وفاء سلطان: وصول الإسلاميين للحكم أقصر الطرق لإنهائهم

الإنترنت ساهمت بتمزيق ثوب الإسلاميين المهترئ

قالت الباحثة السورية الأميركية د. وفاء سلطان إن الثورات العربية أعلت من شأن الإسلاميين وأوصلتهم إلى قمة لم يحلموا بها من قبل، لكنها ستساهم لاحقا في التعجيل بنهايتهم.

وأكدت في حوار خاص مع صحيفة "العرب" اللندنية أن الغرب يبارك اليوم وصول الاسلاميين إلى سدة الحكم في الدول العربية لأنه الطريق الأقصر والأسلم لإنهائهم.

ويؤكد بعض المراقبين أن الحراك العربي المستمر منذ عامين أفرز خريفا إسلاميا بدأنا نلمس بوادره في صعود الإسلاميين للسلطة ومحاولتهم "فرض الشريعة" في عدد من الدول العربية كتونس ومصر وتحويلها إلى بلدان إسلامية.

لكن سلطان تؤكد أن العرب منذ ألف وأربعمئة عام يعيشون خريفا اسلاميا "حرق الأخضر واليابس وحولنا إلى كتل بشرية هلامية لا شكل ولا قوام ولا هوية لها. قضى على كل الحضارات التي كانت قائمة في مناطقنا المسماة اليوم \'عربية\' وطمس لغاتها وتراثها وهوياتها، وختم على عقولنا بالشمع الأحمر".

وتضيف "تسألني إن كنا نواجه خريفا اسلاميا، وأنا بدوري أسألك ومتى كنا نعيش خارج حدود ذلك الخريف؟ كل هذا القحط الفكري والمعرفي والإفلاس الأخلاقي والانحطاط على كل أصعدة الحياة ولا تعتبره خريفا إسلاميا؟"

وتؤكد أن ما نراه اليوم هو "رقص اسلامي من شدة الألم، ومحاولة يائسة لاسترداد الأنفاس بعد أن اشتد الحبل حول رقابهم. الإسلام والإسلاميون محاصرون في زاوية ستأتي على نهايتهم، لكن من العبث بمكان أن نتوقع بأنها ستكون نهاية سهلة وسريعة".

ويواجه الحكام الإسلاميون في عدد من الدول العربية معارضة شديدة من قبل الشعوب التي تتهمهم بتجاهل الثورات في البداية واستغلالها لاحقا للوصول إلى السلطة، ومن ثم محاولة الانقلاب عليها بفرض دساتير جديدة تستمد قوتها في الظاهر من الشريعة وتكرر في الباطن أساليب الأنظمة الديكتاتورية الآفلة.

وتؤكد سلطان أن الثقافة الإسلامية البدوية المبنية على قاعدة "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" لا تسطيع إطلاقا أن تبني مجتمعا مدنيا عقلانيا متماسكا، و"لذلك عندما ستمتلك القوة السياسية وتنشر هيمتنها ستعود بنا إلى زمن القبيلة والاقتتال على الماء والكلأ".

وتضيف "في ظل تلك الثقافة العنصرية سيتشعب الخلاف وسيتقاتل بياض عين المسلم مع سوداها. بودار ذلك الانشقاق بين الإسلاميين أنفسهم تظهر اليوم للعيان في مصر بطريقة أوضح من شمس النهار، وتتعمق كل لحظة بشكل مخيف للغاية".

لكنها تؤكد أننا في عصر الإنترنت والفيس بوك لم نعد رهائن الثقافة الإسلامية كما كان الأمر على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن. "الإنترنت كسرت جدار السجن الاسلامي وفتحت عيون الناس، وخصوصا الشباب اليافع، على الكثير من الحقائق، وكيف يعيش أقرانهم في ظل المجتمعات المدنية الحرة، كما أنها كشفت المستور من تلك الثقافة، وفضحت قحطها ووحشيتها وتعارضها مع الحياة، وساهمت في تمزيق الثوب الإسلامي المهترئ أصلا".

وتضيف "الإسلاميون اليوم يستنزفون جل جهدهم لمواجهة فضائح ثقافتهم بدوى جدوى، وفورتهم اليوم ماهي إلا يقظة الموت، ولكن عملية الاحتضار وقبل لفظ الأنفاس الأخيرة ستأخذ وقتا طويلا، ربما أكثر من جيل، لكن نهايتهم محتومة مهما طالت ومهما كلفت".

وفيما يؤكد بعض الباحثين أن الخريف الأصولي في عدد من البلدان العربية لا يبرر البكاء على الأنظمة الدكتاتورية الساقطة، يبدو السؤال مشروعا حول الفرق بين ديكتاتوريات آفلة تدّعي العلمانية وأخرى جديدة ملتحية تدّعي تطبيق الشريعة الإسلامية.

وتقول سلطان "الديكتاتور العربي سواء كان علمانيا أم دينيا هو إفراز إسلامي وإرث محمدي. قضية الديكتاتور ليست محصورة بشخصه، إنها في العالم المسمى \'عربي\' هي قضية ثقافة وعقلية وكيان اجتماعي محكم التركيب".

وتؤكد أنه في كل علاقة اجتماعية بالعالم الإسلامي مهما اختلف نوعها ودرجتها، لا بد أن يكون هناك طرفان، أحدهما يتسيد والآخر يقبل بعبوديته، سواء بشكل ملحوظ أو غير ملحوظ.

ويتساءل البعض عن حاجة العرب اليوم للدين، وهل ثمة أمل بـ"ديمقراطية إسلامية" عربية جديدة ليست على الطريقة الغربية أو التركية.

وتقول سلطان "هناك الكثيرون من الناس تبرمجوا بيولوجيا وليس فقط تربويا على الإيمان بوجود قوة عليا، ويشعرون بحاجتهم للتطلع إلى تلك القوة، وليس من حق أحد أن يحرم هؤلاء من إشباع حاجتهم تلك، طالما لا يتجاوز الأمر حدود صوامعهم أو معابدهم".

لكنها تؤكد أن الإسلام بشكله الأصولي ليس دينا، وإنما عقيدة سياسية تفرض نفسها بالقوة، و"إذا كنا نتطلع لمجتمع مدني متعدد الثقافات لسنا بحاجة إطلاقا لتلك العقيدة ويجب أن نقلعها على الأقل من المناهج الدراسية".

وتضيف "الإسلام والديمقراطية برزخان لا يلتقيان، ومحاولة الجمع بينهما ليست سوى محاولة لاكتساب مزيد من الوقت قبل أن يلفظ الإسلام كدين عنصري أنفاسه الأخيرة".

ولكن بعض الباحثين يخالفون رأي الباحثة السورية حول التعارض بين الإسلام والديمقراطية، ويبررون ذلك بالانتخابات "الديمقراطية" التي أوصلت الإسلاميين لسدة الحكم في تونس ومصر.

فيما يذهب البعض الآخر إلى إن جميع الدول الدينية (مسيحية، مسلمة، يهودية) هي أساسا غير ديمقراطية، مؤكدين استحالة التماهي أصلا بين الدين والسلطة "إذ أننا لا نستطيع حكم الناس من الجامع أو الكنيسة أو دور العبادة".

وتقول سلطان "حسب قناعتي المطلقة لا يمكن لأي دين من الأديان أن يصلح ليكون منظومة قانونية وأخلاقية لبناء مجتمع مدني متحضر في القرن الواحد والعشرين، ففي كل دين يوجد خرافات وتعاليم تتعارض مع العقل والمنطق والأعراف الأخلاقية".

وتستدرك بقولها "لكننا لا نستطيع أن ننكر دور الدين (بشرّه وخيره) في بناء عقلية الفرد وتحديد مدى قابليته ليتعايش مع غيره في المجتمع الواحد، أو ليقيم علاقات حسن جوار مع المجتمعات الأخرى، لاسيما بعد أن صرنا نعيش جميعا ـ وبفضل التكنولوجيا ـ في قرية صغيرة هي العالم".

وأمام الاستقطاب السياسي والإيديولوجي الكبير في العالم العربي، تبرز ملامح صراع إيديولوجي (أصولي –علماني) وربما حروب دينية مستقبلا، فيما ينكب البعض على العودة إلى التراث والتعلق بأمجاد الماضي في ظل واقع عربي يبدو مفلس فكريا.

وترى سلطان أن التعلق بالماضي هو محاولة نفسية يائسة لمواجهة حالة القحط الفكري والإفلاس الأخلاقي التي وصلت إليه الشعوب الإسلامية. (إذا لا وجود لأمة عربية -حسب سلطان- فالعرب خليط غير متجانس من شعوب لكل منها ثقافة وتراث وعادات ولغة مختلفة).

وتؤكد أن هذا الإفلاس المتفشي بشكل كبير في المجتمعات العربية، كرسته أربعة عشر قرنا من الظلم والقهر والاضطهاد والقمع والجهل، ولكنها تلمس في الوقت نفسه حالة غضب عارم يعيشها الشباب اليافع كردة فعل على هذا الواقع المتردي.

وتشير إلى أن الهوة بين الجيل الذي ولد في عصر الإنترنت الأجيال التي تقولبت فكريا قبله عميقة جدا، و"يستطيع الناظر إليها بعين الباحث أن يستوضح معالمها بسهولة".

وتضيف "عندما أتابع ما يكتبه \'المثقفون\' من الرعيل الأول تذهلني كمية الهشاشة الفكرية والمعرفية التي تنطوي عليها كتاباتهم وتقييمهم لما يجري، مازالت الحدود القمعية التي رسمها الإسلام محفورة في أخاديد قشرتهم المخية، علما بأنها في بعض الاحيان قد لا تكون موجودة على أرض الواقع".

وتؤكد أن جيل الإنترنت -رغم حداثته وغضاضته الفكرية- لديه "رغبة جامعة في أن يتعلم ويتطلع نحو مستقبل أفضل بعيدا عن ثقافته الإسلامية القمعية والأعراف البدوية الجلفة التي وقفت حجرة عثرة بينه وبين الحياة".

ويبدو أن هذا الجيل الجديد "المتنور" حسم معركته مع دعاة القدامة والجهل منذ أن ثار ضد الديكتاتوريات (العلمانية والدينية)، وما زالت المعركة مستمرة في ظل محاولة السلطة الدينية قمع الحريات والعودة إلى عصور الانحطاط.

وتقول سلطان إن صراع اليوم بين جيل الشباب والأجيال السابقة يتعلق بالتراكمات العقائدية والفكرية عبر قرون طويلة، و"لو أتيح لهذا الجيل أن يمتلك وسائل الإعلام الذي يمتلكها الإسلاميون لسقط الإسلام بطريقة أسرع من سقوط الاتحاد السوفياتي".

وتضيف "ليس لدي أدنى شك من أن النصر سيكون حليف جيل اليوم، لأن ساعة الزمن لا ترجع إلى الوراء. للأسف هناك مصالح سياسية وعرقية ودينية دولية ومحلية تشكل عوائق في طريق هذا الجيل نحو المستقبل الذي ينشده، وستأخر من وصوله، لكن ذلك الوصول هو قدر قادم لا محالة".