.. وحرب امبريالية ايديولوجية أيضاَ

"يمكن ان نصفهم بالهمج، وفقاَ لقواعد العقل وليس بالمقارنة معنا، لاننا نتفوق عليهم في كل انواع الهمجيات" الاديب الفرنسي مونتين 1
اعلن الرئيس الاميركي، وبالكاد بعد وهلة قصيرة من الاخفاق العسكري الصهيوني في مواجهة المقاومة اللبنانية، شن "هجوم ايديولوجي تتجاوز ابعاده النزاع العسكري" واصفا اعداء الولايات المتحدة اليوم بانهم "خلفاء الفاشية والنازية والشيوعية ومختلف القوى الشمولية التي شهدناها في القرن العشرين". واكد ان "الحرب على الارهاب...ستكون صعبة وطويلة". واعلن رئيس الدولة الامبريالية الاقوى في العالم في خطاب اخر لاحق له في بداية شهر ايلول/سبتمبر "حربه ضد الفاشية الاسلامية" وساوى بين "التطرف الشيعي والتطرف السني".
انها اعلان حرب عسكرية وايديولوجية شاملة وطويلة - للقرن الحادي والعشرين- ضد كل من يمكن ان تعتبرهم القوى الامبريالية اعداء لها. واصبح الصاق صفة شنيعة عليهم سهل بفضل "كاتالوج الاوصاف والاتهامات " الجاهز الذي يردده الرئيس الاميركي على شاكلة " ارهابي، مؤيد للارهاب، فاشي، فاشي اسلامي، طاغية، متطرف سني، متطرف شيعي، شمولي....الخ.". ايديولوجيا الخطر الدائم ويذكر هذا الهجوم الايديولوجي الامبريالي بسابقه الذي بررت من خلاله الادارات الاميركية السابقة وحلفائها سياسات الهيمنة في حقبة ما سمي بالحرب "الباردة". والذي استند على مفهوم مسطح وهو ان "الشيوعية والفاشية تؤامان".
واذا كان معروفا ان "نظرية" الهجوم الايديولوجي الامبريالي في حقبة الحرب الباردة غرفت من المفاهيم الاساسية التي طرحها المفكر السياسي اليميني النمساوي كارل بوبر الذي لمع اسمه بعد الحرب العالمية الثانية. وتركزت اطروحاته اليمينية الاساسية على ان الشيوعية والفاشية متشابهتان لانهما تعبيران عن ما اسماه بمجتمعات "مغلقة" تحكمها ايديولوجيات سياسية "شمولية". بينما تمثل الديمقراطيات الغربية –لدى بوبر- نقيض لهما وهي مجتمعات "منفتحة". واصبحت هذه الايديولوجيا سلاحا ذو حدين، الاول موجها للخارج، والثاني للداخل. واصبح سهلا توصيف أي دولة او نظام ما (في الخارج) او حزب او نقابة (في الداخل) باعتبارها شمولية او شيوعية او فاشية لكي تصبح "عدواَ للحرية" يصبح مشروعا فعل أي شيء من اجل سحقها وتدميرها. لقد بررت هذه الايديولوجيا حروبا امبريالية مدمرة على مدى عقود من الزمن، واستمرارها، مع بعض التعديل،لا يبشرسوى باستمرار سياسات الحروب والهيمنة الامبريالية في العالم.
في الخمسينات، اعلن العديد من المسؤولين في الادارة الاميركية وعلى رأسهم الرئيس ترومان والجنرالين ماكارثر وريدجوي ان بلادهم هي "في حرب ضد الشيوعية"، وعلى الصعيد الداخلي شنت حرب اخرى، هي تلك التي سميت بالمكارثية لملاحقة "العدو الداخلي" من المثقفين المعارضين واتهامهم بالمشاركة في "مؤامرة شيوعية".
مسعى الحكومات الامبريالية لخلق "خطر ماحق وشيك" وجو من عدم الامان لدى الرأي العام في بلدانها يلبي حاجتها في تحقيق هدفين اساسيين لها, الاول هو تبرير التدخلات العسكرية ومشاريع الحروب والهيمنة. والثاني هو تنمية وتعزيز المجمع الصناعي – العسكري من جهة، وتمرير اجراءات اجتماعية وسياسية غير شعبية، من جهة اخرى.
وفي نفس الاطار، قامت ادارة ريغان في الثمانينات بتنفيذ سياسات ليبرالية متوحشة مثل خفض الضرائب على الثروات الكبيرة وتقليص المكتسبات الاجتماعية و"دولة الرفاه" مبررة ذلك بخطاب يحذر من "التهديدات الخطيرة " المباشرة التي يتعرض لها الامن القومي للولايات المتحدة، فماذا كانت هذه التهديدات التي دفعت الادارة الاميركية الى فرض حالة الطوارئ عام 1985؟
انها، نيكاراغوا البلد الصغير والبعيد عن الحدود الاميركية وبجيشها الصغير الذي لا يتجاوز 34 الف جندي، كانت احد اهم هذه التهديدات الخارجية، من وجهة نظر الادارة الاميركية. و"بحرب استباقية" قامت الولايات المتحدة عام 1983 بغزو بلد يشكل بالنسبة لادارتها خطرا محدقا لها (كذا) وهي جزيرة غرناطة التي لا يتجاوز عدد سكانها 85 الف نسمة؟ وقامت بقصف وخطف رئيس بنما نورييغا في عام 1989.
وعلى نفس الشاكلة، رتبت الادارة الاميركية، بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 دخولها في حرب جديدة عالمية.
اسمتها "حرب بلا نهاية ضد الارهاب"، ولكن الخطر هذه المرة، حسب الخطاب الامبريالي، اخطر واكبر. فالرئيس الاميركي بوش الابن يتحدث في خطاب له في كانون ثاني/يناير 2002 عن خطر متعدد الاشكال وخفي، فيقول " هنالك مئات القتلة الخطيرين، المدربين على وسائل الاغتيال، والمدعومين من انظمة مارقة، مندسين في كل مكان في العالم، وهم فعلا قنابل موقوتة جاهزة للانفجار دون تحذير.. ان مقدار الحقد في قلوبهم لا يضاهيه سوى جنون الدمار الذي يريدون القيام به.."
مرة اخرى يتم استغلال القلق الذي انتجته احداث الحادي عشر من ايلول / سبتمبر لدى السكان، مثلما فعل ريغان مع تلويحه بخطر الساندينيين في نيكاراغوا، من اجل تبرير وتمرير سياسات لا اجتماعية وانفاق عسكري مذهل، وقوانين قاتلة للحريات مثل قانون "باتريوت اكت" وامثاله في الدول الاوربية الاخرى.
وتلعب وسائل الاعلام الرأسمالية الكبرى المرتبطة عضويا بالمجمع الصناعي-العسكري مثل جنرال الكتريك في الولايات المتحدة او لاغاردير و داسو في فرنسا، دورا هاما في تسويق خطاب النخب الحاكمة. وكما يصفها نعوم تشومسكي فان " وسائل الاعلام المحلية تتوجه الى "النخب" السائدة وتضع نفسها في خدمتها... وتفسيرها الاعلامي للعالم يعكس مصالح واهتمامات البائعين والشارين والمؤسسات الخاصة والحكومية التي تسيطر عليها" وبالاخص فانها تخضع لرؤؤس الاموال التي تديرها.
ان وسائل الاعلام في الولايات المتحدة واوربا من خلال المعلومات والمعلومات المضادة تنشر وتنتج بشكل متواصل ومتعدد الاشكال رؤى لعالم ملئ بالاخطار والتهديدات، وتنصب استطلاعات الرأي وكأنها تعبير عن اجماع للسكان.

2 استراتيجية اعادة تشكيل المنطقة الدمقرطة

اعطت استراتيجية الادارة الاميركية وحلفائها "بالحرب على الارهاب" التي تتضمن اقامة الشرق الاوسط الكبير –او الجديد- تأكيداَ للدور الاساسي للدولة الصهيونية في تنفيذ هذا المشروع في المنطقة. وتنطحت ادارة المحافظين الجدد باعطاء نفسها والدولة الصهيونية الحق باعادة هيكلة المنطقة وفق مصالحهما، واحتكار استخدام القوة لازالة اية عوائق كائنا ما كانت في مواجهة هذا المشروع.
وقد واجهت هذه الاستراتيجية مقاومة شعبية صلبة. الاولى كانت في الصفعة التي تلقتها مع انتخاب حماس في فلسطين، والثانية –والاهم- مع المقاومة الشعبية اللبنانية الباسلة في مواجهة العدوان الامبريالي –الصهيوني ودحره. وهي المرة الاولى في تاريخ الدولة الصهيونية التي تتساقط فيها اعمدة اساسية من استراتيجيتها في مواجهة الدول العربية، أي تهافت مبدأ "الجدار الفولاذي " الذي تتبناه النخبة الحاكمة الاسرائيلية، وهو المبدأ الذي طرحه في العشرينات زيف جابوتنسكي احد اعتى الصهاينة عنصرية والذي يقوم على ضرورة استخدام اقسى انواع العنف والقوة في مواجهة أي نهوض عربي.وهو الذي يعلن ان الدولة الصهيونية في فلسطين " هي قلعة لاوربا في مواجهة اسيا، والخندق الامامي للحضارة في مواجهة الهمجية".
ولكننا لن نتناول في مقالتنا هذه الجانب العسكري لاستراتيجية اعادة تشكيل المنطقة من خلال التواجد الامبريالي العسكري المباشر الذي بدأ بغزو افغانستان ومن ثم العراق وصولاَ الى محاولة سحق حكومة حماس المنتخبة "ديمقراطياَ" والعقوبات والتهديدات على ايران وسوريا، واخيراَ القرار 1701 الذي يسمح بتواجد القوات العسكرية للدول الامبريالية المعنية في لبنان، وان كان تحت الخوذات الزرقاء.
بل سنعرض باختصار تطور الاراء والدراسات الاجتماعية حول اليات دمقرطة البلدان العربية، ولا سيما تلك المؤثرة في سياسات الحكومات الغربية والتي تندرج في تحقيق استراتيجيها في منطقتنا.
مما لا ريب فيه ان مفهوم "الديمقراطية" تعرض الى الكثير من التحول في تعريفه، خلال القرن العشرين. في البدء كان ينظر اليه باعتباره نمطاَ للحكم نادر- منحصر تقريباَ في الدول الغربية-، وتتفاوت قدرته على الحياة حسب واقع كل دولة.
ليصبح اليوم، حسب الايديولوجيا السائدة عالميا، هو الشكل السياسي الشامل والصالح عالمياَ وفي كل البلدان. والبلدان العربية هي من اقل المناطق تأثرا بموجة الدمقرطة واكثرها تسلطاَََ.
والحال، فان البحوث والدراسات حول الديمقراطية في العالم العربي، عانت منذ الخمسينات من نزعتها الاوربية الغازية، والتي تجعل من الديمقراطية (الغربية) المآل الطبيعي لكل تطور سياسي. وعانت ايضاَ من عوج في تقييمها للسيرورات السياسية لبلدان المنطقة، حيث انها اخضعتها الى مقياس جامد هو مدى توافقها مع خط بياني مثالي، هو الانموذج الاوربي (والاميركي).هذا التصور المسبق والجاهز يجعل –سلفاَ- من كل تطور سياسي لبلدان المنطقة فشلاَ او انحرافاَ مقارنةبالمسار التاريخي "الطبيعي" الذي سارت عليه الدول الاوربية. وهذا ما دمغ الدراسات والبحوث بافة تركيزها على ما "ينقص" وعلى ما لم "يتحقق" وعلى ما لم "ينجز"، وباختصار انها ركزت على البحث عن العناصر المفقودة في هذه السيرورات السياسية مقارنة بالانموذج الاوربي. وغاب عن هذه البحوث دراسة كيفية وصول البلدان العربية الى هذا الحال، لتنحصر في دراسة لماذا لم تصل الى حال أخر(هو النموذج الاوربي).
فقد راجت في فترة الخمسينات، أي في مرحلة اطاحة حكومات ما بعد الاستقلال لصالح انظمة شعبوية – قومية وتسلطية، مقولة اساسية دارت حولها الدراسات المعنية بالبلدان العربية، وهي مقولة "أهمية المستلزمات المسبقة لاحلال الديمقراطية". وقد لاقت هذه المقولة رواجا بعد ان نشر المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي مقالا بعنوان "الاسس الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية في الشرق الاوسط"، وتناولت هذه المقالة قضية اساسية وهي "تحديد العلاقة بين الرأسمالية والتنمية والديمقراطية". وقد اشار عيساوي في مقالته هذه الى "غياب الديمقراطية في الشرق الاوسط بعد مرحلة نزع الاستعمار" وقدم تفسيره لغيابها بأن "الاسس الاقتصادية و الاجتماعية لا تتوفر بعد"، وتوصل الى ضرورة توفر مستلزمات مسبقة لتحقيق الديمقراطية، انطلاقا من تجارب الديمقراطية الاوربية ومثيلاتها، وحدد هذه المستلزمات المسبقة كالتالي: "حد معين-معقول- من الارض والسكان، ومستوى معقول من التطور الاقتصادي، وتوزيع للثروة، وتصنيع، وتجانس في اللغة والدين، ومستوى معقول من التعليم، مع توفر تقاليد للتعاونيات والجمعيات". انتقلت هذه المقولة الرائجة حينئذ في الدراسات الاجتماعية الاوربية لتتبلور في نظرية ضرورة قيام "الطبقة الوسطى الجديدة " كشرط للديمقراطية، وخاصة في كتابات مانفرد هالبرن، والتي تقول بان التحديث الاقتصادي للمنطقة بدأ يخلق الاسس الاقتصادية والاجتماعية التي بامكانها ان تؤهل للانتقال الديمقراطي للبلدان العربية. والفكرة الاساسية التي استندت عليها هذه النظرية هي ان التعقيد الاجتماعي والاقتصادي المتزايد (خصوصاَ بفضل التصنيع والتمايز الطبقي) يتطلب اشكال سياسية للحكم اكثر تعقيداَ هي اللعبة الديمقراطية، وقد شاعت هذه الفكرة في كل النظريات والدراسات المعنية بالمنطقة.
واذا كانت نظرية التحديث هذه ب"مستلزماتها المسبقة" للديمقراطية (الاقتصادية والاجتماعية) قد عانت من مركزيتها الاوربية ومسارها المستقيم وبحثها السديمي عن " طبقة وسطى جديدة"، الا انها تعايشت مع نظريات اخرى لا تستند على هذ المستلزمات المسبقة بل استندت على تناول عنصري يقول بان عدم تحقق الديمقراطية في بلدان المنطقة انما هو نابع عن تمايز في الهويات الاساسية والثقافية، ورأت بعضها في ان احد هذه التمايزات يكمن في " عدم قدرة العرب على اخضاع ميولهم الانانية لصالح هدف مشترك"، ونجد في اطروحات هانتنغتون وغيره من دعاة" صراع الحضارات" الاثار العميقة لهذه الاطروحات العنصرية. مثلما نشهدها ايضا في خطاب الادارة الاميركية والمحافظين الجدد.

3 من الديمقراطية الى اشكال هجينة من الاستبداد/الديمقراطية
لكن دراسات مراكز البحوث الغربية استعادت نشاطها في اواخر الثمانينات وبشكل اكبر في التسعينات بترافق مع ما اطلقت عليه مصطلح "الموجة الثالثة للدمقرطة"، أي انهيار دول اوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي واندحار الدكتاتوريات في العديد من بلدان اميركا اللاتينية.
وهذه المرة لم تعد "المستلزمات المسبقة" الضرورية للديمقراطية ولا سيما مفهوم الطبقى الوسطى الملازم لها في القلب من نظريات الانتقال الديمقراطي، بل اكتشفت،هذه المراكز، حامل جديد للانتقال الديمقراطي – تجلت اهميته العملية في نضالات المجتمعات السابقة الذكر- هو مصطلح "المجتمع المدني" الكلي القدرة، ليحل مكان الطبقة الوسطى في المنطقة العربية باعتباره "الحامل لامكانيات التغيير الديمقراطي في المنطقة".
وقد شهدت المجتمعات العربية منذ النصف الثاني للتسعينات اهتمام غربي ملحوظ (حكومي وغير حكومي) تجاه المنظمات غير الحكومية اليافعة، وخاصة منظمات حقوق الانسان. وبالتالي طرحت الحكومات الاوربية استراتيجية واسعة تجاه بلدان المنطقة عبرت عنها اتفاقيات الشراكة الاورو متوسطية، و برامج كاملة اميركية - اوروبية لتمويل هيئات "المجتمع المدني" في بلدان المنطقة وخاصة منظمات حقوق الانسان، وقد ادت سياسات التمويل هذه- علاوة على التضييق المتشدد للانظمة العربية على نشاطات هذه المنظمات، على ارضية ازمة اجتماعية واسعة للمجتمعات العربية تميزت بتأكل متواصل للشرائح الوسطى - الى نتائج كارثية، منها ان هذه المنظمات غيرالحكومية قد فقدت "كفاحيتها"، والمصطلح المرافق لتبرير هذا التحول، لدى القائمين عليها، هو التحول الى "المأسسة". واصبحت نشاطاتها – وبغض النظر عن النوايا الطيبة لبعض القائمين على عدد منها- في عزلة اكبر عن مشاكل مجتمعاتها وهمومها بسبب ارتباطها التمويلي باهتمامات وبرامج تحددها هيئات اجنبية، وتحولت الى تجميع لعدد من "الموظفين " برواتب تأتي من خارج البلدان لتتحول الى شريحة "وسطى" من نمط جديد (شبه كمبرادوري) يرتهن انبعاثها وبقائها المادي،بكل معنى الكلمة،بالدعم الخارجي، وبانفصال كامل عن الدورة الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعاتها. وهذا ما ادى – الا في بعض الحالات الاستثنائية- الى فقدان هيئات "المجتمع المدني " ولا سيما منظمات حقوق الانسان، التي دخلت في متاهة التمويل الخارجي، لدورها كعامل مؤثر في الانتقال الديمقراطي في بلدانها، وان كانت ماتزال تبقى مركز جذب للعيش والارتزاق والتوظف لضحايا الازمة الاقتصادية –الاجتماعية لاعداد قليلة من الشرائح الوسطى. ونظرة سريعة على دورها وحالها في مصر والمغرب والاردن و.. كاف لتأكيد مدى الانهيار والتهافت الذي وصلت اليه. في الوقت ذاته تنهض في المنطقة حركات اجتماعية جديدة اثبتت فعاليتها وانغراسها في النضالات الديمقراطية في بلدان كمصر والمغرب (مثل حركات التغيير الديمقراطي في مصر كفاية وغيرها وحركات العاطلين عن العمل في المغرب..).
وفي حين كان دور هيئات "المجتمع المدني" المستقلة في بلدان اميركا اللاتينية واوربا الشرقية وجنوب شرق اسيا اصيلا في التحولات والنضالات الديمقراطية، فان سياسات خلقها ودعمها وتمويلها اوربيا واميركيا في بلدان منطقتنا –اضافة الى عوامل داخلية اخرى- اثبتت ليس فقط فشلها بل،وبشكل اخص،ضررها العميق على النضال الديمقراطي الجذري، وسارعت في عملية انحطاطها.
ويشير ستيفن هيدمان (رئيس مجلس دراسات العلوم الاجتماعية في نيويورك) الى ان نهاية الثمانينات شهدت تزامن انبعاث ظاهرتين في الوقت نفسه. الاولى، هي انفتاح افاق للدمقرطة، من جهة. مع تزايد لنفوذ الحركات الاسلامية في مصر والجزائر والاردن وغيرهما من بلدان المنطقة، من جهة اخرى. وقد ساهمت هذه السيرورة في اعادة احياء اطروحات التمايزات الثقافية وصراع الحضارات والقول بعدم قابلية الاسلام على التأقلم مع الديمقراطية. وجرت هذه الدراسات في ظل ظرف دولي يتميز بفرض الولايات المتحدة نفسها باعتبارها القوة الاعظم (حرب الخليج الاولى وما تلاها) وازدهار اطروحات غربية مناهضة للعرب والمسلمين مع سياسات امبريالية عسكرية عدوانية في المنطقة والعالم.
في المقابل، استغلت حكومات المنطقة مند التسعينات، النجاح الانتخابي النسبي للاسلاميين من اجل تبرير تراجعها عن نوع ما من "الانفتاح الديمقراطي" دون ان تتخلى في الوقت نفسه عن متابعتها لسياسة اللبرلة الاقتصادية او ما تسميه "الاصلاح الاقتصادي". ولمباركة هذه السياسات، قدمت الولايات المتحدة والمؤسسات المالية العالمية دعمها لهذه الانظمة، مثل الجزائر والاردن وتونس ومصر و..الخ.
ويقول خطاب الانظمة العربية-وهي نقطة الاجماع شبه الوحيدة بينها كافة، ومن بينها سوريا- بان الازمة الاقتصادية هي العائق الحقيقي امام الانفتاح السياسي، لان الازمة الاقتصادية تساهم في زيادة اصوات الاسلاميين، الذين –وفق رأي الحكومات- لا يمكن الركون الى صدقية التزامهم بالديمقراطية، بل ان هدفهم هو الوصول للسلطة. وبذلك ترى الحكومات العربية ان القيام باصلاحين، اقتصادي وسياسي، في الوقت نفسه لا يخدم سوى الاسلاميين. وتستنتج الحكومات العربية ان المطلوب (و بشكل يقارب اطروحات عيساوي وليبست) هو لبرلة الاقتصاد (الاصلاح الاقتصادي اولا) وان يترك، من ثم، للسوق ان يخلق المستلزمات المسبقة الاقتصادية التي ستجعل من الممكن قيام سيرورة مستقرة للاصلاح السياسي.
وتلتقي الانظمة العربية تماما مع اهداف السياسة الاميركية في الحفاظ على استقرار الانظمة الموالية لها في المنطقة، من جهة. واستمرار استبعاد الاسلاميين عن الحقل السياسي، من جهة اخرى. مما يسمح لهذه الانظمة ان تتجنب الدمقرطة الحقيقية باسم حماية الديمقراطية من الاسلاميين. وهنا تنكشف خدعة خطاب الدعوة "للحرية والديمقراطية" في الشرق الاوسط الكبير الذي تنادي به الادارة الاميركية وحلفائها الاوربيين، وليكشف عن حقيقة انه مجرد سلاح ايديولوجي وسياسي في استراتيجية اعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الامبريالية.
وهذا الامر يدفع الأن الدراسات الاجتماعية حول المنطقة الى اطروحات جديدة حول هذه الاشكال الهجينة من الاستبداد/الديمقراطية (المطرزة احيانا بالمحاصصة الطائفية، مثل العراق ولبنان) التي تلقى دعماَ اميركياَ- اوروبياَ، وهي اشكال سياسية (واحيانا اقتصادية ايضا) تقوم على استخدام الانظمة العربية لخطاب "ديمقراطي" وقبولها ببعض الممارسات الانتخابية "المضبوطة" مع تواجد لهيئات غير حكومية (مجتمع مدني) تعمل تحت حافة الممارسة السياسية الصرفة، مع استمرار الاستبداد. انها اشكال هجينة سياسية واقتصادية. هذا الواقع يضع المعارضين الليبراليين العرب ودعاة الدور المركزي للمجتمع المدني "الموالي او الممول" في مأزق فكري وعملي عميق،لأن الخطاب "الديمقراطي" الاميركي –الاوربي تجاه المنطقة، الذي يستندون عليه، يفتقد – بتجلياته الملموسة- لكل مصداقية، وهل العراق او مصر او السعودية اوالجزائر او الاردن او تونس او.. نموذج مخالف لـ"لديمقراطية" يمكن ان يحتذى به؟ اليسار والديمقراطية الجذرية في مواجهة الانظمة المتهالكة والتابعة في المنطقة العربية ومعارضات ليبرالية جوفاء وتيارات اسلامية مأزومة الافق، فاننا نرى ان اليسار الاشتراكي، هو المعني بالنضال الجماهيري من اجل الديمقراطية الجذرية في بلداننا، وهو الاكثر حزما، لانه يستند على الطبقات الشعبية والمنتجين، وهي الغالبية الساحقة. ولان المطلوب ليس اشكال هجينة من الاستبداد او التبعية، بل هو المشاركة الشعبية الواسعة والحرة لجماهير بلادنا في تقرير مصير بلادها وحياتها، وحقها في ادارة شؤون حياتها اليومية بشكل مباشر. لذلك يقف اليسار الاشتراكي بوضوح في كل النضالات في مواجهة الاستبداد والعدوانية الامبريالية. وفي هذا الصراع من اجل الحرية والعدل والكرامة، فان الموقف من الاسلاميين يمكن ان يختزله المفكر الاشتراكي البريطاني هرمان بقوله: "لقد ارتكب اليسار خطأين في التعامل مع الاسلاميين في الماضي، الاول كان تجاهلهم كفاشيين والثاني النظر اليهم كتقدميين لا يجب توجيه النقد اليهم، ولعب هذان الخطآن معاَ دوراَ في مساعدة الاسلاميين على النمو على حساب اليسار في معظم بلدان الشرق الاوسط، ومن الضروري وجود رؤية اخرى ترى ان الحركة الاسلامية هي نتاجا لازمة اجتماعية عميقة مستعصية، وان نناضل لكسب الشباب الذين يؤيدونها لصالح رؤية اشتراكية ثورية مستقلة ومختلفة عنها تماما". غياث نعيسة