واشنطن وطهران.. صعوبة التراجع وتعثّر التقدّم

بقلم: صبحي غندور

الموقف الأميركي من إيران هو بلا شك القضية الأبرز الآن في ملفات الإدارة الأميركية، لكن هذه الإدارة قد أخذت أصلاً بتوصيات مجموعة بيكر/هاملتون الداعية إلى الحوار مع إيران عوضاً عن سياسة التصعيد المتواصل في الأزمة معها. ولم تكن هذه الدعوة الأميركية، الصادرة في نهاية العام 2006 عن شخصيات بارزة في الحياة السياسية الأميركية بوجهيها "الجمهوري" و"الديمقراطي"، ناتجةً عن رغبة بالتراجع أمام طهران أو بالتفاوض معها من موقع الضعف، بل كانت دعوةً تستهدف تحقيق المصالح الأميركية في الشرق الأوسط بعد الأضرار الجسيمة التي أصابتها حصيلة نهج الإدارة الأميركية السابقة.
إنّ نهج توصيات بيكر/هاملتون، الذي اعتمدته إدارة أوباما، أراد إضعاف إيران من خلال الحوار معها ومن خلال حلّ الصراعات الأخرى في المنطقة التي تستفيد منها طهران في صراعها مع واشنطن. وهذا النهج راهَن على أنَّ الحوار مع طهران سيساعد على ترتيب الأوضاع في العراق وفي الشرق الأوسط عموماً بأقلِّ حجمٍ من الخسائر الأميركية.
نهج توصيات بيكر/هاملتون المعتمَد الآن من إدارة أوباما يرى أنَّ الحوار مع إيران، في ظلِّ الجهود الأميركية والدولية لمعالجة ملفات الصراع العربي/الإسرائيلي، سيعزّز أيضاً مكانة واشنطن على المستويين الإقليمي والدولي وسيكسبها أصدقاء جدد في المنطقة دون خسارة أيٍّ من حلفائها الحالييّن. وفي أهداف التوصيات مراهنة على اتفاق إسرائيلي/سوري بشأن الجولان المحتل، ينعكس إيجاباً على المسألتين الفلسطينية واللبنانية، إضافةً إلى المراهنة على انسجام سوري مستقبلي مع السياسة الأميركية في المنطقة، كما حدث مع مصر بعد معاهدة الصلح مع إسرائيل. لذلك كان في التوصيات أيضاً إشارة خاصّة إلى الحوار مع سوريا كعامل مساعد لنجاح الاستراتيجية الأميركية المنشودة للعراق وللمنطقة.
ولقد جرّبت الولايات المتحدة خلال إدارة بوش السابقة نهجاً مخالفاً لتوصيات بيكر/هاملتون بما في ذلك التشدّد في العقوبات على إيران وحلفائها في المنطقة، والمراهنة على تصعيد الأزمات الداخلية في فلسطين ولبنان، والضغط السلبي الكبير على دمشق، لكن ذلك كلّه لم يحقّق نتائج سياسية أفضل لواشنطن ولم يؤدِّ إلى تراجعات سياسية لدى الأطراف المستهدَفة أميركياً.
حتى المراهنات المشتركة مع إسرائيل على تصعيد أجواء التوتّر السياسي المذهبي في المنطقة، وعلى توظيف أخطاء عربية هنا أو إيرانية هناك، لم تضمن تأثيراً أميركياً فاعلاً في المنطقة، وكانت إدارة بوش هي الخاسر الدولي الأول، فما هي قدرة أي إدارة الأميركية على تدارك تفاعلات هذه الصراعات العربية الداخلية، وهي التي تعثّرت في ضبطها سابقاً داخل العراق رغم وجود أكثر من 150 ألف جندي أميركي آنذاك!.
المشكلة الآن تكمن في أنّ واشنطن وطهران تعانيان حالياً من صعوبة التراجع ومن تعثّر التقدّم. ففشل سياسة الإدارة الأميركية السابقة تجاه كلٍّ من العراق ولبنان وفلسطين، يمتزج الآن مع العجز الأميركي الحاصل في التعامل مع الملف الفلسطيني وفي كيفيّة التعامل أيضاً مع الملف الإيراني، رغم محاولات التفاوض من جهة والضغط عبر التهديد بالعقوبات من جهةٍ أخرى. فواشنطن تدرك أنّ المشكلة مع إيران لا تُحَلّ بمزيد من قرارات مجلس الأمن، بل بأحد طريقين: الحرب أو التفاوض. طبعاً، تتجنّب إدارة أوباما خيار الحرب على إيران بسبب محاذيره العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتجد نفسها أمام الخيار الآخر (أي التفاوض) لكن في ظلّ شروط إيرانية ترفضها حتّى الوقت الراهن واشنطن.
وتدرك طهران أنّ صمودها كان مهمّاً في كلّ السنوات الماضية، لكنّها غير قادرة الآن على التقدّم أكثر ممّا فعلت. أي أنّها وصلت إلى الحدّ الأقصى الممكن في هذه المرحلة، وهو الصمود وعدم التراجع أمام حجم الضغوطات الكبيرة التي مارستها واشنطن، وما تزال، في ظروف دولية مناسبة للموقف الأميركي أكثر ممّا كانت عليه خلال إدارة بوش.
أيضاً، تعرف الحكومة الإيرانية أنّ الجهود الأميركية الجارية الآن لتجميع مزيد من القوى الدولية من أجل الضغط على الموقف الإيراني، هي جهود من أجل انتزاع موافقة إيرانية على صيغ تسويات لأزمات عديدة وليس فقط حول الملف النووي الإيراني. وأهداف هذه الضغوطات الأميركية الممارسة حالياً تختلف عن أهداف الإدارة السابقة التي كانت تعمل من إجل إسقاط أنظمة في المنطقة وتوسيع دائرة الحروب فيها، بينما الإدارة الحالية تعتمد نهجاً مغايراً بأهدافه وأساليبه بعدما فشل النهج الأميركي السابق.
نقطة الضعف الكبيرة في الموقف الأميركي المتشدّد من طهران هي عدم وجود "مخالفات" إيرانية ثابتة في القوانين الدولية تستحقّ "العقوبات". فإيران تؤكّد على عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، وعلى سلمية برامجها النووية، وهي موقّعة على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي وتسمح لمفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرّية بتفقّد منشآتها كلّما رغبوا بذلك. ولم يصدر حتى الآن أي تقرير حاسم عن الوكالة الدولية يؤكّد المخاوف الغربية من مشروع إيران النووي.
كلُّ ذلك يحصل بينما إسرائيل، التي تملك السلاح النووي، ترفض دعوة الرئيس أوباما لها للانضمام لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وترفض طبعاً السماح لأيِّ جهة بتفقّد مواقعها النووية.
إنّ إدارة أوباما تخضع الآن لضغوط داخلية أميركية من أجل سياسة أكثر تصلّباً مع إيران، ومن أجل التراجع عن هدف التفاوض معها. وهذه الضغوط مصدرها مزيج من قوى الحزب الجمهوري المعارض، ومن التيّار الديني المحافظ في أميركا، ومن تأثيرات اللوبي الإسرائيلي المؤيّد لتوجّهات الحكومة الإسرائيلية الحالية القائمة على أنّ الأولوية يجب أن تكون للملف الإيراني وليس للملف الفلسطيني، وبأنّ على إدارة أوباما التحرّك ضدّ طهران وليس التفاوض معها الآن.
بينما واقع الحال هو أنّ واشنطن تحتاج لطهران في توفير الظروف الأمنية والسياسية المناسبة لخروج القوات الأميركية من العراق، كما تحتاجها في احتمالات تداعيات الحرب في أفغانستان، وواشنطن تدرك فشل إدارة بوش في مواجهتها مع إيران وفي سلبيات سياسة العزل والعقوبات التي مارستها كل الإدارات السابقة منذ قيام الثورة الإيرانية، ممّا يجعل إدارة أوباما تطمح إلى فتح صفحة جديدة مع طهران بغضّ النظر عن نظام الحكم فيها.
ومن الواضح الآن أنّ كلَّ طرفٍ يسعى لتحسين وضعه التفاوضي بأشكال مختلفة ولا يريد دفع الأمور إلى مزيدٍ من التأزّم، بل على العكس، هناك مصلحة متبادلة حالياً بين واشنطن وطهران في معالجة جذور الأزمة بين البلدين نظراً لحاجة كلّ طرفٍ منهما إلى الآخر. صبحي غندور
مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن