واشنطن تحاصر المصارف الإسلامية

لندن - من عبد الكريم حمودي
ود ظاهر.. وحرب خفية

تواجه المصارف الإسلامية عبر العالم تحديات هي الأخطر منذ بداية تأسيسها قبل أكثر من ثلاثين عاماً. وقد بلغ عدد المصارف الاسلامية مع نهاية عام 2000 نحو 187 مصرفاً، تديراً أصولاً مالية يزيد حجمها عن 400 مليار دولار، فيما يتراوح حجم تعاملاتها ما بين 120 إلى 170 ملياراً.
ومنذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي تسود أوساط هذه المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية حالة من القلق وعدم الاستقرار، خوفاً من انعكاسات الأحداث الجارية، والتي بدأت نذرها السيئة بتجميد بعض رؤوس أموالها أو أموال المودعين فيها والموجودة في المصارف الغربية.
وقد تزايد هذا القلق بعد إدراج العديد من المصارف والمؤسسات والجمعيات والأشخاص ذات الصبغة الإسلامية في القوائم التي تصدرها الولايات المتحدة بأنها تمويل الإرهاب، الأمر الذي يعني مصادرة هذه الأموال أو تجميدها في أحسن الحالات دون أي سند قانوني أو حتى تقديم مبررات مقبولة، وهو ما دفع بالعديد من أصحاب رؤوس الأموال العربية والإسلامية إلى سحب ودائعهم المالية من المصارف والمصارف الغربية، فيما المتوقع تزايد حالات سحب الودائع إذا ما استمرت الحملة على هذه المؤسسات في المستقبل. قوائم الإرهاب لم تنتظر الإدارة الأميركية انتهاء التحقيقات وجمع الأدلة حول هوية المتهمين في أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فبعد عدة أيام فقط من وقوع التفجيرات في نيويورك وواشنطن بدأت بشن ما أصبح يعرف بالحرب المالية على الإرهاب من خلال إصدار ما أصبح يعرف بقوائم المنظمات والجمعيات والأشخاص الذين يقومون بتمويل الإرهاب دون تقديم أي أدلة، حيث أعلن الرئيس الأميركي في 23 أيلول/سبتمبر محاطاً بوزيري الخزانة والخارجية هذه الحرب بقوله: "لقد وجهنا اليوم ضربة إلى الأسس المالية لنظام الإرهاب العالمي"، وسارع قرار رئاسي إلى نشر قائمة بـ 27 شخصاً ومنظمة تنطبق عليها هذه الإجراءات، وبعد أسبوع أعلن الرئيس بوش تجميد 50 حساباً مصرفياً، حيث تم مصادرة هذه الأموال وتحويلها إلى أجهزة مكافحة تبييض الأموال وخصوصاً مجموعة العمل المالي (GAFI).
وكانت أكثر الجهات المستهدفة هي مؤسسات وشخصيات عربية وإسلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها حتى وصل إجمالي عدد الأشخاص والمنظمات والهيئات والمصارف الإسلامية التي أدرجت في هذه القوائم نحو 180، كما أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يطالب فيه جميع دول العالم بتجفيف مصادر دعم الإرهاب وبما يتوافق مع الرغبة الأميركية دون انتظار لأي تحقيق أو أدلة تؤكد صحة هذه المزاعم.
وترافق مع كل ذلك حملة إعلامية منظمة شنتها بعض الدوائر المالية الغربية ضد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على الرغم من نفي أصحابها لهذه التهم، والتأكيد على أن جميع معاملاتها قانونية ولا غبار عليها، كما أن جميع عملياتها المالية تتم بإشراف مباشر من المصارف المركزية في الدول التي تعمل بها. لماذا المصارف الإسلامية؟ تعتبر المصارف وكافة المؤسسات الاقتصادية الإسلامية منافساً عملياً للنظام الربوي الدولي، ومع النجاحات المتواصلة لهذه المصارف ونسب الأرباح المرتفعة التي تحققها سنوياً زاد الاهتمام الغربي بهذه الصناعة الحيوية، فقد استطاعت هذه المصارف وخلال ثلاثة عقود تحقيق نسمة نمو فاقت في كثير من الأحيان نسبة النمو التي حققتها المصارف التقليدية أو الربوية رغم الصعوبات التي تعترض طريقها، علاوة على أن المصارف والمؤسسات المصرفية الإسلامية استطاعت أن تقدم حلولاً للكثير من المشكلات الاقتصادية التي أخفق النظام الربوي في حلها.
كما أن قطاع المصارف الإسلامية أصبح يعطي تميزاً للعالم الإسلامي ويطرح إمكانية نجاحه اقتصادياً بعيداً عن الهيمنة الاقتصادية العالمية، فهذه الصناعة تتمتع بإمكانيات كبيرة وفي مقدمتها وجود أكثر من مليار مسلم حول العالم يدعمونها خاصة في ظل النجاح الذي حققته سواء من حيث عدد المصارف وحجم رؤوس أموالها أو أنشطتها وتنوع خدماتها وتلبية حاجة المتعاملين معها.
فعلى صعيد معدلات النمو السنوية فقد بلغت وفقاً لتقديرات الخبراء نحو 15 في المائة، فيما تؤكد التقديرات أن هذه المصارف الإسلامية ستستمر تنمو خلال السنوات العشر القادمة بنسبة تبلغ بين 10 و15 في المائة.
وقد تمكنت المصارف الإسلامية خلال الثلاثين عاماً الماضية وهي عمر تجربتها العملية من إدارة نصف حجم المدخرات في العالم الإسلامي، وهو ما أجبر الكثير من المصارف التقليدية في العالم العربي والإسلامي وأخيراً الغربي على فتح نوافذ للاستثمار الإسلامي.
وقدر الخبير المصرفي "فهد عبد الرحمن المعجل" حجم الأصول في المصارف الإسلامية حول العالم بنحو 400 مليار دولار في مقابل 215 ملياراً عام 1999 و150 ملياراً عام 1989. أما عدد المصارف فبلغ نحو 187 مصرفاً ومؤسسة مطلع عام 2000 بعد عمليات دمج جرت بين عدد منها، مقارنة مع نحو 200 مصرفاً ومؤسسة عام 1998 و25 مؤسسة عام 1985.
أما على صعيد التوزيع الجغرافي لهذه المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية فقد أصبحت تغطي عملياً جميع أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا وحيثما يوجد تجمعات للمسلمين في العالم، فهناك 75 مصرفاً إسلامياً في جنوب وشرق آسيا، و30 مصرفاً في أفريقيا، و25 مصرفاً في الشرق الأوسط، و17 في دول مجلس التعاون الخليجي، والباقي في أوروبا والأميركيتين. وتشكل نسبة ودائع بعض الدول العربية في هذه المؤسسات في كل أنحاء العالم ما يقرب من 59 في المائة. كيف تعاملت الدول الغربية مع المصارف الإسلامية في ظل النجاح المتصاعد الذي حققته المصارف الإسلامية بدأت الدول الغربية تتعامل مع المصارف الإسلامية وفق محورين الأول: دراسة النظام المصرفي الإسلامي وتجربة المصارف الإسلامية دراسة معمقة من خلال جعله مقرراً من المقررات الأكاديمية في الجامعات والمعاهد الغربية، وقد كانت جامعة "لوجبوروج للتكنولوجيا" أول مؤسسة أكاديمية في أوروبا تدخل الاقتصاديات والنظام المالي الإسلامي في برنامجها الدراسي.
أما المحور الثاني فتمثل بالقيام بتطبيقات عملية لأدوات الاستثمار الإسلامي من خلال إجراء تجارب على أرض الواقع، حيث بادرت العديد من المصارف الغربية إلى فتح نوافذ استثمار إسلامية للاستفادة من هذا القطاع الحيوي، وكان أول من قام بهذه الخطوة سيتي بنك الأميركي، الذي أقام مصرفاً إسلامياً في البحرين برأسمال عامل يبلغ 20 مليون دولار وفق ما ذكرت صحيفة الإيكونومست البريطانية في عددها الصادر في 24 آب/أغسطس 1996.
ومنذ ذلك التاريخ أقدمت العديد من المصارف والمؤسسات المالية الغربية على تقديم صناديق تبادلية إسلامية وبرامج استثمارية أخرى في محالة منها لجذب السيولة المالية من هذه السوق المتنامية، ومن هذه المصارف بنك "جولدمان ساتشس" وبنك "كلاينوورت بنسون" وبنك "أنز جريندلايز" حيث قدمت برامج مالية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وفي كانون أول (ديسمبر) عام 1999 بدأ رابع أكبر بنك في ألمانيا "كوميرزبنك" في تقديم صناديق تبادلية إسلامية.
أما التطور الأبرز على صعيد التعامل الغربي مع المصارف والشركات الإسلامية فحدث في شباط /فبراير عام 1999 حينما طرحت مؤسسة "داو جونز أند كومباني" ومقرها نيويورك مؤشراً جديداً للأسهم الدولية خاصاً بالمستثمرين المسلمين الراغبين في الاستثمار في الأسهم وفق مبادئ الشريعة الإسلامية.
وأطلقت المؤسسة على هذا المؤشر اسم (داو جونز إسلاميك ماركت اندكس) (دي جيم)، وتشارك في هذا المؤشر الشركات الناشطة في مجالات تتناسب مع أهداف الاستثمار الإسلامي، ويضم المؤشر 600 سهم خاصة بشركات تنشط في 30 دولة حول العالم كانت قيمتها الإجمالية في نهاية عام 1998 نحو 7.5 تريليون دولار، وجاءت بادرة مؤسسة داو جونز استجابة لازدياد المستثمرين المسلمين الذين بلغت قيمة استثماراتهم في الأسهم في ذلك التاريخ نحو 8 مليارات دولار. اهتزاز النظام المصرفي العالمي وظاهرة سحب الأموال من المصارف الغربية كان من أولى نتائج زلزال أيلول (سبتمبر) الماضي وتدمير مركز التجارة العالمية الذي يضم في برجيه أكثر من 420 شركة عالمية اهتزاز النظام المالي العالمي بصورة لم يسبق لها مثيل.
تتابعت عمليات الاهتزاز بإقدام الولايات المتحدة على اختراق وكسر القواعد التي كانت سائدة في النظام المالي الغربي من خلال عمليات مصادرة الأموال وتجميد الحسابات المصرفية استناداً إلى قوائم الإرهاب الأميركية المتتالية، مما أدى على الصعيد العالمي الى انهيار الثقة بالنظام المالي الغربي باعتباره مصدراً آمناً وسرياً لحفظ الأموال وتنميتها، وهو ما سيؤدي في المستقبل إلى حركة عكسية للأموال والاستثمارات الأجنبية من الولايات المتحدة ومنها رؤوس الأموال العربية والإسلامية باتجاه دولها أو إلى أماكن أكثر استقراراً وأمناً.
وبدأت هذه الحركة بالفعل وفي أكثر من اتجاه، فعلى صعيد رؤوس الأموال العربية والإسلامية أكد "معظم علي" رئيس معهد الدراسات المصرفية والتأمينية الإسلامية في لندن أن قيام السلطات الغربية بتجميد بعض الأرصدة المالية في سعيها لتعقب أموال غير مشروعة في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) دفع مستثمرين مسلمين لسحب أموالهم من الأسواق الغربية.
وقال علي: المسلمون لا يشعرون بأمان الآن بشأن الاحتفاظ بأموالهم في الغرب. وأضاف "بدأوا تحويل الأموال لدولهم، بدأت هذه العملية بالفعل، أسلوب تجميد الأرصدة مخيف لا توجد لائحة اتهام وما من فرصة للتفسير والأمر كله تعسفي. ما يعني أن "الثقة بين الغرب والعالم الإسلامي التي استغرق بناؤها عشرات الأعوام تعرضت لانتكاسة خطيرة".
وأشار علي إلى أن الأسلوب المتبع في الإجراءات التي يجري اتخاذها حالياً لا يبشر بعلاقات طيبة بين الغرب والعالم الإسلامي. فأسلوب معاملة المودعين المسلمين في المصارف الغربية مهين، فهم يعاملون كمشتبه فيهم.
وجاء في تقرير نشرته صحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية (Le Monde diplomatique) بعنوان: "الأضرار الجانبية للحرب المالية على الإرهاب: "في المحصلة وضمن مناخ الخوف ينتشر ضمن الدوائر المالية الخلط بين المسلم والإسلامي والإرهابي، فتحول الشكوك الجرمية حول كل تحويل مالي في العالم الإسلامي، ففي الحرب المالية ضد الإرهاب بدأ منطق العقاب الجماعي يتسبب بأضرار جانبية".
أما بالنسبة للمبالغ التي سحبت خلال الفترة التي أعقبت الهجمات فتقدرها بعض المصادر بنحو مليار دولار وهي نسبة ضئيلة حتى الآن، ولكن إذا استمرت الأمور في التدهور فربما تتسارع وتيرة سحب الأموال بصورة أكبر.
وعلى الجانب الآخر يعتقد العديد من الخبراء أن الحملة الغربية المنظمة على المصارف الإسلامية ورغم انعكاساتها السلبية لجهة الاستثمار في الدول الغربية لكن يكون لها انعكاسات إيجابية أيضاً على صعيد تنمية المصارف الإسلامية وتغذيتها برؤوس أموال كان يجري استثمارها في المصارف وأسواق المال الغربية خاصة إذا أحسنت هذه المصارف استحداث أدوات استثمارية أكثر فاعلية من تلك الموجودة حالياً، وأغرت القطاع الخاص العربي والإسلامي في توظيف أمواله لديها بتقديم خدمات مصرفية متطورة تنافس الخدمات التي تقدمها المصارف الربوية، فعلى سبيل المثال تبلغ قيمة الثروات الخليجية الخاصة المستثمرة في الخارج حوالي 1200 مليار دولار).
وباختصار فإن العمليات المصرفية الإسلامية لها سوق خاصة بها، وساحة عملها كبيرة فيما سيكون المتضرر الرئيس من الحملة على هذه المصارف هو المصارف والأسواق المالية الغربية كما أن استمرار معاملة أصحاب المصارف ورؤوس الأموال الإسلامية كمشتبه بهم ستقوض جميع الجهود السابقة التي بذلت لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين فعملية المصادرات التي تمت حتى الآن لمئات الحسابات الشخصية، ولجمعيات ومؤسسات ومصارف كلها بدون أدلة، فمجرد أن يصدر بيان صحفي من وزارة العدل الأميركية تقوم كل الدول بالتنفيذ بدون انتظار أدلة أو إجراء تحقق. وهو ما سيدمر جميع الأسس والمعطيات التي كانت سائدة في صناعة المال والمصارف لصالح سياسة القوة والغطرسة.
ومن هذه الناحية تنتظر المصارف الإسلامية مخاطر جمة أيضاً في حال استمرت الولايات المتحدة في مصادرة رؤوس الأموال التي لا زالت مودعة لديها، كما أن أمام المصارف الإسلامية تحد من نوع آخر يتمثل في قدرتها على استيعاب رؤوس الأموال العربية والإسلامية التي بدأت بهجرة عكسية من الغرب وتوظيفها بحيث تحقق عوائد مجزية لأصحابها تغريهم بعدم اللجوء إلى دول أخرى في العالم.
وربما ستكون المصارف الإسلامية وحتى التقليدية عاجزة عن تأدية هذه المهمة إذا لم تسارع الحكومات إلى مساعدتها وتقديم التسهيلات اللازمة وبما يحقق مصلحة الجميع ويعوض الدول العربية والإسلامية عن الاستثمارات الأجنبية التي قد تتحول إلى مناطق أكثر استقراراً. (ق.ب)