وردة الرمال وسيرة حياة امرأة من السامرة

بقلم: أحمد فضل شبلول
مفاجأة من غادة نبيل

"وردة الرمال" هي الرواية الأولى للكاتبة غادة نبيل، وحقيقةً فوجئت بمستواها الفني الجيد، وتناولها الجرئ لحياة البشر في بعض المناطق الصحراوية والبدوية، وتوغلها في الحديث عن المسكوت عنه في تلك القرية، وما يماثلها من قرى بدوية تمر عليها في رحلة هروبها من قريتها "السامرة"، وصولا إلى قرية أو بلدة "صافيتا" التي تتحدث بلسان المجاهدين أو المقاومين العرب.
لم تعين الكاتبة أو الراوية أو الساردة، المكان ولا الزمان تعيينًا دقيقا، ولم تحدده تحديدا قاطعا، وكأن الرواية تدور في اللامكان الصحراوي على الرغم من تسمية بعض القرى والمدن، وعلى الرغم من إشارات زمنية سريعة لا تقصد من ورائها زمانا أو مكانا معينا، مثل إشارتها عن الحسين بن علي في قولها أو تساؤلها ص186 (هل كان الحسين بن علي يقدر على قتال يزيد؟) فنفهم من ذلك أن الرواية تدور بعد مقتل الحسين في كربلاء.
واختيارها لبيئات صحراوية أو بدوية بحتة، يجعلنا نقول إن أحداث الرواية بعيدة كل البعد عن زماننا أو عصرنا الحالي، وأيضا عن بيئاتنا الصحراوية أو البدوية المعاصرة التي حلت فيها عربات الونيت (أو نصف النقل) محل الجمال والبغال والحمير، وأن الإرسال التلفزيوني حل محل السهرات البدوية تحت ضوء القمر، حيث تثرثر البنات والنساء حول أهم ملمح حياتي لديهن وهو الجنس، وطقوسه المختلفة، وكيفية ممارسته، وكيفية تعامل المرأة مع رجلها، وتأثير الوصفات الشعبية ـ من خلال امرأة تدعى الشامانية (وهي كلمة هندية تعني الطبيب الساحر) ـ في حل بعض العقد النفسية والجنسية لدى الكثير من الرجال والنساء.
لم تقف الكاتبة الروائية عند هذا السطح البدوي، أو هذا المظهر الذي يجعل من البيئة أو الحياة البدوية مجرد مأكل ومشرب ومضاجعة، وبحث عن عيون وآبار المياه، مثلها في ذلك مثل الحيوانات التي ترعى في هذا الامتداد الأرضي الأصفر الشاسع، الذي تجفل منه الروح، وهو المظهر نفسه الذي صار يمثل الصورة النمطية لدى معظم الغربيين عن الإنسان العربي بعامة حيث الخيمة والجمل والصحراء برمالها اللانهائية ومضاجعة النساء والتقاتل ـ حد الموت ـ على آبار الماء وعيونها. هكذا يصور الإعلام الغربي الإنسان العربي في وقتنا الحالي.
استفادت غادة نبيل من كل هذا، في محاولة ثورية لنقضه في روايتها الآسرة "وردة الرمال" فتختار فتاتها أو بطلتها السامرية، التي تبحث عن المعرفة والحرية والعدالة والثورة على الوضع القائم، فتخرج من قريتها هاربة من أَسْرِ العادات والتقاليد التي تحكم قبيلتها، باحثة عن أرض لا يحزن فيها أحد، وكأنها بذلك تبحث عن المدينة الأفلاطونية الفاضلة. فمنذ أن قرأت المسطور أسفل ضريح السامري بن الآمد: "سيماؤك وعلياؤك أرض بلا حزن"، وهي لا تنام. لقد أقضَّ مضجعها تلك العبارة، وقلبت حياتها رأسا على عقب.
أهدت غادة نبيل روايتها إلى "هالة محمود العبد"، وافتتحتها بنبوءة شعرية، تقول فيها:

"ترقبي واعرفي
التيه منذ الوعي بلا رتاج
الغزارة لليل فقط
أما النجوم المظنون بها الخير، فليست كذلك
جرش الحصى لاستقامة الروح، لذا سيمتلئ فمك حصى مثل المرأة الليلية التي كانت تصحو فتجد أختها حشت لها ما بين اللسان والحلق بالصخور الصغيرة وهي نائمة ..
المرأة أم التي ولدتك
لن يزول الحصى إلا بالوصول إلى أرض بلا حزن
أما الحرث .. فهو البيضة الأولى التي لن ترى الشمس أو القمر عند مدخل العالم السفلي يحرسها كلاب الألباستر
وحتى .. لدى الانفساح المؤقت للدياجير
ستشتهين وجعك".

***
فهل لخصت الكاتبة أو الراوية رؤيتها في تلك النبوءة الشعرية، وأن أحداث الرواية التي ستجئ فيما بعد ما هي إلا التفاصيل العملية لتلك النبوءة؟
لقد استعانت الكاتبة، أو الراوية ـ فيما بعد ـ بالأوراد القديمة، والحوليات، واللفافات، والتقاويم، وطبع الأيادي على الكهوف القديمة، وأساطير الصحراء، وبعض الأغاني البدوية، فضلا عن استعانتها بكتاب الأوبانيشاد العظيم، وكتاب الموتى الفرعوني، والعهد القديم، وغيرها، لتكتب سيرة حياة امرأة من السامرة، كان كنيتها السادرة، هجرت قومها، فظن البعض أنها صعدت إلى السماء بالجسد وصارت ربانية، وظن آخرون أنها كطيور الهوماس التي تتناسل في الهواء، وتلقي بيضها فيه لتخرج الصغار الزغبية ثم تنتفض عائدة إلى السماء، لا يلامس ريشها صلابة، ولا أرجلها النحيلة حقل أرز".
هكذا تضعنا الرواية منذ البداية في حالة من حالات ـ أو بؤرة من بؤر ـ التوجس من تلك المرأة البدوية الثورية التي حيكت حولها الأساطير، وشعَّرتها الحكايات، فارتفعت إلى مقام القديسين والشهداء، بينما رماها الكهنوتيون بالكفر والزندقة. في حين ذكر التقي الحبشي في مفكرته أنها كانت تطيل الجلوس تحت سماء الليل وتترصع بالمخبوء، وأنها أحبت مَنْ أحبت، ولفظت من لفظت، وأن كنيتها كانت السادرة.
وعلى ذلك تتخفى الرواية وراء الأوراد الثلاثة التي تضمنتها مفكرة الحبشي، وهي وِرد الهجرة، ووِرد الخِدعة، وورد النفرة. وقد سقط من هذه الأوراد ما كان العامة يرددونه من ترصد السامرية لسير القديسين وأحباء السباع والأفاعي.
وعلى الرغم من ذلك تبدأ الأحداث الحقيقية في الرواية بضمير المتكلم، فتقول السامرية، وكأنها ستنطق بالشعر: "بينما السماء والأرض مازالتا تلتحمان بذلك البياض المشترك والمتواطئ الذي يشبه الدخان خرجتُ من "السامرة" حيث تنتفض العقبان ويخرج الغمام".
ثم تبدأ في تعيين أو وصف لحظات ما قبل الصحو، وما اعتاد عليه أهل قبيلتها وعشيرتها الذين كانوا في منشئهم جموعا نصف سيارة تجوب صحارى ووديان المنطقة الغربية في الألف الأولى، قبل مولد شيخهم السامري بن الآمد في البقاع المتاخمة لشروان الصغرى.
فهل هذا يعني تحديدا للزمان والمكان اللذين كنا نبحث عنهما في بداية هذه القراءة؟
أم أنه حيلة فنية أو قناع تتخفى وراءه الراوية؟
عموما تخرج السامرية وهي خائفة من أن يحس بها فتيات الربع وهي تنسل من بينهن. وتتذكر في لحظات خروجها ما حدث لفتيات أخريات حاولن الخروج، وباءت محاولاتهن بالفشل، وكانت النتيجة سفك دمائهن.
ثم يعلو تيار الفلاش باك (العودة إلى الوراء) في لحظات الخروج، فتتذكر السامرية، أختها حفصة التي تصغرها بعامين، والشامانية العرافة والمعزمة والكاهنة ومحضرة الأرواح، وطاردة الأرواح، والقابلة ومعلمة الجنس التي تتحدث عنه في جلساتها، وكأنها تتمنى إفكا خاصا جديدا، وتريد أن تنبهر بإداء ما، وغير ذلك من الوظائف التي تجعلها مهابة لدى الكثيرين من أهل قريتها، وخاصة النساء، وإن كن يتندرن عليها أحيانا.
أيضا تتذكر السامرية، بلقيس الجارة التي تزوجت منذ عشر ليال قبل الخروج، وفضها زوجها بالأصابع، بعد أن تكرر فشله في فضها مثل جذع النخلة، ثم نكتشف أنه كان لوطيا (ضبطوا خلسة أحد الرعيان يشتد في اللواط مع زوج بلقيس خلف صخرة السعدين).
أثناء ذلك التذكر نعرف أيضا الكثير عن تلك القرية، وعن عادات وتقاليد البدو وثقافتهم اليومية بصفة عامة. وعن النخيل والتمور، وأسراب الطيور التي تمر في سماء القرية، وعن الجياد والنياق وحالاتها التي تحدث عنها شارد المخصي، الذي أسره قومها في غزوة لهم، وأخصوه، فتعود عدم وجود شيء يُذكر بين فخذيه، ولكنه يشعر بأنه رجل عندما يلتقي بالسامرية. وعن الحراتي حبيب السامرية المنفي الذي كثيرا ما كان يقفز إلى فضاء النص وفضاء الذاكرة، وخاصة أثناء لحظات الحنين والتوجع والفجيعة العاطفية، وفلق الصبح التي تحدثت عن الأرض التي لا يبكي فيها الطفل ولا يشيخ، وأنها تبعد ما يزيد عن مدن عشر بعد المفازة، وأنه يروى عن فحولة رجالها إذا ما سمعته امرأة تعود صبية. وفلق الصبح هي التي أفتت وكشفت سر نساء القرية حينما أباحت لأم بلقيس تعليقًا على مسألة الفض بالإصابع قائلة: "وماذا في الأصابع؟ ألم نُفض كلنا هكذا ؟".
وبهجة التي علقلت بدورها قائلة: "والله ما نرى مزية للعذارى اللواتي يحملن بكارتهن هدية لدود القبر".
وللساردة أو الراوية أو السامرية رأي مهم، لا يخلو من جرأة، في مسألة إطلاق رجال القرية لحاهم، فبعيدا عن رأي الدين، وعن خطب شيوخ القرية، كان الرجال يقدسون الطمي الأسود الذي لم يكن معروفا في "السامرة" (لكونها قرية صحراوية، تقع بعيدا عن مجاري الأنهار) فهناك صلة بينه وبين المواقد، (والرجال إذ تتفخَّر أعضاؤهم على اشتهاءاتها السرية، فيطلقون اللحى كلما اقتربوا من النساء، ويتبارون في إطالتها في مواسم بلا مواعيد حتى إذا ما بدأ الواحد إطالة لحيته يبدأ جاره وبقية الحي في إطالة اللحى، حتى صارت اللحى دليل شوق الرجل لامرأته إذ يدلي الواحد منهم لحيته على رأسها، وهو يحتضن ذلك الرأس أثناء جلوس المرأة إلى التنور فكأنه يقول بلا كلام "أريدك").
مع السرد التذكري أو الورائي يتغير ضمير المتكلم، ليصبح ضميرا غائبا، وكأن الشخصية تتحدث عن غيرها، فبعد أن كانت السامرية تتحدث عن نفسها وتقول (خرجتُ) على سبيل المثال، تقول عن نفسها: "مرة أمسك أبوها شعرها، وكانت ترى شعرها أفقيا مثل خطوط الكثبان".
ثم يعود ضمير المتكلم مرة أخرى، بعد انتهاء لحظات السر د التذكري، فتقول أثناء لحظات هروبها: "تململتُ مستديرة إلى اليسار ..". وأحيانا يحدث الخلط بين الضميرين في لحظات التذكر، فتقول على سبيل المثال: "كنتُ أحيا، أمشي وسط السامرة بالجسد فحسب".
هكذا تراوح الراوية بين ضميري المتكلم والغائب على طول الرواية، الأمر الذي يستدعي الانتباه واليقظة أثناء القراءة. بل أحيانا يدخل ـ في السرد ـ صوت شخصية من الشخصيات تتحدث عن نفسها بضمير المتكلم، مثل قول شارد المخصي: "لم أحزن منذ الإزالة على شيء إلا على إصرار السامرية على الخروج .. هذه التي أشعر معها أنني رجل".
***
أول مدينة تقابلها السامرية بعد مسيرة ثلاث ليال من هروبها أو انفلاتها من قريتها دون أن يتعقبها أحد من أهلها، في محاولة للبحث عن الأرض التي بلا حزن، هي "العليَّات" التي تشبه في أصولها "السامرة"، وهي مدينة ظلت تتآكل بفعل الغزو والنهب وتلويث النهر حتى استحالت عشيرة صغيرة بلا فروع، وصارت أكثر بداوة بين عربان المشرق، ولكن يعيش بين ظهرانيهم رجل حكيم يُشاع عنه أنه من الأخيار وصفوة علماء الشرقيين الذين يعرفون أخبار المدن الزائلة والمحجوبة، هو الشيخ عبَّاد الذي تشرح له بعد ملاقاته أن غوايتها ليست المدينة الأبد، ولكن غوايتها المعرفة (أنا أريد أن أعرف. أريد معرفة وفرحا) فيفاجأها الشيخ بجوابه: ليست عندي.
ويتبرعم حوار فلسفي بين السامرية والشيخ عبَّاد يكشف عن ثقافتهما وفكرهما وفلسفتهما في الحياة ورؤيتهما لله وللكون وللأشياء، يشطح فيه الشيخ فيقول: "لو أني الله لصنعت عالما مكتمل البهجة منزوع الضجر".
هكذا تغزو الرواية بعض الآراء الفلسفية، التي تشطح أحيانا، وتقف عند التأملات المجردة أحيانا أخرى.
بعد إغارة إحدى القبائل المجاورة على "العليَّات" فينهبون ويخطفون ما شاء لهم، تصف نساء القرية السامرية بأنها الشؤم ونذير السوء، فتقرر السامرية الرحيل، ويهديها الشيخ ناقة "الرحبة"، ويرسل معها دليلا من العارفين بطرق الصحارى والفلك، فيسيرون إلى أن يصلوا إلى المدينة التالية، وهي مدينة "حبتون" فتطلب من أهلها رؤية العارفين الذين يسترشدون بهم، فيدلونها على الديلمي حكيمهم الذين يتضوعون بثيابه، فتراه في "مغارة القديسة بارتنوبا" حاملا في يده اليمنى صليبا يستخدمه في فرك فخذه الخلفي فوق منطقة الركبة، وينطلق الحوار بينهما، وتعترف له السامرية قائلة: "إن أهلي أرادوا تزويجي بمن لا أريد وأنهم طردوا الأول الذي أحببت. كان اسمه الحراتي ولم يكن من قومنا". ويطمئنها الديلمي، ويصف لها النقطة التالية "دير جبرائيل" فتلتقي هناك بالشيخ الأعمى الذي يدلها على إسرافيل البقلي نافخ المزمار بين معشر الجبرائيليين، وصاحب رؤيا العرش المائي، وبعد التقائها بإسرافيل يطلب منها ـ في موقف أشبه بموقف الخضر مع النبي موسى ـ ألا تسأل عن شيء (فإن سألتِ كان فراق بيني وبينك حتى قبل الوصول). ويترك الزعيم البقلي قومه ليساعدها في الوصول إلى النقطة التالية "درب المتون".
وبعد ليلة يبيتانها في أحد المآوي الصخرية بالطريق، ويلتحم فيها السرد الخيالي بالواقعي، والحلم بالأمنية، والرغبة بالتحقق، ويختلط البياض بالزرقة، وتقفز إلى فضاء الرواية أو فضاء الرؤية الحلمية، مليكة بطلمية حكت المدونات أنها قتلت نفسها (وأظنها كليوباترا). بعد هذه الليلة التي كشفت فيما كشفت عن الشخصية الجوانية العميقة للسامرية، يصلان إلى بلدة صافيتا التي كانت قلعة لأميرة نيسابورية الإسلاف تداعت قاعة العرش فوقها مع الجند. وبالقرب من البلدة يُقتل إسرافيل البقلي. تقتله فتاة محاربة من النبطيين الثوريين المنشقين، بعد أن اغتصبها، لقد كانت الفتاة في انتظار قدومه، فهناك ثأر قديم بينه وبين قومها. وتعترف حوراء فتاة صافيتا المحاربة بأن قومها انشقوا عن العرب عندما بدأ مجلس قبائل العرب يفرض عليهم ما لا يطيقون. ثم بدأت تشرح وكأنها تشير إلى وضع العرب الحالي مع بعضهم البعض ومع الغرب أيضا، فتقول: "تحملنا الجباية وظللنا ندفع لقاء حق المرور في صحارانا لسنوات حتى فاض الكيل وما عادت الأم تجد ما ترضعه لوليدها .. حتى النوق إذا استحلبت لم تعد تدر لبنا، واليوم يحذرون ولدانهم ورعيانهم منا. نعم نغير عليهم .. لكن لنأكل إذ عندما كنا نحتكم إلى مجلس القبائل كان يقيم علينا الحدود ويرفعها عن المغيرين علينا. ما كان من الممكن أن نستمر كما أرادونا نوقا عجافا وهم يسمنون".
عندما سألناهم ماذا تريدون منا: كانت إجابتهم: موتوا.
هذا الموقف الأخير يلخص كل أطماع الغرب الآن، في الدول العربية. فهل كتبت الرواية للوصول إلى هذه النقطة؟ وهل هروب السامرية، يعد هروبا من واقعها السيء والمأساوي، لتجد الأسوأ والأكثر مأساوية في انتظارها، وهو مقتل صاحب رؤيا العرش المائي الذي حلمت برغبة حرة معه، على الرغم من أنه كان من المتاجرين أو المشعوذين الذين يستغلون حاجة أهله للدين في تلك الصحراء الشاسعة التي يبحث فيها الإنسان عن إله يحميه، فيدعي الإسرافيلي ما يدعيه، ويشطح في ذلك، فيتهفون باسمه، ويطيعونه طاعة عمياء.
"رأت الفتاة نفسها في الحديقة الحصوية .. الحديقة البيضاء الحصى فقط، ورأت نصفها الأعلى يُعرى ثم يغطى ثم نصفها الأسفل يعرى ثم كلها مغطاة .. ثم رأت الإسرافيلي وأنه هو الذي كان يعريها وينظر، ثم يمتنع عن مسها، وأنها تعريه وتمسك به، وأنه هو الذي يرى عريها، بينما هي لا ترى شيئا من ذلك .. ".
***
في صافيتا تلتقي السامرية بالشيخ دعيج كبير القوم، وتخبرها حوراء أن مكانته لا تؤثر على قرارات المجموعة، فتصحح بذلك صورة رجل الدين في قومه، فهو على العكس تماما من الإسرافيلي تاجر الدين والرؤى الفاسدة.
لقد عرفت السامرية أن نساء صافيتا يستطعن حمل السلاح، وأن لا صوت إلا صوت السيوف، وخاصة عندما بدأت أعدادهم تتناقص. وأنهم يبطلون كل ما لا يعينهم على الكفاح. وبعد إحدى الغارات على البلدة تحلق السامرية شعرها مثل بنات صافيتا، وينبسط وجهها وهي ترى نفسها صلعاء، وتقرر المران على السلاح، ذلك أن ناس مدينتها إن لم يثر أحد لهم فدوى في حال من الانحناء الدائم حتى تخرج رغوة القهر من نفوسهم بالموت.
في صافيتا عرفت السامرية طريقها نحو الجهاد، ونحو الحرية والمعرفة والثورة، وأن السلاح ولا شيء غير السلاح هو السبيل إلى ذلك. وعندما عرفت ذلك بعد مراحل البحث والمعاينة والاقتناع الكاملين، ودَّت لو تمتص ثدي الحياة حتى آخر نقطة لبن أو دم.
***
تسير الرواية في طريقين أو خطين متوازيين، ولكن يلتقيان في النهاية، الطريق أو الخط الأول هو الفلاش باك أثناء لحظات هروب أو فرار السامرية من قريتها، وأثناء تنقلها من قرية إلى أخرى، فتستدعي كل أجواء القرية وعلاقات البشر بين بعضهم البعض وخاصة علاقة الرجال بالنساء التي تحتل معظم تفكير البدو في تلك المنطقة، وتحتل بالتالي جزءا غير يسير على صفحات الرواية البالغة 206 صفحات، فتكشف بذلك عن المسكوت عنه في تلك العلاقة، في جرأة مغلفة بالفن، لا تهدف إطلاقا إلى إثارة الغرائز، بقدر ما تهدف إلى إثارة المعرفة الإنثروبولوجية من خلال السرد الفني.
والطريق الثاني هو أيام وليالي هروبها، وتأملها، وتنقلها عمليا من بلدة إلى أخرى، إلى أن تصل إلى صافيتا، وفيها عرفت خلاصها (الذي هو خلاصنا جميعا) بعد أن انتظمت في صفوف النساء المحاربات. وهنا يلتقي الطريقان أو الخطَّان.
لقد هربت أو خرجت السامرية من قريتها لتخلُّفِ أهلها، وارتفاع معدل القهر والظلم بها، خاصة بعد حكم الإخصاء على الفتى شارد، وهروب حبيبها الحراتي، وإجبارها على الزواج من رجل لا تحبه، وتحكم الشامانية في إيقاع حياة القرية، واندمجت في حياتها الثورية الجديدة كي تتعلم فن الحروب واستعمال السلاح، لتحقق النصر على الأعداء، فتستطيع أن تخلص أهلها بالسامرية من التخلف والجهل والقهر والظلم والجور، فيتحرر الإنسان هناك، ويتعلم ويعرف. وبذلك تحقق حلمها الثوري الكبير (وحلمنا) في العثور على أرض بلا حزن، وفي نوم بلا حصى يُحشى به الفم. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية