ورطة نظام الجزائر بين ديمقراطية تونس وتدنّي أسعار النفط

'البحر من الوراء والعدو من الأمام'

الجزائر ـ يتساءل الجزائريون عما إذا كانت السلطات في بلادهم ستأخذها العزة بالإثم وتستمر في "تغولها" واستفرادها بالحكم رافضة كل دعوات المعارضة للقيام بانفتاح سياسي إرادي قبل ان يعم طوفان الاحتجاجات القادم مهما نجح النظام في تأجيلها لأطول فترة ممكنة.

ويقول محللون للشؤون الجزائرية إن السلطة في الجزائر لا شك في انها ستجد صعوبة كبيرة مستقبلا في "شيطنة" مطالب دفع البلاد نحو القبول بالتداول السلي على السلطة الذي طرحته المعارضة.

وينطلق هؤلاء من مستجدين اثنين أولهما ما وقع في البلد الجار تونس من نجاح لتجربة التداول السلمي على السلطة وثانيهما التدهور القياسي لأسعار النفط في الأسواق العالمية.

وبالنسبة لنجاح التداول السلمي على السلطة في تونس، يؤكد المحللون ان السلطة في الجزائر لن تسطيع الاستمرار في استخدام كلمة "التغيير" كمرادف للفوضى وعدم الاستقرار، واستغلال فشل التجارب الانتقالية في دول "الربيع العربي" لضرب خصومها السياسيين.

ومايزال النظام الجزائري واحد من اشد النظم في العالم الثالث رفض للتغيير مسايرة العصر، وتسيطر عليه طبقة سياسية ما تزال تستمد شرعيتها من ثورة التحرير رغم كل التغييرات العميقة التي حصلت في البلاد ومجيء أجيال جديدة لم تعش الثورة وتسمع عنها في الارشيف وفي ذاكر الكبار السن.

ويحتم هذا الواقع المتحجر للنظام الجزائري أن يستخدم كل الوسائل من ترغيب وترهيب للمحافظة على وجوده في استماتة غريبة ولا يوجد لها تفسير واضح على البقاء رغم ما طال رئيسه من تدهور للوضع الصحي الذي يجعله عاجزا عن أداء مهامه بشكل جيد.

وقال مراقبون إن نجاح التغيير السلمي وشفافية العملية الانتخابية في تونس "من شأنها أن تسبب إحراجا للسلطة في الجزائر التي لم تبادر بأي إصلاحات عميقة، بالرغم من النداءات الموجهة إليها من المعارضة".

ومنذ مدة تطالب أغلب أحزاب المعارضة بانتخابات رئاسية مسبقة تؤطرها لجنة مستقلة ودائمة للانتخابات خارج وصاية وزارة الداخلية الجزائرية التي دأبت على تنظيم انتخابات صورية تنتهي الى تزييف نتائجها للمرشح الأوحد والزعيم الذي لا مناص من وجوده وبقائها "ضمانا لأمن البلاد واستقرارها".

ويسيطر على أداء السلطات الجزائرية المرتبكة توتر شديد وهي تبحث عن السبيل الممكنة لمواجهة ضغوط الخارج من ذلك قلق الاتحاد الأوروبي إزاء الوضع بالجزائر وكذا لقاءاته مع أحزاب المعارضة، وايضا مواجهة مطالب الطبقة السياسية في الداخل التي يقول مراقبون إن "ورقة التجربة التونسية" نزلت عليها من السماء، لتكون برهانا على أن اتهامات السلطة لها بـ"تهديد الاستقرار" من وراء دعوات تغيير يهدد بإدخال البلاد في حالة من "الفوضى".

ويقول عدد من قادة المعارضة الجزائرية وناشطون في المجتمع المدني إن الانتخابات التونسية التي أعطت لمؤساساتها الحاكمة شرعية شعبية غير مسبوقة، ودستورا "توافقيا" شاركت فيه كل مكونات المجتمع التونسي، أسقطت "ورقة التوت التي كانت تختبئ وراءها السلطة في الجزائر، وتبرر بها ما تسميه ”الاستمرارية” على حساب تجسيد مبدأ التداول السلمي على السلطة الذي تم التراجع عنه في التعديل الدستوري لسنة 2008، والذي ألغى تحديد العهدات الرئاسية وركز كل السلطات في يد مؤسسة الرئاسة، وأفرغ بقية المؤسسات الدستورية الأخرى من صلاحيات الرقابة وصنع القرار".

ونجح النظام الجزائري طيلة السنوات الـ15 الماضية في تأجيل الإصلاحات السياسية بفضل الطفرة النفطية التي سهلت عليها شراء السلم الاجتماعي عبر سياسة إنفاق هائلة سمحت بعدم ارتفاع الاسعار لكن المعطيات اليوم تغيرت وبشكل دراماتيكي.

ويقول مراقبون إن النظام يجد نفسه بالضبط في وضعية "البحر من ورائكم والعدو أمامكم". وهو من جهة يواجه دول جوار طورت تجربة ديمقراطية ناجحة جديرة بالاقتداء (تونس والمغرب)، كما يواجه ما وصفه الامين العام لـ"جبهة التحرير الوطني" بـ"المؤامرة" السعودية الأميركية لتخفيض أسعار النفط.

وفقد برميل النفط في الاسواق العالمية نصف مداخيله في ظرف قياسي. ويجعل هذا النقص الحاد في المداخيل البترولية السلطة الجزائرية في ورطة بعدما كانت تستعمل نسبة كبيرة من أموال البترول لإخماد احتجاجات الشارع. لكن انخفاض العائدات الى النصف تقريبا سيجعل من المستحيل عليها الاستمرار في هذا الطريق.

وفي حين تعيش منظومة الحكم حالة "طوارئ" حقيقية حول ما يجب فعله لمواجهة هذه المستجدات التي لم تكن تخطر على البال على الأقل في المدى القريب، تسعى أحزاب الموالاة إلى استعطاف المعارضة ودعوتها لعدم التصعيد في خطابها بعد سنوات من تجاهلها.

ويقول ملاحظون إن كل ما تم ذكره سابقا يؤشر على أن "النظام الحاكم يعيش حالة من القلق غير مسبوقة بسبب غياب البدائل لديه، بعدما عاش على ريع البترول ولم يقم بالإصلاحات المطلوبة سياسيا واقتصاديا، وبقي رهينا لاهتزازات السوق البترولية".

ويولَّد تدني أسعار البترول ضغطا على السلطة بوجهين: الأول تراجع المداخيل، والثاني كيفية التصرف في المخزون المالي الناجم عن فترة الرخاء البترولي، وكيفية إدارة "التقشف" الذي تدينه المعارضة، على خلفية "عجز" السلطة عن تبني اقتصاد بديل طيلة 15 سنة وبلغت فيها مداخيل البلاد من عائدات البترول أرقاما قياسية.