واشنطن 'تهاونت' مع جرأة المتشددين قبل هجوم بنغازي

واشنطن - من مارك هوزنبول ومات سبتالنيك
أقوى من الأنظمة الهشة

قال مسؤولون أميركيون إن أجهزة مخابرات الولايات المتحدة ودول حليفة لها، حذرت البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية مرارا من أخطار محتملة قد تأتي من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الذي يتحرك بحرية في دول شمال إفريقية او من جماعات جهادية مرتبطة به أو متعاطفة معه.

واضافوا أن هذه التحذيرات قد سبقت بشهور، الهجوم الدامي على البعثة الأميركية في مدينة بنغازي الليبية.

ويقول مراقبون إنه على الرغم من هذه التحذيرات ومظاهر الجرأة التي أبداها إسلاميون متشددون في بنغازي، فقد نصحت واشنطن سفاراتها في المنطقة، بالتحلي بالهدوء في وقت كانت الولايات المتحدة تستعد فيه للاحتفال بذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وبلغت جرأة المتشددين في بنغازي إلى حد تنظيم ما أطلقوا عليه "المؤتمر السنوي الأول لأنصار الشريعة" في مطلع يونيو/حزيران، والترويج للمؤتمر على المواقع الإسلامية على الانترنت.

وقال جوش ليفكوفيتز من موقع "فلاشبوينت انتل دوت كوم" الذي يراقب المواقع الالكترونية للمتشددين، إن صورا من المؤتمر نشرت في العديد من منتديات الانترنت وظهرت فيها مواكب ترفع رايات القاعدة.

وأضاف أن لقطات فيديو أظهرت سيارات عليها قطع من المدفعية.

وذكر تقرير بحثي تم إعداده لوحدة مكافحة الإرهاب في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في أغسطس/اب أن مؤتمر بنغازي جمع ممثلي 15 ميليشيا إسلامية على الأقل.

وكان من بين النتائج التي توصل إليها التقرير هي أن هذه الجماعات "تشكل على الأرجح معظم شبكة القاعدة في ليبيا".

وتوصل باحثون في مكتبة الكونجرس الأميركي وضعوا مسودة التقرير مستندين إلى مصادر عامة متعددة، إلى أن القاعدة استغلت "انعدام الأمن" في ليبيا لإقامة معسكرات تدريب هناك.

وأفادت أيضا بأن "مئات الإسلاميين المتشددين موجودون في درنة وحولها"، حيث زودت معسكرات خاصة المتشددين "بالأسلحة والتدريب".

وقالت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مرارا إنها لم تتلق تحذيرا مسبقا محددا بوقوع هجوم، مثل الهجوم الذي أسفر عن مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين في بنغازي ليلة ذكرى هجمات سبتمبر/ايلول.

لكن التقارير التي تحدثت عن تنامي نفوذ المتشددين في شرق ليبيا ومحاولات جهاديين استغلال الوضع الهش في شمال افريقيا بعد الربيع العربي، أمور تثير أسئلة جديدة حول ما إذا كانت السفارات الأميركية اتخذت احتياطات أمنية مناسبة، وإذا كانت لم تتخذ مثل هذه الاحتياطات فلماذا.

ولم تلق واشنطن بالمسؤولية عن هجوم بنغازي على أفراد أو جماعات بين الجماعات الجهادية التي يعتقد أنها تنشط في ليبيا أو بالقرب منها. لكن مسؤولين أميركيين، قالوا إنه بعد ساعات من وقوعه، وردت معلومات استخلصت من اتصالات ومن عملاء أميركيين تشير إلى احتمال ضلوع أفراد جماعتين على الأقل في هذا الهجوم.

وذُكر أن إحدى هاتين الجماعتين هي تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي التي تأسست في الجزائر، والأخرى فصيل متشدد محلي يعرف باسم أنصار الشريعة، ويبدو أن له فروعا في بنغازي ودرنة ذات التاريخ الطويل مع الأصولية.

وتسعى الجماعتان على ما يبدو لاستغلال انعدام الاستقرار في ليبيا بعد سقوط العقيد الراحل معمر القذافي مثلهما في ذلك، مثل المتشددين الذين يسعون للاستفادة من الانفتاح الديمقراطي والحكومات الهشة التي تشكلت بعد انتفاضات الربيع العربي في المنطقة.

ويقول مسؤولون أميركيون ومحللون إن الصلة بين هاتين الجماعتين وبين منظمات جهادية أخرى وتنظيم القاعدة الأصلي الذي أسسه أسامة بن لادن غير واضحة.

وقال مسؤول أميركي في مجال مكافحة الارهاب "هناك فسيفساء معقدة من الجماعات المتشددة في شمال افريقيا.. وليس غريبا أن يحاول تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي كسب موطئ قدم له في ليبيا".

ويبدو أن الجماعات المتشددة وجدت ملاذات آمنة عبر شمال افريقيا من مالي في الغرب إلى شبه جزيرة سيناء المصرية في الشرق.

وشهدت السفارات الأميركية في مصر وتونس واليمن أيضا هجمات عنيفة في سبتمبر/ايلول.

وثارت تساؤلات حول الإجراءات الاحترازية الأمنية في المنشآت الدبلوماسية في هذه البلدان كذلك.

وشهدت تونس مهد الربيع العربي بعضا من أسوأ أعمال العنف المناهض للولايات المتحدة في الآونة الأخيرة.

ووجهت اتهامات للإسلاميين المتشددين بالتحريض على اقتحام السفارة الأميركية في تونس بعد أيام قليلة من هجوم بنغازي.

وقتل أربعة محتجين وأحرقت سيارات وأنزل العلم الأميركي ورفعت مكانه راية الجهاديين.

وقال المسؤول الأميركي في مجال مكافحة الارهاب "يلقي العنف بالسفارة الأميركية في تونس في الآونة الأخيرة الضوء على الحقيقة المؤسفة التي تتمثل في تزايد نشاط المتشددين في البلاد.. إنه بلد لا يعمل فيه تنظيم القاعدة بالأساس لكن هناك متطرفين فيه لهم نوايا شنيعة".

وتعرضت السفارة الأميركية في اليمن حيث مقر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب -وهو من أخطر أجنحة القاعدة- للهجوم أيضا وأرسلت واشنطن قوات من مشاة البحرية لتعزيز الأمن هناك. لكن مهاجمين قتلوا عضوا بارزا في الطاقم الأمني بالسفارة بالرصاص الأسبوع الماضي بينما كان في طريقه إلى العمل.

وقال مسؤولون يمنيون إن الهجوم يحمل بصمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وتحرك أوباما بعد اندلاع العنف في سبتمبر/ايلول لتعزيز حماية المواقع الدبلوماسية الأميركية في العالم العربي وأرسل فرقا من مشاة البحرية إلى العديد من السفارات وخفض مؤقتا عدد الموظفين الأميركيين في بعض المواقع.

وتعهد الرئيس الأميركي أيضا بمثول المسؤولين عن هجوم بنغازي أمام العدالة.

لكن الادارة الأميركية ربما تواجه صعوبة في تحديد من الذي ستحاكمه. فانتشار تنظيم القاعدة وحلفائه والمتعاطفين معه يعقد المساعي الرامية لتحديد الأفراد والجماعات التي تقف وراء الهجمات.

ورغم الدلائل على تنامي التشدد في ليبيا، وشن سلسلة هجمات على منشآت دولية في بنغازي خلال الربيع والصيف، مازال مجمعان يأويان موظفين أميركيين مفتوحين في المدينة.

وأظهرت رسائل لوزارة الخارجية الأميركية وشهادة في جلسة عقدت مؤخرا في الكونغرس، أن الخارجية استجابت ببطء لطلبات بتعزيز الأمن في ليبيا، بل ورفضت مثل هذه الطلبات في بعض الأحيان.

وقبل ساعات من مقتل السفير الأميركي، أظهرت برقية للخارجية الأميركية أنه التقى بأعضاء في المجلس المحلي لبنغازي أكدوا له أن الأمن في المدينة "يتحسن" وأن حكومة الولايات المتحدة يجب أن "تضغط" على الشركات الأميركية للاستثمار فيها.

وأفادت البرقية بأنه كان من المقرر أن يدشن ستيفنز في ذلك اليوم مركزا عاما يحتوي على "مكتبة صغيرة ومعمل كمبيوتر وفضاء مفتوح للبرمجة".