وزارة السيسي الأولى

حالة من الإحباط واليأس سادت الرأي العام المصري عقب التشكيل الوزاي الجديد للمهندس إبراهيم محلب في أول تكليف من الرئيس عبدالفتاح السيسي، خاصة بعد الاستعانة بعدد من وزراء حكومة الفريق أحمد شفيق التي شكلها في أواخر عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، إلى جانب اختيار عدد من أعضاء حكومة هشام قنديل التي شكلها في عهد الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي وجماعته، فضلا عن زيادة عدد الحقائب الوزارية إلى 34 من بينها 21 وزيرا من الحكومة السابقة.

مصدر الإحباط واليأس لا يتعلق بكون هذا الوزير أو ذلك لم يقدم شيئا يذكر في الوزارة السابقة أو بكونه محسوبا على النظامين السابقين اللذين أغرقا مصر في الفساد والارهاب فقط، ولكن بكون أعمار الوزراء تراوحت ما بين 60 و70 عاما أو يزيد، ومن بينهم مرضى لا يكادون يتحكمون في قدرتهم على الحركة والحضور الذهني، ومن ثم كيف سيتسنى لهم أن يتواكبوا مع حيوية ونشاط وبرامج الرئيس وفقا لما رأى الناس وسمعوا منه.

انتظر الناس الرئيس الجديد ليخلصهم من أفكار ورؤى ورجال النظامين البائدين مبارك ومرسي، وأن يبدأ فورا في عمليات تحرير وتطهير تقود إلى تغيير جذري في النظام، انتظروا أن يأتي برجال يحملون روحه القتالية والوثابة الطامحة لنقل مصر إلى مرحلة أخرى تشهد خلالها بناء عظيما يردها رائدة وقائدة، لكنهم فوجئوا به يكلف الرجل نفسه المحسوب رأسا على نظام مبارك، ولم تحقق وزارته السابقة التي أبقى على 21 وزيرا منها شيئا ملموسا للمواطن، فما كان منه إلا أن ذهب إلى نظام مبارك ليستكمل تشكيل وزارته لتصبح جديدة.

لقد استشعر الناس من الوهلة الأولى تناقض الرئيس مع نفسه ومع أفكاره التي طرحها في حواراته قبيل الانتخابات الرئاسية، وأيضا ما طرحه في برنامجه الذي اتضحت ملامحه في حفل تنصيبه بقصر الاتحادية، وبدلا من أن يلد نظامه الجديد الذي يحمل ملامح شخصيته وآفاق أفكاره ورؤاه، ذهب ليلملم جراح نظام مبارك ويرد إليه الحياة، فيأمر بتشكيل حكومة تجئ من الصفوف الأولى والثانية والثالثة لنظام مبارك، منهم من هو ضليع في استمرار نظام مبارك لثلاثين عاما، والأسوأ من ذلك أن وزراءها لا يملكون القدرة على طرح أفكار ورؤى جديدة تتوافق مع المستقبل، وإن ملكوها لا يملكون الحيوية التي تؤهلهم لتنفيذها ومتابعة تنفيذها.

لن تصبح مصر "أم الدنيا" و"قد الدنيا" بحكومة تيبست أجساد أعضائها وانطفأت شعلة الحيوية فيها، هل هذه الحكومة التي يعيش بعض أعضائها متنقلا بحقيبة الأدوية تستطيع أن تجري وراء الشباب المتطلع إلى بناء مستقبل تشع فيه روح الكرامة والحرية والتقدم والرخاء.

الإشكالية الكبرى التي لم يدركها الرئيس وهو يقدم على تكليف المهندس إبراهيم محلب بتشكيل هذه الوزارة ثم حلف وزرائها اليمين أمامه، أنه قدم للجماعة الإخوانية الإرهابية وأنصارها وأعوانها خدمة جليلة للعودة إلى التأثير بالرأي العام المصري في الشارع بقوة وبث سمومها وزرع الفتن وخلق تعاطف واسع معها، وها هي تقدم ما يثبت عودة نظام مبارك وتتباكى على ثورة 25 يناير التي سرقت وشهدائها ومصابيها الذين ذهبوا هدرا.

قد لا يكون الذنب ذنب الرئيس ولكن ذنب من يقدمون له التقارير ويتابعون نيابة عنه ردود الأفعال في الشارع، فأغلبهم لا يتحركون في الشارع ويفتقدون القدرة على التواصل معه، والشارع محبط ويائس وغاضب، وما على المرء إلا أن يقوم بجولة في وسائل النقل العام، أو يفتح حديثا جانبيا على أحد المقاهي،حتى يدرك ذلك. والجماعة الارهابية بحكم قواعدها المغلغلة في الشارع تدرك ذلك وتعرفه جيدا ولا يستبعد أن تستغله في المرحلة القادمة، خاصة مع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والصحية والتعليمية، واستمرار فوضى الاشغالات في الشوارع والميادين وتحولها إلى محال وكنتونات، وعودة انقطاع الكهرباء والمياه بشكل يومي، فهذا كله يشكل مادة ثرية لزرع الفتن والتحريض على التمرد، وما الثورة عن المصريين ببعيدة، إنها لم تنته بعد، ولا أظن أن الحلول الأمنية والاتهام بالارهاب يمكن أن يمثل حلا، فقد استخدمه نظام مبارك وفشل.