واشنطن تتمسك بتحصين جنودها الباقين في العراق كيفما كان

بغداد - من باتريك ماركي
أميركا: إما الحصانة أو الحصانة

قبل أسابيع من اعتزام القوات الأميركية الانسحاب من العراق ظهر خلاف بين النخبة السياسية العراقية وواشنطن بشأن ما اذا كان يمكن لجنود أميركيين البقاء كمدربين.. فبغداد ترفض منح أي حصانة قانونية للقوات الأميركية بينما تقول واشنطن ان هذا يعني عدم التوصل الى اتفاق.

ودون تحول في موقف العراق فان أي اتفاق من المرجح أن يكون عبارة عن حل وسط. فالتأزم السياسي في العراق والمعارضة الشعبية الأميركية للحرب وعدم توفر الوقت الكافي للتوصل الى اتفاق سيضطر الاطراف الى القبول باتفاق من شأنه ترك بضع مئات من الجنود الأميركيين في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في الاسبوع الماضي ان قوات أميركية ستبقى في اطار بعثة صغيرة تابعة لحلف شمال الاطلسي أو كجزء من برنامج تدريب عسكري قائم فعلا تابع للسفارة الأميركية من شأنه منح القوات الأميركية حماية قانونية.

وأعطت القيادة السياسية الضوء الاخضر للمالكي للتفاوض لكن دون حصانة وهي قضية حساسة كانت ستتطلب مساومات صعبة داخل حكومته الهشة وهزيمة محتملة في البرلمان.

لكن واشنطن تبدو عازفة عن قبول الخيارات وتصر على أن القوات الأميركية ستحتاج الى حماية كاملة أو على الاقل ضمانات على ان أي عرض عراقي من شأنه تحقيق النتيجة ذاتها.

وقال ستيفن بيدل من مجلس العلاقات الخارجية "لا يمكن أن أتصور أن توافق الولايات المتحدة على سلطة عراقية قضائية شاملة... اذا كان الامر يتعلق بأكثر من محاولة للضغط واذا أصروا على هذا.. فاني أعتقد أن الولايات المتحدة سترفض البقاء أصلا".

وبعد أكثر من ثماني سنوات من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة والذي أطاح بالرئيس العراقي صدام حسين يوجد 41 ألف جندي أميركي في العراق أغلبهم من القوات التي تقدم المشورة للقوات العراقية منذ انتهاء العمليات القتالية في العام الماضي.

وفي حين أن العنف تراجع منذ أوج الصراع الطائفي في البلاد في 2006 و2007 فما زال العراق يعاني من هجمات يومية من مسلحين متحالفين مع القاعدة ومن ميليشيات شيعية.

ويقر بعض الزعماء العراقيين بشكل غير معلن بأنهم يفضلون وجود قوات أميركية كضمان في بلد ما زالت تستعر فيه التوترات الطائفية كما أن هناك خلافا بين العرب والاكراد حول السيطرة على الثروة النفطية في شمال العراق.

لكن رجل الدين الشيعي المناهض للولايات المتحدة مقتدى الصدر هو وحده الذي يعارض صراحة استمرار الوجود الأميركي. وكان جيش المهدي التابع له يحارب يوما القوات الأميركية لكنه الان حليف سياسي رئيسي للمالكي. وتزيد معارضته للقوات الأميركية من تعقيد موقف الزعماء العراقيين.

ويقول المالكي ان العراق يحتاج لاقل من 3400 جندي وهو العدد الذي اقترحته الولايات المتحدة. لكن بدائله لا تترك خيارات تذكر لواشنطن.

ولدى مكتب التعاون الامني بالعراق التابع للسفارة الأميركية مدربون تشملهم بالفعل الحصانة الدبلوماسية كجزء من وزارة الخارجية. وربما يكون الحاق المزيد من العسكريين بزيهم العسكري بهذه القوة هو أكثر الخيارات ملاءمة لكن من المرجح أن تكون الاعداد محدودة.

وقال سامي العسكري وهو نائب بالبرلمان العراقي وحليف للمالكي انه بموجب هذا الاتفاق سيكون العدد 200 أو 300 فقط وأضاف أن الأميركيين ليس أمامهم خيار اخر وأن البديل الوحيد هو انسحاب القوات الأميركية تماما.

وتمثل الحصانة للقوات الأميركية قضية حساسة لكثير من العراقيين الذين يتذكرون الانتهاكات التي ارتكبها جنود ومتعاقدون أميركيون خلال أسوأ سنوات الحرب. لكن جنودا أميركيين في دول أخرى تكفلهم نفس الحماية القانونية التي تريدها واشنطن في العراق.

وبموجب الاتفاق الحالي يخضع الجنود الأميركيون للسلطة القضائية الأميركية في جرائم معينة ترتكتب أثناء الخدمة.

كما أن ادراج القوات الأميركية ضمن بعثة التدريب الصغيرة التابعة لحلف شمال الاطلسي في العراق يمكن أن يتيح للأميركيين الحماية القانونية. لكن ذلك الخيار له مشكلاته الخاصة.

اذ ان الحلف له اقل من 200 فرد يعملون في التدريب بمجالات مثل الشرطة والتمويل والامداد في المهمة التي من المقرر أن تنتهي عام 2013. ويبحث نواب عراقيون الان مشروع قانون لتوسيع برنامج حلف شمال الاطلسي والسماح ببقاء بعض القوات الأميركية.

لكن ذلك ربما لا يكون كافيا بالنسبة لواشنطن وربما يواجه مقاومة من دول حلف شمال الاطلسي تحسبا من أن يتسبب هذا في تحول العداء الذي تلقاه القوات الأميركية الى مهمة حلف شمال الاطلسي الاقل ظهورا.

وقال ديفيد ماك وهو باحث في معهد الشرق الاوسط وسفير أميركي سابق "من المرجح أن يجد ذلك الكثير من الناس هنا (في أميركا) أقل طمأنة مما لو كان أفرادنا العسكريون جزءا من البعثة الدبلوماسية الأميركية".

ويقول مسؤولون عراقيون وأميركيون ان القوات المسلحة العراقية أكثر قدرة الان على احتواء العمليات المستمرة التي يشنها المسلحون. لكنهم يقرون بأن الجيش ما زال يحتاج الى تدريب في مجالات مثل الدفاع الجوي والامدادات وجمع المعلومات.

وحتى بدون المدربين العسكريين سيتوجه المئات من المدنيين الأميركيين الى العراق لمساعدة القوات العراقية على التدرب على استخدام معدات مثل المقاتلات اف-16.

ويرى البعض في واشنطن أن الوجود الأميركي القوي في العراق ضروري للاستقرار ويمثل حماية من نفوذ ايران. ويقول متشددون أميركيون في مجال الدفاع مثل جون مكين انه ستكون هناك حاجة الى وجود عشرة الاف جندي اخر في العراق.

لكن التحول في موقف بغداد يبدو صعبا الآن. اذ ان العملية السياسية العراقية تعاني الان من خلافات بين الكتل الشيعية والسنية والكردية التي تتألف منها الحكومة.

وعندما تفاوضت الولايات المتحدة مع العراق حول اتفاقيتهما الامنية عام 2008 استمرت المحادثات لمدة عام تقريبا. ومن القضايا التي عقدت المفاوضات سيادة العراق والحصانة للقوات الأميركية وموعد الانسحاب قبل التوقيع على اتفاقية أمنية نهائية.

وقالت جالا رياني في اي.اتش.اس غلوبال انسايت "من شبه المؤكد ان تبقى القوات الأميركية... لكن التفاصيل ما زالت مهمة لطمأنة الشعب العراقي والاطراف المعنية".