ثورة الديجيتال).. ثم تأتى التنمية الشاملة للبلدان والتي ما عادت تنفصل عن جوهر الصراعات والحروب.
وهو ما يجعل "الانتفاضة" على خصوصيتها هي قضية العرب من مشرقة إلى مغربه.. فلا انتصار حقيقي إلا من خلال تفعيل مفاهيم ثلاثة:الشرعية الدولة (مع الاقتناع بظواهر الأزمة التي نعيشها مع المصطلح الآن) ، وأعمال وتكثيف المعرفة (وخصوصا المعرفة الجديدة والعلمية، مع قناعة وعورة طريقها وقدر تكلفتها) ، والعمل على تحقيق التنمية الشاملة وفى كل المجالات (تلك التي تقاس بقدر استيعاب مستجدات القيم والمفاهيم والتقنيات الجديدة).
ولا يبقى إلا إبراز دور المبدع (الكاتب والفنان) لرصد تلك الثورة الجديدة"الانتفاضة" حفاظا على جوهر هويتنا المقاومة ضد القهر والظلم.
الحضور الأدبي في الانتفاضة:
لعل الشعر كما هو حال الشعر دوما سباقا في كل المواقف الحياتية الخاصة/ العامة، وهو حال الشعر مع الانتفاضة الفلسطينية.
كما كانت القصة القصيرة عنصرا مشاركا وإيجابيا ، مع قلة عددها نسبيا مقارنة بالقصائد الشعرية.
وان كانت الرواية من أرسخ الأشكال التعبيرية الأدبية في تنوع مواقفها ومساحتها الزمانية والمكانية، وبالتالي تتيح مجالا كبيرا للتعبير عن الأحداث الكبرى في حياة الأفراد والشعوب.زالا أنها أيضا أقل الجناس الأدبية كما في الإنتاج لخصوصية الرواية التقنية، واحتياج الروائي إلى البعد الزمني اللازم لتعمق الفكرة والبحث عن أغوارها، ولأهمية توافر الرؤية البانورامية لتلك الأحداث الهامة.
وهو ما لم يتوفر في الانتفاضة. ومع ذلك كانت هناك بعض اليوميات أو السير الذاتية التي تفاعلت بين الذات الأدبية والانتفاضة ، ومنها "يوميات الاجتياح والصمود- تفاصيل المأساة لحظة بلحظة" وهى اليوميات التي كتبها الكاتب الفلسطيني "يحيى يخلف".

وفى إشارة سريعة لبعض القصص القصيرة المعبرة عن الانتفاضة، هناك بعض الأفكار التي حرص الكاتب الفلسطيني على رصدها والتعبير عنها ، وهى:
:قسوة العدو الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه "محمد نفاع" في قصة "الجنرال".. ذاك القائد العسكري الذي أمر بجمع الأطفال لقتلهم أمام أعين أمهاتهم.
: دور المرأة في الانتفاضة.. وهو من إيجابيات الانتفاضة أن جعلت من دور المرأة في الحياة متكاملا ، وغير مقتصر على الدور التقليدي للمرأة بل شاركت في الكفاح.ففي قصة "صباح بعد انحسار الغطاء" للكاتب "سعيد نفاع". تظل المرأة تعانى الآم المخاض ، بينما زوجها في المعتقل الإسرائيلي، تسترجع ذكرياته معها، وتفرح عندما تلد، وكأن حضور زوجها (المتصور) وقد حضر مع لحظات الولادة ، حقيقة واحدة.
: دور القيم الروحية في تزكية الانتفاضة..وهو ما عبر عنه القاص ""فياض فياض" في قصة "طز..قيد له" ، فيكون نداء "الله أكبر" داخل المسجد محفزا لمواصلة الانتفاضة ،وقد أشار إلى محاولة اليهود سرقة المقدسات الإسلامية في القدس.
: إبراز الجانب الإنساني للإنسان الفلسطيني على الرغم من كل الوحشية التي يتعرض لها..وهو ما برز في قصة "الحاجز" للقاص "نبيل عودة" حيث يستوقف الجنود الإسرائيليين أحد الأطباء الفلسطينيين لعلاج مصابا إسرائيليا، وبعد تردد يوافق الطبيب.
: وهناك بعض القصص التي انشغلت بنقد الموقف العربي ، مثل أحداث الحرب الإيرانية/ العراقية، وكذلك أحداث غزو الكويت..وهو ما أثر بدرجة ما على ما يجرى على الأرض الفلسطينية. وضح ذلك في قصص:"دماء/ محمود سعيد"، و "الجندي الآخر/عبد الستار خليفة".

قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة "الانتفاضة" (على الأقل بالنسبة لما أتيح لي). وقد اعتمدت محاور تلك الروايات على عنصرين أساسين:
: تصوير وقائع نضالية/مقاومة..حيث كتب الروائي "محمد نصار" رواية "نزيف القلب" راصدها مجزرة "مخيم جباليا" ضمن أحداث الانتفاضة حيث استشهد ثمانية عشر فلسطينيا. صور الروائي الكثير من صور الاضطهاد والقسوة في معاملة الأسرى والمعتقلين وذويهم.تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت الزوجة ، لكنه طلقها، لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج الأسير من المعتقل، لم يعثر على أسرته، حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.
: تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي "عبدالله تايه" رواية "العربة والليل" التى تتضمن تفاصيل أحوال سكان المخيم تحت ظل أوامر حظر التجول المستمرة والممتدة والتي تصل لعدة أيام. فيقل من يخرج للعلاج أو لشراء طعاما لأطفاله، أو حتى للعثور على جرعة ماء.
إجمالا يمكن القول بأن الخطاب الأدبي خلال الانتفاضة تحريضيا ومتفائلا، والشخصيات إيجابية..وربما قصة "اسحب تربح" للقاص "صبحي حمدان" تبرز هذا الجانب بقدر من البساطة حينما تعامل مع بائع الترمس الذي يسعى للانتهاء من البيع سريعا حتى يتفرغ للمشاركة في أعمال الانتفاضة الجارية في شمال المدينة !

لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م..حتى أن الدارسين استسهلوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة، وتعددت الدراسات حول نفس الموضوع. وهو بالحقيقة التي تعامل بها الأديب الفلسطيني مع موضع الأندلس حتى أن استحضار رموز الأندلس المكانية/ الأدبية /بل والقيادات الحاكمة مع استحضار الوقائع الأندلسية الشائعة..كان من الظواهر الفنية في الأدب الفلسطيني قبل الانتفاضة.. ونرجو ألا تعود !!

د. السـيد نجـم Mb_negm@hotmail.com Ab_negm@yahoo.com