ورشات الكتابة .. هل تفيد؟

بداية صحيحة

تقدّم الورشات الكتابية في مجالات التأليف الأدبي، أفقاً تفاعلياً يفي بالغرض أمام الخاضعين لها من المؤلفين والكتّاب، في حال رغبتهم بالتقاط الخطوات الأولى من طريق الكتابة وتقنياتها. مع ضرورة أن يكون عند الكاتب أرضية متينة من الثقافة تأخذ بيده نحو تعلّم أدوات الحرفة. إلى جانب توفر عنصر الموهبة وحس الإبداع والخلق الإبداعي بتقاطعاته الكثيرة مع المعطيات السياسية والاجتماعية والتجارب الشخصية.

لكن هذا النوع من الورشات، لا يستطيع أن يصنع كاتباً أو شاعراً أو روائياً. هو فقط يوحي للباحثين عنه والمنتسبين إلى صفوفه، بالمبادئ الأساسية والأولية للكتابة. ويؤمّن إمكانية التجريب والمحاولة والإصرار تحت إشراف بعض المتخصصين أو المبدعين. كما أنها - أي الورشات - تعمل على تقنية العصف الذهني، الأمر الذي يستدعي الأفكار والحكايا ويجعلها رهينة لحبكة يلتقطها الكاتب ويوظّفها في مكانها وزمانها الملائمين.

في ذات الجانب، يبقى الأمر معلقاً رهين نقطتين، الأولى تصبّ حول الموهبة التي يجب أن يمتلكها الشخص المنتسب كي يتمكّن من الاستفادة الحقيقية من الورشات وتلمّس الخطوط العريضة في مجال التأليف الأدبي. وقدرته على ربط الخيوط ودمج الأفكار وبالتالي خلق فضاء حكائي إبداعي. بينما تذهب النقطة الثانية إلى ما يمنحه المشرف المختص من معلومات وتقنيات لطلبته داخل الورشة، ومعرفته الكاملة بالأساليب الإبداعية وقدرته على نقلها لأشخاص غيره، من خلال آلية مدروسة من الألف إلى باء.

منه، ينطلق الكاتب والفنان التشكيلي محمد المزروعي، الذي أشرف على عدد من الدورات في مجال تنمية مهارات التفكير والكتابة إلى أنها تساعد على خلق نموذج لفهم طبيعة الكتابة كمستوى أول. طارحاً إشكالية أن أساليب ومنهجة التدريب بإمكانها تطوير أو تعطيل ملكة بعث هذا الفهم، فالكثير من الورش لها طابع تقليدي مبني على فكرة التدريس أكثر منها التعامل مع اكتشاف روح الممكن عند راغب الكتابة وتفعيل وجوده الشخصي عبر الكتابة كوجود.

وعن تجربته يقول: منذ عشرين عاماً أطلقت دورة تحت عنوان "تنمية مهارات التفكير والكتابة" جاءها طلبة مدارس وغيرهم من الراغبين والمهتمين. وأذكر أنهم استطاعوا أن يكتبوا كتابة جميلة من خلال ما خضعوا له من تقنيات وتمارين مختلفة، استكشفت مخازنهم الشخصية. ومن دون شك يبقى الموضوع منوطاً بإحداث تراكم هم الكتابة كمشروع، وليس كوظيفة أو أداء لمجرد التعبير المتقن".

ويضيف: "للورش أهمية الاكتشاف أولاً، ومن ناحية أخرى ممارسة التعرض للأدوات والأساليب حتى يتفهم المتدرب طبائع مختلفة لترجمة ظنونه ومدركاته، وكيفية صنعها على الهيئة المناسبة لهمه التعبيري والجمالي، لأن الكتابة في عمقها التجريبي والمُلْغِز ليست مهنة مكتبية، بقدر ما هي صدام مع الأنا والعالم، ومن هنا أي ورشة ستأخذ المنحى التدريسي نموذجاً للفهم الشكلي لن تعرف أحداً على ذاته ليستطيع بعدها مداهمة نفسه بنفسه كمجرم.. ناهينا عن أن الكتابة هي نوع من القراءة، لذلك يجب على الكاتب معرفة كيف يقرأ، ليس فقط الكتب وإنما كل شيء، كل شيء..”.

الكاتبة وفاء أحمد، ترى أن المغري في ورشات العمل الكتابية هو الالتزام قبل أي شيء آخر. وهو أمر يحتاجه الكاتب لإنجاز مهامه. كما أن المدرّب الجيد يستطيع أن يصقل موهبة المشاركين معه، ومنحهم تقنية الاحتراف. ولعل من أبرز الإيجابيات لهذه الورشات، أن هناك من يشدّ على قلم الكاتب ويستطيع تحويلها وتمرينها، ويساعده على النهوض بنفسه وبفكره.

كذلك تشرح أحمد عن تجربتها الشخصية، قائلة: "بالنسبة لي كان خضوعي لورشات الكتابة الإبداعية في مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تجربة هامة وضعتني على مفترق الطريق طرق في مجال الكتابة الروائية، وقدّمت لي مفاتيح أساسية وآلية احترافية".

بدورها، تحيل الكاتبة هيفاء الأمين المسألة إلى حضور عنصر الإبداع عند الشخص، مبينةً أن مثل هذه الورش تفيد ولكن ليس بالطريقة المرجوة، كونها لا تعطي الكاتب موهبة الابتكار الإبداعي، والتي إن لم يكن يمتلكها فمن الصعب جداً أن ينجز مشروعاً أدبياً بفنية وتقنية عاليتين. وتؤكد: "يجب أن يحب الإنسان الكتابة ليصلها. عشق الفكرة يجعلنا نذهب إلى أماكن جمالية كثيرة في محاولة التعبير عنها. بالإضافة إلى أن الممارسة تصقل الموهبة وتنميها. ما يعني أن ورشات الكتابة مفيدة لبداية صحيحة وليس للاستمرارية".