واشنطن وتشريع التعذيب وتشريع مقاومة التعذيب

"بشكل من الأشكال كان ذلك نوعا من الرياضة"
في وصف التعذيب في قاعدة أمريكية في العراق
من شهادة عريف من الجيش الأمريكي في تقرير للهيومان رايتس واتش hrw.org/reports/2005/us0905

1
يناقش أعضاء مجلس النواب الأمريكي (House of Representatives) (أي الغرفة السفلى من الكونغرس الأمريكي) في المدة القريبة القادمة مشروع قرار مقترح من قبل أعضاء من مجلس الشيوخ (Senate) (أي الغرفة العليا من الكونغرس الأمريكي) تم تبنيه في الأسبوع الماضي بأغلبية ساحقة (90 مقابل 9) يتضمن قرارا واضحا لا لبس فيه بمنع الجيش الأمريكي من الانخراط بأي شكل من الأشكال وتحت أي مبرر من المبررات في ممارسات لتعذيب المساجين سواء كانوا من جنسيات أمريكية أو غيرها وسواء كانوا سجناء حرب أو "مقاتلين أعداء". المثير في الأمر كله أن البيت الأبيض قد أعلن على الملأ ولأكثر من مرة في الأسبوع الأخير عن معارضته الكاملة لمثل هذا القرار. ففي الندوة الصحفية التي عقدها المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان يوم 6 أكتوبر الجاري تم التصريح بأن سياسة الإدارة الأمريكية في علاقة بهذا القرار ستكون مُهتدية بما نصح به مستشارو الرئيس ويتمثل ذلك تحديدا في قيامه باستخدام حق الفيتو بصفته الرئاسية ضد مشروع القرار، وهو الإجراء الأقصى الذي يمكن أن يستعمله الرئيس الأمريكي وهو ما سيحصل لأول مرة بالنسبة للإدارة الحالية. ويشير ذلك بوضوح الى شدة مقاومة الادارة لمشروع قرار من المفروض أنه يؤكد على بديهيات تشريعية في القوانين الأمريكية، وعلى سبيل المثال فقد تم الاستناد بشكل كامل تقريبا في صياغة لغة القرار الأخير على القوانين الداخلية المنظمة للجيش الأمريكي لا غير. تقول التقارير الصحفية أن مصادرها من داخل البيت الأبيض تشير الى "خطورة مثل هذا القرار على جهود الادارة في محاربة الارهاب لأنه سيقيد يديها".
وفي الواقع لم يبدأ هذا التجاذب حول القرار أعلاه مؤخرا: حيث بدأت المؤشرات على تصميم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ وخاصة من "لجنة القوات المسلحة" وتحديدا من قبل السيناتور الجمهوري البارز جون ماكاين (John McCain) منذ أواسط الصيف الماضي وهو ما أدى الى تحركات مكثفة من قبل نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للضغط من أجل إبطال تشريع القرار. فقد نقلت صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 23 يوليو/تموز 2005 إعتمادا على مصادر من داخل البيت الأبيض أن نائب الرئيس قد التقى بثلاث أعضاء من "لجنة القوات المسلحة" للضغط عليهم من أجل منع القرار مبررا ذلك بأنه سيؤثر على "قدرة الرئيس لحماية الأمريكيين بشكل ناجع من هجوم ارهابي". لا يبدو أن ذلك كان الاجتماع الوحيد حيث تشير الصحيفة الى لقاء آخر على الأقل مورس فيه الضغط من قبل الإدارة خاصة على الأعضاء الجمهوريين. غير أن فشلها كان ذريعا مثلما ظهر من خلال تمرير القرار في مجلس الشيوخ وبدعم من قبل غالبية كبيرة من أعضاء جمهوريين بارزين وليس من قبل أعضاء الحزب الديمقراطي فحسب.

2
يجب الرجوع الى حوالي العام قبل تمرير المشروع الأخير لفهم التجاذبات الخلفية في المؤسسة التشريعية الأمريكية ومن ورائها البيت الأبيض حول مسألة التعذيب. ففي أواخر شهر أيلول (سبتمبر) 2004 قدم المتحدث باسم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب فقرة في مشروع قرار (حول إصلاح الإستخبارات) تشرع ضمنيا الالتجاء الى التعذيب عبر طرف ثالث لانتزاع المعلومات من المتهمين غير الأمريكيين والمعتقلين في سجون أمريكية. وهي فقرة توفر غطاءا لممارسات هي بصدد التحقق فعلا أي تسفير مساجين الى بلدان أجنبية تمارس عادة التعذيب وهو ما كان يمثل استدراكا تشريعيا لخروقات كانت تقوم بها الادارة الأمريكية للقوانين الأمريكية في هذا الشأن. وبالرغم من الحملة القوية التي نظمتها منظمات حقوق الانسان الأمريكية والدولية لإسقاط المشروع وبالرغم من انضباط غالبية أعضاء الحزب الديمقراطي لقرار معارضته فإن الغالبية الجمهورية في مجلس النواب نجحت في تمريره.
كان ذلك مؤشرا واضحا على رغبة الإدارة الأمريكية في تشريع ما لممارسات التعذيب. المثير أن ذلك كان إثر افتضاح ممارسات التعذيب في سجن أبو غريب وتعهد الادارة رسميا بأنه ليس من سياستها ولا من منطقها الالتجاء الى التعذيب كوسيلة للتحقيق مع السجناء. وكانت استجوابات المسؤولين الأمريكيين في الكونغرس مناسبة لهم لترديد عدم إيمانهم في وسائل التعذيب ليس من ناحية مبدئية فحسب بل أيض من ناحية عملية: وبدا أن الجميع يشارك في القناعة البديهية بأن التعذيب يمكن من استصدار معلومات مغلوطة بشكل يشوه طبيعة الأمور. وفي الواقع تعكس هذه السياسة التشريعية تخوفا من المستقبل وخاصة من جهة المحاسبة الداخلية للمسؤولين الأمريكيين وهو ما ثبت إمكانية حدوثه إثر فضيحة سجن أبو غريب. حيث تم تمريغ أنوف قيادات سياسية وعسكرية عليا في الوحل من خلال أستجوابات الكونغرس والتي تم بثها مباشرة في الشاشات الأمريكية. وكانت لحظات محاصرة السيناتور ماكاين لوزير الدفاع رامسيفيلد والذي يتميز بعناده من المشاهد المثيرة التي غيرت من نظر الكثيرين لهذه الادارة والتي بدا أنها تتمتع بنوع من الحصانة منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وبدا من الواضح من خلال ذلك أن مجرد قيام الادارة بإصدار مذكرات سرية تنصح بممارسة التعذيب (مثلما توضح من خلال مذكرة أرسلها المستشار القانوني للرئيس سنة 2002 ووزير العدل الحالي ألبرتو غونزاليز Alberto Gonzalez) لا يمكن إلا أن تورطها فيما بعد في استجوابات وملاحقات من المؤسسة التشريعية لا ترحم. ومن ثمة طرح ذلك الحاجة لتشريع التعذيب كاستكمال لحقيقة ممارسته.

3
غير أن الأمور تغيرت منذ سنة 2004. عندها أعطى أعضاء كبار من مجلس الشيوخ فرصة للإدارة الأمريكية لإنزال عقوبات كبيرة بمسؤولين كبار في التسلسل العسكري والسياسي (وصلت التكهنات آنذاك لرغبة عدد من السيناتورات في استقالة رامسفيلد نفسه) غير أن ذلك لم يحصل وتم التمسك بمعاقبة جنود من رتب ضعيفة كما تم التمسك بالرواية الأولى أي أن ما حدث في سجن أبي غريب كان مجرد عمل معزول وليس جزءا من سياسة عامة تعتمد التعذيب بشكل رسمي.
وحدث في الصيف الماضي أن إحباط أعضاء جمهوريين مثل ماكاين قد تقاطع مع شهادات جديدة تؤكد على استمرار التعذيب في السجون الأمريكية في العراق كما تؤكد أيضا على أن هذه الممارسات هي سياسة فعلية في التحقيق بل وروتينية وليست مجرد أعمال معزولة. وهنا يستحق ثلاث ضباط في الجيش الأمريكي وما قاموا به إهتماما خاصا. فقد قام الكابتن إيان فيشباك (Ian Fishback) والذي عمل في العراق ضمن الفرقة 82 المحمولة جوا بالالتجاء في الصيف الماضي الى منظمة هيومان رايتس واتش الحقوقية الأمريكية بعد أن فشل في لفت إنتباه رؤسائه العسكريين للممارسة الروتينية للتعذيب في العراق. بل أن عددا من رؤسائه نصحوه بشكل صريح بتهديده من خلال نصحه بالإهتمام بـ"مستقبله المهني والابتعاد عن المشاكل". وبعد أن حاول الاتصال بزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ بيل فريست والذي تجاهل أيضا نداءاته. ولكن بعد تقديم شهادته المروعة مع اثنين من زملائه الى المنظمة الحقوقية قامت الأخيرة بتوفير الاتصال بينه وبين أعضاء آخرين من مجلس الشيوخ وتحديدا بالسيناتور ماكاين والذي يبدو أنه لم يعد ير موجبا لاستمرار الصمت على سلوكيات الإدارة الأمريكية. وبحلول شهر يوليو أصبح من الواضح أن عددا كبيرا من أعضاء مجلس الشيوخ قرر قضم الأضافر التشريعية للرئيس الأمريكي ومساعديه والتبرؤ من استمرار سياسات التعذيب وتشريعها. ومن الواضح أن تزامن الشهادات الجديدة مع تأكيد الكونغرس على لاقانونية التعذيب في أي ظرف من الظروف أثار الذعر في أوساط البيت الأبيض والبنتاغون لأنها ستفتح الباب أمام محاسبة عسيرة يمكن أن تطيح برؤوس كبيرة هذه المرة.
يأتي هذا في وقت تقترب فيه الانتخابات التشريعية ويخشى فيه الكثير من أعضاء الكونغرس وخاصة الجمهوريون منهم من التأثر بالشعبية المتراجعة للرئيس الأمريكي. وتدل مؤشرات مختلفة على هذا التباعد بين جمهوريي البيت الأبيض وجمهوريي الكونغرس بما في ذلك المشاكل التي نشأت عن تعيين العضوة الجديدة في المحكمة العليا الأمريكية والتي لاقت اعتراضا غير مسبوق من قبل الكثير من الأعضاء الجمهوريين. وفي هذا الإطار فإن إسقاط القرار الأخير ضد التعذيب في مناقشات مجلس النواب المقبلة سيكون صعبا للغاية بالرغم من التأثير الأكبر للبيت الأبيض على مجلس النواب. غير أن تفسير ما يحدث لا يتعلق بحسابات سياسيوية فحسب: حيث هناك تيار داخل الحزب الجمهوري من المحافظين التقليديين (مثل ماكاين نفسه) الذين يستعدون منذ مدة للقيام بهجوم معاكس على المجموعة الحاكمة من المحافظين الجدد وهو ما انكشف في عدة مناسبات. وبمعنى آخر فإن ما يجري يمكن اعتباره هجوما تشريعيا معاكسا في إطار تصفية حسابات إيديولوجية وتنظيمية بين الطرفين. وعموما تعكس هذه المعركة القوة الاستثنائية التي تمتلكها المؤسسة التشريعية الأمريكية مقارنة بديمقراطيات أخرى وهو ما يجعلها قوة تعديل هامة في ميزان القوى السياسية وبالتالي الحد من سلطات الرئيس الأمريكي. وهي خاصية شديدة الأهمية في ظل القرارات الاستراتيجية غير المسبوقة التي تبنتها الادارة الأمريكية. وبمعنى آخر فإن الضوء الأخضر الاستثنائي الذي تلقته الأخيرة من الكونغرس بعد هجمات 11/9 بدأ بالتغير الى اللون الأحمر المعتاد.

4
نأتي الآن لتقرير منظمة هيومان رايتس واتش والذي صدر في 24 أيلول/سبتمبر الجاري والذي لم يحظ بعد بالاهتمام الاعلامي المناسب كما لم تقم المنظمات الحقوقية العربية بما في ذلك العراقية بأي مجهود لتعريبه (حيث لاتزال النسخة الكاملة للتقرير مكتوبة بالانجليزية فقط) وترويجه. ويعكس هذا التقرير الأخير أولا أن تركيز اللوم على الجنود الأمريكيين من قبل الإدارة الأمريكية ومن ثمة حصر العقوبات في مراتب دنيا لا يمكن إلا أن يركز الضغوط عليهم الى الحد الذي يدفع بمجندين جدد لفضح ما يجري خلف السجون الأمريكية في العراق. من جهة أخرى يعكس التقرير صورة رهيبة عن حجم معاناة المواطن العراقي من الاحتلال الأمريكي، حيث لا يتعلق الأمر بالعقاب الجماعي فحسب بل يتجاوزه ليعكس حقيقة أصبحت تستحق اهتماما خاصا وهي السادية المثيرة التي يتمتع بها العديد من الجنود الأمريكيين والذين يجتهدون أحيانا وبشكل مرضي في استهداف مواطنين أبرياء لا لشيء إلا لرغبة الاستهداف.
يتكون التقرير من: (أ) ملخص مطول، (ب) شهادة لعريف في الفرقة 82 المحمولة جوا (وكانت متمركزة في الفلوجة)، (ج) شهادة ثانية لعريف في الفرقة 82 المحمولة جوا، (د) شهادة لكابتن في الفرقة 82 المحمولة جوا وهي الشهادة الأكثر طولا وتفصيلا، (د) خلاصة. وسننقل هنا مقتطفات من الملخص المطول. يبدأ الأخير باستشهادين. في الأول يصف العريف ما يجري في غرف الاعتقال الموجودة ضمن القاعدة العسكرية الأمريكية كالتالي: “في أيام عطلهم كانوا (الجنود الموجودين في القاعدة) يأتون في كل الأوقات. الجميع يعلم في المعسكر أنه إذا أردت التخلص من الاحباط فيمكن الذهاب لغرف الاعتقال. بشكل من الأشكال كان ذلك نوعا من الرياضة. كان جميع الطباخين جنودا أمريكيين. في أحد الأيام ظهر أحد العرفاء وأمر أحد المعتقلين بالإمساك بعمود. أمره بالإنحناء وكسر ساقه بهراوة معدنية. كان ذلك (...) الطباخ. لم يكن من المفترض أن يوجد في غرفة الاعتقال أصلا.” يمضي التقرير للإشارة الى أن الشهادات التي قام بها الجنود الثلاث تذكر أن عمليات التعذيب كانت تحدث بشكل يومي في الفترة التي شهدوها وذلك بين سبتمبر 2003 وأفريل 2004 وذلك في القاعدة العسكرية "عطارد" (Mercury) قرب مدينة الفلوجة. وتضمنت عمليات التعذيب هذه: جميع أشكال الضرب المبرح؛ تعريض الجلد والعين لمواد كيميائية خطيرة؛ إجبار المعتقلين على إتخاذ مواضع ضاغطة الى حد اللاوعي مثل إمساك جرة ثقيلة مملوءة بالماء الى الأعلى من دون توقف؛ الحرمان من النوم والأكل...الخ. من جهة أخرى تم إدخال مصطلح جديد على السجناء العراقيين (مثل سجناء غوانتنامو) وذلك لحرمانهم من صفة "سجين حرب" وهي صفة "شخص تحت المراقبة" (Person Under Control) وهي متداولة أكثر في شكل مختصر "بيوك" (PUC). كان هؤلاء "البيوك" معتقلين في خيام لمدة لا تزيد عادة عن الثلاثة أيام قبل ترحيلهم الى أبوغريب أو الافراج عنهم. في تلك الأثناء كانوا يتعرضون الى التعذيب بشكل مكشوف حتى أنه أصبح وسيلة للترفيه كما أنه تم التندر بوسائل التعذيب من خلال منح نعوت مضحكة على بعضها: مثلا كان يقع تسمية حالة الإجهاد الجسدي الى حد اللاوعي للمعتقل بـ"تدخين بيوك" ('Smoking a PUC”). بالاضافة الى ذلك كان الممرضون والأطباء يوافقون على تحوير الحقائق في تقاريرهم الطبية من خلال التستر على الجروح الناتجة عن التعذيب من خلال الاشارة الى أنها ناتجة عن مواجهات مسلحة خلال الاعتقال. وتشير الشهادات أن كل هذه الممارسات كانت تحدث بإشراف وتسيير مباشر من قبل أعلى الرؤساء العسكريين في القاعدة. بالإضافة الى ذلك كانت هناك عمليات تعذيب شهد عليها الجنود الثلاثة من قبل "وكالات حكومية أخرى" (“Other Government Agencies”) وهو مصطلح يتم اختصاره عادة الى (OGA) يشير بشكل عام الى وكالة الاستخبارات المركزية.
ليست الادارة الأمريكية بصدد فقدان قاعدتها التشريعية الجمهورية فحسب بسبب إصرارها على هذا النهج. الأكثر من ذلك هي بصدد مواصلة الترويج بشكل ناجع لكونها تفتقد أيضا الشرعية الأخلاقية في سياستها في المنطقة. طبعا لن يمنع ذلك رموز الإدارة الأمريكية، بما في ذلك كارن هيوز، عن التساؤل باستغراب عن دواعي الكراهية المتصاعدة للولايات المتحدة في المنطقة العربية والاسلامية. دع عنك تعبير القادة العسكريين الأمريكيين عن حيرتهم إزاء نجاح المقاومة العراقية. من جهة أخرى من الواضح أن البنى القانونية والسياسية التي تكفلها الحياة الديمقراطية وحدها التي تسمح لجنود أمريكيين من التمرد على قادتهم والشهادة ضد ممارسات التعذيب الوحشية، ومن ثمة التأثير المباشر في التشريعات الأمريكية بل وفي صراع مهول مثل الذي يحدث الآن بين المؤسسة التشريعية والبيت الأبيض. الطاهر الأسود
باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية laswadtaher@yahoo.com taherlaswad.blogspot.com