وارد بدر السالم يروي 'عجائب بغداد'

فصول المحنة

في ثمانينيات القرن الماضي لمع اسم الكاتب وارد بدر السالم، قاصا وصحفيا له قدرة واضحة على اللعب في الكلمات، واستخدامها بالطريقة التي يراها هو، إذ عرف بإمكانيته على نسخ الجملة الأدبية والصحفية، بما يجعلها متوهجة، ومنفتحة على دلالات يقصدها، ويوظفها بما يعطي لمادته نكهة خاصة، ناهيك عن غزارة إنتاجه الذي قدمه للوسط الثقافي كاتبا متمكنا من أدواته، بوقت مبكر، ما يؤشر على موهبته التي لفتت الانتباه إليه، فبين العام 1983 والعام 2001 أصدر تسع مجاميع قصصية وروايتين إضافة الى قصيدة طويلة، تحت عنوان (فصول الحصار). وبعد الاحتلال، اصدر رواية بعنوان (شبيه الخنزير) وكتابا في أدب الرحلات تحت عنوان (الهندوس يطرقون السماء) ولديه كتاب ينتظر الطبع، وربما هناك مخطوطات أخرى كما عرفت منه.

روايته التي بين أيدينا هي (عجائب بغداد) التي يمكن وصفها بأنها، رواية يوميات او جاءت وفق هذه الصيغة، وتنطلق من مكان واحد، هو بغداد ما بعد الاحتلال الأميركي والفوضى العارمة التي اجتاحتها، والعنف والانفلات الأمني الذي يعد من عجائب الاحتلال وإفرازاته المدمرة، وهنا نتوقف عند إمكانية وارد بدر السالم، وهو يدون اليوميات التي يتداخل فيها الواقعي بالمتخيل، وحتى الفنتازي، الذي رسمته صور تلك المرحلة، التي لا تزال ذيولها تتحرك بيننا على جدران بغداد، بعد ان تلطخت بالدم والدخان، لتترك لوحة سريالية غريبة، سيتوقف عندها الروائي في العام 2006 وهو العام الذي بلغت فيه أعمال العنف ذروتها اثر تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء وما أعقبها من مجازر مروعة، بدأت باغتيال الصحفية والمراسلة الشهيرة أطوار بهجت التي كانت تغطي الأحداث من سامراء لصالح قناة العربية، واستمرت نحو عامين، سيرصدها السالم، بعين الصحفي المراسل ويدونها بقلم الأديب ويخرج لنا بهذا العمل الذي يعد احد أهم (الوثائق) الأدبية، التي تحكي محنة شعب، عاش أهوالا لم يشهد لها مثيل في التاريخ الحديث.

يبدأ وارد بدر السالم، روايته بالمقطع الآتي: "عدت من دبي بعد مقتل أطوار بهجت.. لم يكن بوسعي الرفض المطلق، كنت لحظتها كمن يقبض بشكل خاطف على ذات متلبسة بإعصار جارف خلخل صفاءها هيمنت عليّ حالة من السكون الغريب خالطها تأمل مشوش، لم يكن مفهوما لي على وجه الدقة، وقتها أدركت أني سأمضي واطرق أبوابا لا مفاتيح لأقفالها".

بهذه الصورة المشبعة بالشعر، ندخل عالم الرواية او مع الصحفي القادم من دبي الى بغداد، ليعمل مراسلا لصحيفة عربية (خليجية) كانت قد اعتمدت مسبقا مراسلا آخر لها، سيقتل في بغداد، ثم تبدأ سلسلة المشاهدات (العجيبة) التي تأتي على شكل يوميات، يدونها الصحفي، بطل الرواية، في 36 فصلا لكل منها حكاية من حكايات تلك الأيام المرعبة، يتعرف خلالها الى مراسلة محطة الـ بي بي سي الفتاة الجميلة (لورا)، التي جاء حضورها في الرواية، بمثابة شهادة مكملة لما عاشته بغداد، فالعلاقة بين بطل الرواية، الصحفي العراقي، و(لورا)، ظلت على امتداد الرواية تقريبا، أشبه بحبل الحياة الوحيد، الذي يراه القارئ نابضا بشيء مختلف وسط تلك المتاهة الدموية المخيفة والتي تصل في فنتازيتها حدا يجعل الجثة تتكلم كما يروي أخ احد المذبوحين، وهو يحكي قصة أخيه: "هذا أخي.. هو اكبر مني.. اختطفته القاعدة لمدة أسبوع.. هو يستطيع ان يتكلم كما تشاهدون.. رأسه مقطوع.. ذبحه الزرقاوي بنفسه، وألقاه إتباعه في النهر.. غير ان إرادة الله اكبر من الزرقاوي.. فعاد أخي بعد ان سبح في النهر وترك رأسه عند جماعة الزرقاوي"!

وهذا المقطع يقع في فصل (سيف الزرقاوي) وما فعله، اذ لم يجد الروائي وسيلة تعبر عن تلك الأفعال، سوى هذه الواقعة المفترضة والتي تحصل بعد تلقيه هاتفا من صديقته (لورا) في فندق الشيراتون الذي كان مقرا لعملهما، بعد ان كان يتجول في شارع أبي نواس المحاذي للفندق وحين يعود يجد هذا المشهد الغريب، مشهد الرجل الواقف بلا رأس، يحرك يديه كالأحياء، ويقف الى جانبه أخيه الذي يسرد للمراسلين وللجنود الاميركان حكاية وقوعه بيد جماعة الزرقاوي وذبحه، وعودته الى أهله من دون رأس وسط تكبيرات مراسلي المحطات الإسلامية، على هذه (المعجزة)!

والسؤال الذي يطرحه هذا المقطع او هذا الفصل، أخلاقي بامتياز يتداخل مع حالة الهستيريا التي أصابت العقل الجمعي بفعل هول الأحداث وبشاعة الصور التي ضجت بها الشوارع ومحاصرة السؤال الوجودي لأعماق النفوس التي تسأل الله الخلاص، ولم يأت، فتظهر الأجوبة الفنتازية، على هيئة ما يسرده الروائي من وقائع تمثل إجابات ليس على أسئلة الواقع، بل على ما أصاب النفوس من هلع بفعل القسوة والوحشية التي رافقت أعمال العنف التي استهدفت العراقيين، واعتقد ان سرد هذه الواقعة المتخيلة، أغنت الروائي عن سرد الكثير من الوقائع الحقيقية والمفترضة، لأنها اختزلت المأساة بصورة معبرة أصابت الجنود الاميركان أيضا بالخوف الذي لم تفلح نظاراتهم السود من إخفائه! ولعل هذا ما يجعل ردود الفعل العراقية (المتطرفة) تحصل، كما يرد في فصل (الرأس الأميركي) حيث تعبث أقدام الصغار برأس جندي أميركي قتيل، لم يكن الروائي يقدمه للاحتفال بالواقعة، وإنما في إطار عرضه البانورامي لتشوه الحياة التي فقدت لياقتها، بعد ان دمَّر الاحتلال حلقات الدولة المفصلية، وتركها سائبة في وسط جموع من الإرهابيين والقتلة، الذين اقتحموا اطمئنان شوارعها وازقتها، ودمروا حياة أهلها، ليغدو كل شيء فيها عجيبا حقا، حتى صحفها، أوصحف بغداد التي باتت هي الاخرى تطالع الناس بأخبار عاجلة، وفنتازية في إشارة الى إفرازات الاحتلال وعجائبه التي نقرأ منها او من ما أنتجته مخيلة الروائي، (قرية صفيح مجهولة تؤسس للاتحاد على أطراف بغداد).. (عاجل.. يهوذا في بغداد بزي أستاذ جامعي مطرود).. (مسرحية القرية البوذية تجمع العراقيين في قرية من تنك).. (حي بغدادي فقير يتمرد ويدعو الى ثقافة السلطة).. (تنظيم سري خطير تكشفه فضائية أميركية يدعو لإلغاء الأديان!)، وهكذا يصل بنا وارد بدر السالم الى خلاصة عجائبه التي جاءت بلغة مكثفة وسلسلة، يمتزج فيها السرد الصحفي بلغة الأدب التي تكشف عن براعة كاتب يتمكن باستمرار من خلق قضاء كتابي ينطوي على دهشة وعذوبة.

لعل أهم ما ميز هذه الرواية ـ الصادرة عن دار (ثقافة للنشر والتوزيع) في 223 صفحة من القطع فوق المتوسط ـ هو أنها لم تنغمس في التفاصيل السياسية، وظلت من خلال مدخلها الذي أراد الروائي منه ان يقدم أحداث عمله بـ(حيادية) او بموضوعية المراسل الذي كان همه إيصال ما كان يحدث في العراق الى العالم، وهذه (الحيادية الصحفية) أعطت زخما للرواية، بعد ان حولتها الى عدسة ثاقبة تجولت ليس في أعماق شوارع بغداد، وإنما في أعماق نفوس الناس في تلك الظروف العصيبة، إضافة الى ما استجلته من مواقف تجاه الواقع السياسي وقواه، والتي قدمها المراسل (البطل) بـ (مهنية) مثلث أداة الروائي في عرض مقولته بحبر الأديب بعد ان عكست كلماته المباشرة وغير المباشرة، صورة واقع محتدم على مختلف المستويات، ولعله أراد القول إن وراء كل هذا، هو المحتل الذي أيقظ المارد الطائفي واستجلب القوى الظلامية التي حولت بغداد الى مصنع للعجائب شغلت وسائل الأعلام طيلة تلك السنين، أي أنها وثيقة إدانة صريحة للاحتلال، تجنب السالم ان تكون مباشرة، كي لا يفقد عمله دهشة الفن، ورسالته المضمرة، التي يجعل القارئ شريكا في إعادة إنتاج العمل، بعد ان يزجه الروائي في تفاصيل الأحداث، التي تأتي على شكل شفرات، يكمن حلها في سؤال تستدعيه الأحداث، هو، لماذا حصل هذا، ولماذا يدفع الشعب كل هذا الثمن الخرافي ولمصلحة من؟ وهذه هي خلاصة المقولة النهائية للرواية.