وقفة مع أحداث إقليم دارفور

بقلم: حسن الحسن

إن الأحداث الأليمة التي تلم بالسودان عموما وتعصف بدارفور خصوصا، لتنذر بمصير مأساوي قاتم، لن ينتهي عند القتل الهمجي والثأر المتبادل وإقحام المستعمرين في كل شاردة وواردة من قضايا الامة الإسلامية، التي لا يوجد راع حريص عليها ولا رائد صادق لها. وكمراقب حريص يؤرقه ما يحدث في أيامنا هذه من جائحة أصابت أبناء دارفور المنطقة الطيبة، التي يعتنق سكانها جميعهم الإسلام، فقد أحببت أن أسجل ملاحظات عسى أن تصل أبناء دارفور الحزين، لعلي أفلح بإضاءة بعض ومضات تنير مسيرة الخروج من الأزمة الواقعة هناك، ملخصا إياها ببعض النقاط على النحو التالي:
إن ما تفعله بعض الزعامات السياسية والقوى الفاعلة من أبناء الاقليم من محاولات متكررة لتدويل الأزمة ما هو الا انتحار سياسي، يسهم لا محالة في تمكين القوى المستعمرة وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا من تنفيذ ما يصبون اليه من تقسيم للسودان وسيطرة على موارده وثرواته البكر، التي الهبت مطامع الدول الاستعمارية للانقضاض عليها. ولذلك لزم الحذر من مغبة الوقوع في فخ تدويل قضية إقليم دارفور، إذ ان تدويل أي قضية بات اليوم من حبائل سياسة الغرب الذي يتقصد من ورائها وبشكل واضح تمكينه من السيطرة على البلاد، إضافة انها تمنحه فرصة إدارة الأزمات لصالحه. وفي حالتنا هذه فإن المنشود هو تفتيت السودان، والتهام ما ظهر فيه من ثروات وفيرة على رأس قائمتها الذهب الأسود.
وبالتالي فإنه كان لزاما على القوى السياسية والعسكرية المختلفة والمتصارعة في دارفور، إضافة على القيمين على القبائل، وعلى السياسيين المتنفذين في هذا الإقليم، الكف عن تنافس الشر وسباق الجشع من أجل نيل كرسي في الحكم والسلطة، مجلوب بدماء الأبرياء والعمالة للأجنبي، الذي لم يجلب للأمة معه يوما سوى الخراب والدمار، وما فلسطين والعراق الا شاهدا عدل لا يكذبان ولا يمكن تجاهلهما. كما ان ما تقترفه هذه القوى يعتبر إثما خالصا وخيانة بحق السودان ودارفور معا. إذ ان هذه القوى تريد تدويل القضية وإقحام الولايات المتحدة الامريكية فيها، لا لشيء سوى نكاية بمن سلب منهم سلطة رخيصة، سبق وأن مكثوا فيها امدا طويلا، من غير ان يحققوا للسودان او لدارفور أثناءها أية مصلحة تذكر.

وبما ان الضالعين في أحداث إقليم دارفور ومن مختلف الأطراف هم مسلمون، فإن تذكريهم بألف باء بديهيات هذا الدين الذي ينتسبون إليه بات أمرا ضروريا، واذكرها في نقاط منفصلة حتى تتضح لكل ذي عينين:

1. إن الله تعالى يوجب وحدة الأمة وتجمعها، ولا يجيز انقسامها وتجزئتها، يقول الله تعالى (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون) ولذا فانه لا يصح بناء أو طرح أي مشروع يتضمن فصل دارفور عن بقية السودان.

2. عدم جواز أو قبول التفريق بين القبائل العربية والإفريقية، لأن كل دعوى عنصرية، قومية كانت أم قبلية يحرمها الإسلام و يمقتها وهي سبب لنيل سخط الله تبارك وتعالى، ويعتبر الاسلام هذه النزعات من المنكرات التي يحظر على المسلم التباهي بها او السعي لإبرازها يقول الله تعالى (إن اكرمكم عند الله اتقاكم) ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا فرق بين عربي ولا عجمي الا بالتقوى) كما يقول (من مات تحت راية عصبية مات ميتة جاهلية).

3. الحذر الكامل والتنبه من ارتكاب جريمة الاستعانة بالاجنبي المستعمر من بعض الأطراف للنيل من البعض الاخر من ابناء السودان، فضلا عن الدعوة الى تحكيمهم في قضايا الأمة، يقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق). كما يقول (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم).

4. حرمة تقديم المصلحة الشخصية على مصلحة أهالي دارفور الذين يحيون أسوأ أوضاعهم المعيشية، وقد تشتتوا في الارض ليس لهم سوى شمس حارقة تظلهم وأرض مجدبة تقلهم، وتعلو جباههم علامات الموت الزؤام. والتنبه الى ان السعي وراء المغانم الشخصية وإهمال شؤون الرعية هو مما ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم من ولي من امر امتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه, ومن ولى من امر امتي شيئا فرفق بهم فارفق به).

5. على الدولة المتمثلة بنظام حكم البشير حسن رعاية أهل دارفور لأن الرسول يقول (الامام راع وهو مسؤول عن رعيته)، و الاعتذار بالفعل والقول معا عما بدر منها من تقصير أزاء هذا الاقليم، الذي بات مرتعا للصوص والقتلة وقطاع الطرق، وعليها ان تدرك مسؤولياتها قبل فوات الأوان، وان تتذكر جيدا ان الله ليس بغافل عنها، وانها ان لم ترعو وتعدل عن الشطط وتنهج العدل الذي لا يستقيم حكم الا به، فإن مصيرها لن يكون خيرا من سابقاتها، وأن الامة ستبقى محفورة بذاكرتها النكبات التي سبّبها لها هذا النظام، منذ أن قدم للحكم مدعيا أسلمة الدولة والمجتمع! وسيحصد رجال هذا النظام حسرة ما ارتكبوه من اساءات بلغت عنان السماء، إضافة الى بغض الامة لهم لما سببوه من تشويه للإسلام وإساءة استخدامه لتحقيق مكاسب شخصية وضيعة. ولذلك فانه كان لزاما عليهم الكف عن الاستهتار بقضايا الأمة، كما انه قد آن الأوان لهم ان يكفوا عن الانبطاح المذل امام قرارات كولين باول وسياسية امريكا الرعناء المفروضة على السودان. والا فان القرارات الامريكية ستجعل من دارفور نموذجا مكررا لجنوب السودان، ليتلاشى معه كيان الدولة، ويبقى الفتات المبعثر منه هنا وهناك، ليطلق على ما تبقى منه بعد ذلك اسم السودان. أمّا وقد ثبت لنا بالدليل الحسي أن هذا النظام المهترئ لا يصلح للأمر الذي أوسده لنفسه، بانقلاب عسكري لمّ فيه النواعق من الغربان، الذين ينظرون للسلطة على أنها فطيرة ابتغوا تقسيمها بينهم تبعا لحصص مشاركتهم فيه، فقد بات من الجدير بهم الان جميعا أن يتركوا الأمر لأهله، وأن يعتزلوا السلطة لأنهم لا يملكون الكفاءة ولا الشرعية اللازمتين لإدارة الدولة. وأن أهل السودان، وبعيدا عن الطبقة السياسية الفاسدة من الموالين للحكومة والمعارضين لها على حد سواء، مليئ بالكفاءات المؤهلة لقيادة البلد إلى بر الامان، مما يتوجب معه تسليمهم زمام الأمور، وترك السلطة لهم لينتشلوا البلاد بتؤدة وحكمة بالغتين من المستنقع الموحل الذي أغرقها فيه هذا النظام الحاكم والوسط السياسي بقواه التاريخية المعروفة، بسبب شبقهم جميعا للسلطة فيه حاملين الوزر فيه على حد سواء. حسن الحسن