وصية علي: «أَكره لكم أن تكونوا سبَّابين»

أتينا، الأربعاء الماضي، على السَّب السياسي من على منابر الأَمويين، حتى ألغاه عمر بن عبدالعزيز (ت 101 هـ)؛ وعلى نوايا إعادته من على منابر العباسيين، التي أبطلها العُقلاء بالنصيحة. لكن ظل يُمارس كمشاغبات بتوجيه سياسي، هنا وهناك، بما حصل بين الديالمة والأتراك وبين المذاهب، فقد وصل العداء بين الحنابلة والأشاعرة ببغداد إلى الترامي بالطابوق، ناهيك عن المواجهات بين المحلات الشيعية والسنية، والدوافع سياسة لمصلحة الرؤساء.

إذا كان السب السياسي بشعار الدين استمر رسمياً لنصف قرن في العهد الأموي (41-99 هـ) فقد عاد واستمر لنحو قرنين في العهد الصفوي (1511-1743).

أصل الصَّفويين أتراك متصوفة، طريقة أسسها صفي الدين الأردبيلي (ت 725 هـ)، واستمروا على صوفيتهم السنية حتى ميل حيدر بن جُنيد (قتل 894هـ) إلى التَّشيع، الذي بدأ به والده، واتخذ لأتباعه شعاراً «ذا اثني عشر شقة»، إشارة إلى مذهب الإمامية. ثم قام ولده إسماعيل (ت 1524)، مؤسس الدولة بمهاجمة الدولة العثمانية (الشِّيبي، الطريقة الصفوية)، بمذهب مخالف لمذهبها الحنفي.

ما تقدم مختصر شديد لتاريخ الدولة الصفوية، وليس من موضوعنا ما استحدثه الصفويون في التشيع العلوي، ولعل في كتاب شريعتي (ت 1977) «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» ما يحفز على البحث. قلت: السَّب كان موجوداً، فمثلاً ابن بطوطة (ت 779 هـ) في رحلته، وعند خروجه من العراق، سمع أحدهم، في القافلة، يسب الخلفاء فقُتل (الرحلة). ومعلوم أن رحلة ابن بطوطة كانت قبل الصفوية بنحو مئتي عام. هذا مثال والأخبار في بطون التواريخ. لكن لم يُعد السَّب رسمياً، على منابر الدين، إلا بعد وصول أحد علماء جبل عامل إلى أصفهان.

ويغلب على الظن أن الصفويين ما كانوا ملتفتين إلى ممارسة السب كسياسة لتشييع المنطقة، وعندما نقول «تشييع» لا يعني أن إيران كانت خالية من التشيع، وإنما كان الصفويون، السنة بالأصل، بحاجة إلى تحشيد الجيوش بعقيدة مناكفة ومؤثرة شعبياً، تتقاطع مع عقيدة الخصم.

أقول ما كان الصفويون جادين بإعلان عقيدة مغايرة للتشيع العلوي، الذي تعايش مع الدولة العباسية، وكانت لمراجع كبار حظوة فيها، فوالد المرتضى والرضي، الحسين بن موسى العلوي (ت 400 هـ) تسنم نقابة الأشراف وإمارة الحج وديوان المظالم معاً (ابن الأثير، الكامل في التاريخ)، وكذلك ولده المرتضى (ت 436 هـ). بمعنى ليس هناك من الكبار من كان يفكر بالسب، وخصوصاً أن بعض خلفاء بني العباس مثل الناصر لدين الله (ت 622 هـ) اقترب من الإمامية (ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية)، وقبلها بكثير صارت ولاية العهد للإمام الثامن (عند الإمامية) علي الرضا (ت 203 هـ)، أما أن المأمون (ت 218 هـ) قربه لكي يقتله فمن الصعب تصديق أو احتمال ذلك.

بدأ السب، في الدولة الصفوية، بعد وصول الشيخ علي بن عبدالعال الكركي (ت 1533)، والذي يُعرف بالمحقق الثاني، وكان قد اُستدعي إلى أصفهان عام (1511)، لتأسيس عقيدة مذهبية ذات فائدة في النفير ضد الدولة العثمانية، تختلف عن التشيع المعروف، فمما أرساه الكركي هو إعلان سب الخلفاء من على المنابر.

قصة ذلك، حسب مصدر شيعي إيراني: «عندما أتى الشيخ إلى أصفهان ذهب في اليوم التالي إلى المسجد وأقام صلاة الجماعة، وبعد الصلاة صعد أحد تلامذة الشَّيخ على المنبر وجاهر في سب المختلفين، ولم يكن حتى ذلك الزمان يجهر أحد بذلك» (التنكابني، قصص العلماء)، وقد دعم ذلك برسالة «نفحات اللاّهوت في لعن الجبت والطاغوت» (المصدر نفسه). بعدها «أمر الشَّاه بأن يُعلن السب في الشوارع والأسواق»، وعلى السامع التثنية وإلا فالقتل ينتظره (الوردي، لمحات اجتماعية).

لم يكن علماء الشيعة كافة موافقي الكركي، الذي حللَّ أخذ الخراج للسلطان، والسجود له، مقابل اعتباره «أصل السلطنة لأنه نائب الإمام... قال له السلطان: أنت أليق مني للسلطنة لأنك نائب الإمام وأنا من رعيتك وأعمل بأوامرك ونواهيك» (قصص العلماء). فعندما أجاز أخذ الخراج عارضه الشيخ إبراهيم القطيفي (ت 950 هـ) في «السِّراج الوهّاج تدفع عجاج قاطعة اللجاج»، فالكركيّ كتب «قاطعة اللجاج في حلّ الخراج». فأمر بطرد المخالفين من إيران كي لا «يُضلوا الموافقين» (المصدر نفسه)، ويعني بالمخالفين علماء الشيعة غير الموافقين. وقد يُطرح التساؤل: لماذا الكركي لم يسب من كان بدأ السب، معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ)؟ ولماذا الشَّيخين؟ ربَّما رأى أن سبه لا يخلق عقيدةً ولا يُجيش جيوشاً!

استمر السَّب من على المنابر من 1511 حتى مؤتمر النجف (1743)، وكان مِن توصياته، بإشراف نادر شاه شخصياً (اغتيل 1747)، إبطال السب من قِبل الإيرانيين والتكفير من قبل العثمانيين (السويدي، مؤتمر النجف). كذلك وقفت النجف، بعد حين، ممثلة بالشيخ كاشف الغطاء (ت 1954) لمنع العوام من الاحتفال برواسب الفترة الماضية بما عُرف بـ«فرحة الزهراء» (كاشف الغطاء، عقود من حياتي)، ووقف المرجع حسين البروجردي (ت 1961)، ضد من ينهل من تلك الرواسب (ما تُرجم لآية الله منتظري). إنها أصداء الماضي نراها تُحيا بوسائل العصر، وللجواهري (ت 1997): «سيبقى طويلاً يحمل الشعبُ مكرهاً/ مساوئ من قد أبقت الفتراتُ» (الرجعيون 1929).

حصيلة القول، من يقرأ «موسوعة العذاب» (سبعة مجلدات) لعبود الشالجي (ت 1996)، يجد أن السبّ كان وسيلة من وسائل العذاب، وسيفهم أنه عذاب للساب أيضاً، فهو يُقاد بلا بصيرة من قبل تُجار السب والكراهية، الذين فتحوا فضائيات تقابل فضائيات التكفير، ومع السب أيضاً لمذهب بالكامل دون تمييز.

يمكن عذر من يعلن السب من العوام، وإن كان بينهم مهندس وطبيب، فالوعي لا يقاس بالشهادة، لكن بماذا يعذر الشيخ الكركي، خاصة أن علي -يُسب الخلفاء بذريعة الانتقام له- يقول: «إني أكره لكم أن تكونوا سبَّابين... ولو قلتم مكان سبكم إِياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم» (نهج البلاغة)؟ علي يكره سب محاربيه بصفين (37 هـ)، فكيف إذا تعلق الأمر بمن عاش معهم وكان الفقيه والقاضي في عهودهم؟ فلو لم يكن ما مورس سباً سياسياً، لا علاقة لعلي وعمر به، لالتفت السبابون إلى: «اللهم احقن دماءنا ودماءهم»! النتيجة أن السب لا لدين ولا لمذهب إنما لسياسة وحزبية تمكنت من عقول الجهلاء!