وثائق ويكيليكس: لعبة إعلامية أم تهمة قانونية؟

بقلم: د. محمد فلحي

صناعة الفضائح لعبة إعلامية غربية معروفة، وذلك تطبيقاً لمبدأ الإثارة التي تشكل المادة التي تحرك الماكنة الدعائية في أغلب الدول الغربية، وبالأخص الأميركية، ولعل أبرز مثال على ذلك ما يجري من حديث واسع النطاق عبر وسائل الإعلام والرأي العام العربي والعالمي حول الوثائق الأميركية بشأن الوضع في العراق بعد عام 2003 التي نشرها موقع ويكيليكس الالكتروني، قبل أيام قليلة، وتداولتها، بسرعة غريبة، ودون تمحيص، الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف، وراح العديد من الكتاب والمحللين يناقشون مضمونها، ويوزعون الاتهامات على جميع الجهات، وفقاً لقراءات متباينة، ولأغراض وأهداف معلنة وخفية، ويطالبون بالقصاص من المتورطين في سفك دماء الضحايا الأبرياء من العراقيين، في حين أن الضحية الأولى والأخيرة في هذه الحملة الإعلامية والدعائية والاستخباراتية هي الحقيقة، مثلما يحصل عادة في أية حرب أو نزاع مسلح!

إن أبسط تعريف لهذه الوثائق المزعومة هي أنها تقارير كتبها القاتل عن الضحية، ومن ثم فإن نسبة المصداقية فيها تكاد تكون معدومة أو مشكوك فيها إلى حد بعيد، فقد نسي من يتحدثون عن هذه الوثائق أنها برقيات وتقارير داخلية وأوامر عسكرية أميركية، متبادلة بين الوحدات العسكرية في ميدان الحرب والقيادات العليا، لقوات الغزو الأميركي، ومن ثم فإن كل كلمة وعبارة فيها تعكس مواقف تلك الجهات العسكرية الأميركية ورأيها وتحليلها ووجهات نظرها إزاء الأحداث والوقائع والأشخاص، ومن المؤسف أن تصبح هذه الوثائق بيد خصوم الولايات المتحدة وأصدقائها، على حد سواء، كأنها حجة لتبرئة القاتل بدلاً من إدانته، وأن توظف لأغراض سياسية، غير نزيهة، في حين يفترض أن تكون أدلة قانونية وجنائية إذا ما ثبت مضمون بعضها، بعد عملية تدقيق حيادية!

ومن المستغرب أن أغلب المشاركين في هذه الحملة تحدثوا عن هذه الوثائق بثقة مطلقة، واعتبروها أدلة دامغة، في حين أن أغلب التشريعات النافذة لا تعتد بمثل هذه الوثائق المنشورة الكترونياً، والمسروقة من مصادر مجهولة، وما يحيط فيها من شكوك حول إمكانية التزوير والتلاعب والفبركة عن طريق تقنيات الكومبيوتر المعروفة، التي يمكن من خلالها تركيب وتحرير وتصوير وإعادة صياغة أية وثيقة أو معلومة، مقروءة أو مسموعة أو مرئية!

وما يلفت النظر، ويدعو إلى التأمل والمزيد من التساؤلات، ومن ثم إلى الشكوك، ذلك الحجم الهائل من الوثائق المنشورة في موقع ويكيليكس حول العراق، التي قيل أن عددها يصل إلى 400 ألف صفحة، وإن قراءة هذه الكمية من الأوراق وتحليلها تحتاج إلى زمن طويل، كما هو معروف، على العكس من السرعة التي نشرت وانتشرت فيها، وتداولتها الأقلام والشاشات، وكأن جميع هؤلاء قد قرأوها فوراً، فمن خلال عملية حسابية بسيطة، يمكن القول أن قدرة الإنسان الاعتيادي على القراءة لا تتجاوز مائة صفحة يوميا، وإن قراءة العدد المذكور من الوثائق يحتاج إلى نحو عشرة أعوام من القراءة المتواصلة، فهل بذل أولئك الإعلاميون والمحللون السياسيون المتسرعون قليلاً من الجهد من اجل الاطلاع على أصل تلك الوثائق، باللغة الانجليزية، مثلما نشرت في الموقع، على الأقل، ولو لساعات قليلة، أم أنهم اعتمدوا في هذه الحملة على ما يشبه عواء الذئاب أو بنات آوى في الغابة، حيث تبدأ الضجة بصوت واحد، وتتزايد وتتسع، دون معرفة الأسباب والنتائج!

وما يدعو إلى التساؤل، في هذه الحملة الدعائية أنها جاءت وفق توقيتات مرتبطة بمناسبات وأحداث سياسية أميركية وعراقية وعربية، ففي العراق ما تزال أزمة تشكيل الحكومة الجديدة تشل العملية السياسية برمتها، وتفتح الباب أمام القوى الإرهابية ودول الجوار لتمارس ضغوطها وتدخلاتها المؤذية، في حين تشهد الولايات المتحدة حملة انتخابية ساخنة بين الجمهوريين والديمقراطيين لاختيار نصف مقاعد الكونغرس، وسط اتهامات متبادلة حول الوضع في العراق، وعدة قضايا دولية وإقليمية أخرى، ومن أبرزها القضية الفلسطينية، حيث وصلت جهود المجتمع الدولي إلى طريق مسدود أمام الغطرسة الصهيونية، ومشكلة البرنامج النووي الإيراني الذي يؤرق تل أبيب وحلفائها الغربيين، خشية امتلاك إيران للسلاح النووي، في وقت قريب!

فهل من حق المرء أن يتساءل؛ لماذا يتم تسريب ونشر مثل هذه الوثائق، في هذا الوقت، ومن المستفيد ومن المتضرر، من إثارة مثل هذه العاصفة من الغبار والضجيج الإعلامي، وهل أن الدوائر الاستخبارية الأميركية والصهيونية متورطة في هذه اللعبة أم بريئة منها؟!.. ولمصلحة من؟!

ولعل التحضيرات التي سبقت الحملة والجهات الإعلامية المشاركة فيها تكشف بعض جوانب اللعبة وليس كلها، ومن بين تلك الجهات انفردت محطتان تلفزيونيتان في التنسيق المسبق مع موقع ويكيليكس، وهما القناة الرابعة البريطانية وقناة الجزيرة القطرية، فضلاً عن عدة صحف ومجلات أوربية وأميركية، ولا شك أن تغطية قناة الجزيرة كانت أكثر تأثيراً في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي الذي تشغله أحداث العراق، ومن الواضح أن الجزيرة اعتمدت على معلومات مسبقة جاهزة عن الوثائق، وليس بناءً على قراءة مستقلة من طاقم التحرير فيها، أو من خلال محللين محايدين، ومن ثم فإن القراءة الصاخبة المُعدَّة التي قدمتها الجزيرة، كانت منحازة وغير موضوعية، وتعمدت كعادتها، فيما يخص الشأن العراقي، مع الأسف، ترديد نغمة السجال الطائفي، وتوجيه الاتهامات لشخصيات وأطراف عراقية وإقليمية معينة، وتبرئة جهات أخرى..وقد تلقفت منها الكثير من وسائل الإعلام العربية هذه الكرة الملوثة، دون تعقل أو رؤية صحيحة.. فمن هو المستفيد من ذلك!؟

وقد جاءت المقابلة التي أجراها مذيع الجزيرة أحمد منصور مع جوليان اسانغ مؤسس موقع ويكيليكس لتؤكد أن هذه الشخصية الغامضة، ذات الارتباطات المشبوهة، تمارس لعبة دولية مخابراتية، لاعتبارات ليس من بينها الكشف عن الحقيقة المزعومة، كما يدعي ذلك الشخص المتورط في فضائح أخلاقية ومالية عديدة.. فمن يقف وراء ذلك الشخص، الذي يبدو مطارداً من دول عديدة، ومن يحميه ومن يدعمه بالمال، ومن يزوده بالكم الهائل من الوثائق العسكرية السرية، وبهذه السهولة العجيبة؟!

إن كل قطرة دم سفكت لإنسان بريء، سواء في العراق أو أفغانستان أو أي مكان من العالم، بسبب الحروب والمؤامرات تستحق أن تكون قضية قانونية ضد المجرمين، مهما كانت هويتهم أو صفتهم أو جنسيتهم، ولا شك أن دماء العراقيين النازفة منذ عقود، بسبب الصراعات على السلطة والتدخلات الخارجية والحروب الدموية هي الأكثر غزارة بين شعوب الأرض كافة، ولعل نشر هذه الوثائق، بغض النظر عن قيمتها القانونية، أو مدى مصداقيتها، يمثل فرصة لكل ضمير حي أن يفكر ويعمل من أجل فتح ملفات القتل والإخفاء والتعذيب، التي شهدها العراق، منذ نحو خمسة عقود، وليس منذ سبعة أعوام فقط، في سبيل إنصاف الضحايا والقصاص من المتورطين، والكشف عن جميع الجهات والدول التي شاركت في الحروب المدمرة، ودعمت الغزو الأميركي، ثم صدرت الموت والإرهاب إلى العراق..وسينال المجرمون جزاؤهم، بيد العراقيين وليس غيرهم، مهما طال الزمن أم قصر!

د. محمد فلحي