هيكل في عيد ميلاده الثمانين: اعتزال مطلق... ام استئذان مؤقت؟

بقلم: امين الغفاري

شهدت الصحافة المصرية والعربية فى الفترة الاخيرة مظاهرة احتفالية ضخمة بمناسبة بلوغ الكاتب الأشهر محمد حسنين هيكل سن الثمانين. وقد أشعل حرارة الاحتفال، وزاد من توهجه، ما تردد عن نيته اعتزال الكتابة، وخلوده الى الراحة، وقد قوبل هذا الاحتمال (الذي اصبح حقيقة بعد اعلانه الرسمي عن ذلك) بثورة احتجاج ورفض على مستويات عدة إعلامية وشعبية، وهي ظاهرة تعد الاولى من نوعها بالنسبة لكاتب، ان يتدخل مريدوه، ومحبوه، والمعجبون به ليثنوه عن قراره، وان يظل باذلا الجهد والعرق، امتثالا لرغبة عشاق قلمه، ورؤاه، وتحليلاته.
وهي ظاهرة تكشف عن حقيقة مؤكدة، وهي ان التزام الكاتب لا يضيع هباء، وان سنوات العمل الجاد، والمعاناة لها مردودها المثمر، من ثقة الناس وتعاطفهم، والمشاعر الحارة التى تتفجر الان فى صورة مقالات وملاحق خاصة تصدر عن العديد من دور الصحف عن مسيرة الاستاذ هيكل وصعوده المبكر، والنجاحات التى حققها فى مشواره الطويل، واسهاماته فى اثراء، وتطور الصحافة المصرية، وقول الروائي الكبير نجيب محفوظ عنه "انني ادين له بشهرتي"، ثم قوله "ان هيكل قد اوصلنا الى العالمية فى مجال الصحافة بكتاباته فى الصحف الامريكية والاوربية، وبترجمة كتبه الى العديد من اللغات فى قارات متعددة".
كما نذكر عبارات قالها عنه كاتب اخر اجنبي هو ادوارد مورتيمر، الكاتب البريطاني بصحيفة الجارديان التي تصدر فى لندن وقوله "ان هيكل هو احد اكبرصحفيي هذا العصر" واستطرد فاضاف انه يرجع ذلك الى عوامل ثلاثة (1) انه ذو عقل تحليلي فريد؛ (2) قلم بليغ متدفق؛ (3) واحساس قوي بالقيمة الاقناعية للخبر، وتلك الصفات قد زادتها السنين صقلا، ولم ينل منها الزمن.
وهي شهادات تترجم لنا المكانة الرفيعة لهذا الصحفي، الذي لمع نجمه، وحلق عاليا فى افاق بعيدة، وسبح فى المياه العميقة، بما لم يتيسر لصحفي عربي من قبل، فكان مراسلا فى الحرب الكورية، ثم في حرب فلسطين، حيث التقى بجمال عبد الناصر لاول مرة فى منطقة الفالوجا، وطار الى ايران في احداث تاميم البترول، تحت قيادة الزعيم الايراني محمد مصدق، واصدر كتاب "ايران فوق بركان".
وفي ليلة قيام ثورة يوليو 1952، كان فى مركز القيادة، وكانت تلك بدايات معرفته، ثم تعاونه مع قيادة الثورة. فى عام 1957 اتفق مع عائلة تقلا على رئاسة تحرير الاهرام، وفى عهده انقلبت خسائر الجريدة الى ارباح، واستمر بعد التاميم، حتى تمكن من عمل البناء الشامخ الذى اقامه لدار الاهرام فى شارع الجلاء بالعاصمة المصرية بداب وبسعة افق لمتطلبات العصرسواء فى الاعلام ودوره، او في اطار عملية التنوير ومسؤولياتها، وقام الرئيس عبد الناصر بافتتاحه فى فبراير عام 1969 ليسجل اسهاما كبيرا فى دعم العمل الصحفي، من حيث توفر التقنيات اللازمة للعمل الناجح.
وقد صدر للاهرام فى ذلك الوقت ملحق يقوم بتقديم هذا الصرح الكبير للناس وتعريفهم به، وكان العنوان "اطلالة حضارية على القرن الواحد والعشرين"، وهو امر يكشف من جانب اخرعن مدى عشقه لمهنته، وولعه بخدمتها، من خلال تحسين ادائها، ولم يكن مبنى الاهرام تحفة معمارية فقط، وانما كان ايضا مؤسسة متقدمة من خلال احدث التقنيات والكوادر المهنية والحرفية، وكذلك اساليب الادارة.
وقد اوجد هيكل لاول مرة فى الصحف صيغة الكاتب المتفرغ فى الاهرام وقد جمعت عددا كبيرا من المفكرين وقمم الثقافة والادب منهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ويوسف ادريس والمفكر العظيم احمد بهاء الدين وغيرهم.
ان مسيرة محمد حسنين هيكل فى دنيا الصحافة المصرية والعربية والعالمية، ودوره كذلك فى القرار السياسي خصوصا فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر تستحق البحث والدراسة، ومدى تاثير ارائه ومقالاته سواء فى القرار السياسي على صعيد الحكومات، او تشكيل الراي العام على الصعيد الشعبي، ولذلك فان الامر لا يدعو للدهشة ان تعد اكثر من رسالة ماجستير او دكتوراه عن هذه المسيرة الحافلة، والدور المتميز لهذا العلم الكبير فى عالم الكتابة والنشر، وقد صدرت العديد من الكتب عن دوره ومسيرته. بعضها تحدث عنه بموضوعية كاملة دورا وفكرا ومهنة، والبعض الاخر هاجمه بشدة، خصوصا فى مرحلة الرئيس الراحل انور السادات، وهي نفس المرحلة التى تم فيها اعلان الحرب على ذكرى الرئيس عبد الناصر، وكل الانجازات التى حققها سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي.
وشهدت هذه الفترة ردة كاملة تبحث عن اقتلاع التجربة الناصرية من عقول الناس ومن وجدانها، وكان هيكل بالطبع احد رموز التجربة، واقوى مؤسساتها الاعلامية، ولذلك كان هدفا رئيسيا، وعلى الاخص حين اتخذ الموقف الحاسم، ورفض الانصياع وراء ارتماء انورالسادات في احضان السياسة الامريكية، ورفضه لاتفاقيات فض الاشتباك الاولى والثانية التي ابرمها النظام الساداتي مع اسرائيل بعد حرب عام 1973، ثم نقده المرير لقيام السادات بنفسه بعمليات التفاوض، وقال ان قيام رأس النظام بالتفاوض يسهل للخصوم عمليات الضغط والتأثير، واصدر السادات قراره بعزله كرئيس لتحرير الاهرام، ورئيس لمجلس ادارتها، وقام بتعيينه مستشارا لرئيس الجمهورية، ولكن الاستاذ (كما يلقبه تلامذته وحواريوه)، قبل طائعا الاقصاء قائلا "ان الصحفي قلم، وليس كرسيا" ولكنه فى نفس الوقت رفض هذا التعيين، وقال للسادات "لقد استخدمت حقك فى اقصائي عن جريدة الاهرام، وانا استخدم حقي فى رفض هذا التعيين كمستشار برئاسة الجمهورية."
وجاءت مبادرة الرئيس السادات بزيارة القدس عام 1977، ثم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، لتساهم فى تباعد المسافات بين موقفي الرجلين، وكتب هيكل عدة مقالات دفاعا عن الانجازات التى حققها عبد الناصر، ازاء الهجوم الذى تتعرض له تجربته، وفند فيها كل الاتهامات، وقد تم نشرها فى صحيفتي الانوار اللبنانية والوطن الكويتية، وغيرهما من الصحف العربية، ثم قام بتجميعها فى كتاب بعنوان "لمصر لا لعبدالناصر"، كما اصدر كتابين اخرين عن حرب عام 1973 احدهما بعنوان "الطريق الى رمضان" والاخر باسم "حرب اكتوبر 1973" روى فيهما الاستعدادات للحرب، وما دار فيها على ساحة الميدان، وما دار بين الكواليس من اتصالات، ثم ما انتهت اليه الحرب من نتائج. واصدر بعد ذلك كتاب بعنوان "مفترق الطرق" حين اختلف منهجه فى الرؤية والتحليل عن منهج الرئيس السادات، وادرك ان الثقة الكاملة في الولايات المتحدة، حتى وان كانت الضمانات من الرئيس الامريكي نفسه مغامرة تكذبها التجارب السابقة، والوقائع الحالية.
اما عن مبادرة الرئيس السادات، فقد اصدر الاستاذ كتابا خاصا عنها بعنوان "حديث المبادرة" روى فيه القصة كاملة، وماذا دار عبر الوساطات والاتصالات التى سبقت الحدث الكبير، ومدى شحوب الامال الكبار واضمحلالها صباح يوم المبادرة فى القدس، ثم النهايات المتوقعة لعمل تم تسويقه على انه نهاية لكل المشاكل فى المنطقة، وبداية الحل على الطريق الصحيح، بينما كان في واقعه نموذج لحوار الطرشان. وبلغ الصدام مداه فى حدثين رئيسيين بين الرئيس الذي اعتمد الصدمات الكهربائية اساسا لسياسته، وسار على طريق عبد الناصر (كما وعد فى بيانه الاول للحكم) ولكن باستيكة (ممحاة) كما رددت الجماهير المصرية، وبين الكاتب الصحفي الذي تحول الى مقاتل بالكلمة، ومؤرخ للحدث بالوثائق والبراهين، وشاهد على عصر اختلط بابطاله، وعايش احداثه، ونفذ الى ترجمة العلاقة بين ما يدورعلى السطح من وقائع، وبين ما تختزنه الاعماق من اسرار.
كان الحدث الاول هو احالته الى التحقيق امام المدعي العام الاشتراكي، وكانت التهمة تتعلق بالمقالات التى ينشرها خارج مصر، وكذلك بعض التصريحات او الاحاديث المنسوبة اليه وراى فيها السادات انها تشكل اساءه لمصر وتشوه صورتها (الرئيس السادات ابتدع اتهاما لخصومه او معارضي سياسته من المصريين انهم يشتمون بلدهم، اي انه خلط بين نقد الحكومة وبين الاساءة للوطن) وبالطبع لم يسفر التحقيق عن شيء وقد صدرت وقائع هذا التحقيق فى كتاب خاص "وقائع تحقيق سياسي امام المدعي الاشتراكي"، وقد امتد هذا التحقيق الى نحو ثلاثة شهور عام 1978. اما الحدث الثاني فكان اعتقال هيكل فى سيبتمبر عام 1981 في اطار حملة اعتقالات جامعة شملت كل اقطاب ورموز الحركة الوطنية المصرية على مختلف اطيافها واتجاهاتها، وبلغ عدد المعتقلين نحو 1500 معتقل خلال عدة ايام، ولم يمر سوى شهر واحد، وعدة ايام حتى تم اغتيال الرئيس السادات فى السادس من اكتوبر اثناء استعراض الجيش فى الاحتفال بذكرى حرب اكتوبر عام 1973، وبايدي بعض افراد القوات المسلحة يقودهم احد الضباط واسمه خالد الاسلامبولي، وهم ينتمون الى احد التيارات الدينية.
خرج الاستاذ هيكل من السجن، الى القصر الجمهوري مع المجموعة الاولى من المفرج عنهم من اقطاب الحركة الوطنية ورموزها، حيث استقبلهم الرئيس الجديد للجمهورية حسني مبارك، فى لفتة عدت نوعا من المصالحة، وبداية جديدة لعهد جديد.
اصدر الاستاذ هيكل كتابه الشهير "خريف الغضب" الذي احدث ضجة كبيرة، وتعرض فيها الى حملة اعلامية واسعة، تمت خلالها مصادرة الكتاب فى مصر، وبعض البلدان العربية مثل المملكة العربية السعودية، والطريف هنا ان جريدة سعودية تصدر فى العاصمة البريطانية لندن، كانت قد تعاقدت مع الناشر لكتب الاستاذ هيكل على قيام الجريدة بنشر فصول الكتاب قبل نشره كاملا فى الاسواق، ولكنها بعد نشر الفصول الاولى منه، توقفت عن النشر، وبدات فى مهاجمته.
ماذا يتضمن هذا الكتاب الذى قوبل بمثل هذه العاصفة؟
يلجا الاستاذ هيكل فى هذا الكتاب الى اسلوب جديد فى الكتابة لم يتعوده قراؤه منه، وهو تحليلي ويقوم على تشريح البناء النفسي للرئيس الراحل انور السادات، من خلال عرض للاسرة والبيئة والمناخ الذي نشأ وتربى فيه انور السادات، وما ترسب فى داخله ازاء كل الظروف المحيطة، ويعرج فى فصول اخرى عن علاقات الاجهزة الامنية بين مصر والسعودية وضلوع الرئيس نفسه فى خط مباشر مع الشيخ كمال ادهم رئيس المخابرات السعودية فى ذلك الوقت. بلغت الحملة ضد هذا الكتاب حد تفتيش حقائب الركاب فى المطارات العربية بحثا عنه، ومصادرته.
يمثل خروج الاستاذ هيكل من الاهرام يوم 3 فبراير عام 1974 نقطة انطلاق جديدة وقويه له، ولكن على ساحة اخرى مختلفة، غير ساحة العمل الصحفي والادارى لجريدة يومية كبرى مثل الاهرام، اخذت الكثير من جهده ووقته، بحيث اصبحت فى عهده احدى الصحف العشر الاولى على مستوى العالم، كما جاء فى تقرير نشرته جريدة التايمز البريطانية، ويكفي فى هذا الاطار ان نذكر افتتاحية هذه الصحيفة العالمية الكبرى حول خبر عزل هيكل يوم 4 فبراير 1974 "العنوان : ذهاب رئيس تحرير عظيم" وجاء فى التفاصيل كما يروى محمد سلماوي الصحفي بالاهرام والذى تسلم هذا التعليق عبر وكالة رويترز على جهاز التيكرز "ان الوزراء ياتون ويذهبون كثيرا فى مصر، ويتردد انه سيتم تعيين رئيس وزراء جديد، دون ان يثير ذلك اي اهتمام دولي، اما محمد حسنين هيكل فهو مؤسسة في حد ذاته"، ومضت الصحيفة فوصفت خروجه، بانه خيبة امل لمصر.
وجدير بالذكر ايضا انه قد جاء فى شهادة مؤتمر الصحافة العالمي فى لوس انجلوس عام 1971 عن جريدة الاهرام، ان هذه الدار الصحفية بما فيها من تجهيزات ومعدات تمثل واحدة من الدور الصحفية الثلاثة الاكثر تقدما فى العالم.
كانت الساحة الجديدة التى اقتحمها هيكل فى عالم الكتابة هي تسجيل شهادته على العصر الذي عاش احداثه، وتعرف على رجاله، وارتبط بطموحاته، وعانى من احباطاته ونكساته. كتب هيكل اروع انتاجه، وروى للمكتبة العربية عطشها لمعرفة خبايا الاحداث واسرارها، وحفظ للتاريخ المصري ازهى عصوره، واكثرها نبضا بالكرامة والكبرياء، كما كتب عن المنطقة العربية، وما تريده وتطمح اليه، وما يريدوه لها الاخرون ويسعون.
وليس سرا ان عبدالناصر قد قال اكثر من مرة، انني لم اكتب مذكرات، ولم ادون شيئا، وليس لدي الوقت لافعل ذلك، ولكن هيكل يعرف كل شيء، وهو المسؤول عن الكتابة والتدوين.
صدر للاستاذ هيكل العديد من الكتب، اغلبها باللغة العربية، وتم ترجمة معظمها الى لغات اخرى فى مختلف العالم، كما صدرت له كتب باللغة الانجليزية مباشرة، وقد دارت حول قضايا مختلفة، ولكن تبقى ثلاثيته عن "حرب الثلاثين عاما" باجزائها الثلاثة "ملفات السويس" و"سنوات الغليان" و"الانفجار" هي الاكثر التصاقا بثورة 23 يوليو. اما الكتب الاخرى فقد كانت وليدة المناسبة مثل "ماذا حدث فى سوريا" عن الانفصال، و"بين الصحافة والسياسة" عن مرحلة عمله بدار اخبار اليوم، وقصة علي ومصطفى امين" و"مدافع ايات الله" عن الثورة الايرانية، و"المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل" وهي من ثلاثة اجزاء، و غير ذلك من الكتب.
وما ان صدر الجزء الاول من "حرب الثلاثين عاما - ملفات السويس" حتى استلم الاستاذ هيكل خطابا من السير ستيفن دانسيمان استاذ التاريخ الاشهر الذي جلس على كرسي التاريخ فى جامعة كامبريدج وفى جامعة اكسفورد، رغم المنافسة التقليدية بين الجامعتين. يقول السير ستيفن في خطابه:
قرات كتابك، وتصورت كم كان يمكن ان يختلف كتابي، وكتب كثيرين من الذين عانوا كتابة التاريخ غيري لو انه اتيحت لنا جميعا رواية شاهد عيان عاش وقائع الاحداث التى نتعرض لها، ثم فعل مثلما فعلت انت، وسجل لنا ما راى، ولا اخفي عليك اننى احسدك على تجربتك التي اعطتك الفرصة لتعيش التاريخ، وتكتب عنه ايضا. هناك قول شائع لعلك تتذكره وهو "ان التاريخ له اذان، ولكن ليس له عيون" بمعنى اننا نسمع روايات عما جرى من وقائع منقولة لنا بالسماع والتواتر عن هذا اوذاك من الناس، ومعظمها مكتوب باثر رجعي يخلط الوهم بالحقيقة الى درجة تتركنا مع نوع من الفولكلور الاسطوري، يعذبنا كثيرا فرزه، اذا كان ذلك الفرز ممكنا على الاطلاق! وصحيح اننا نصادف فى بعض المرات وثائق مكتوبة، ولكننا نجد انفسنا حائرين امامها، لا نستطيع ان نقدر بالضبط اصالتها وظروفها ومدى تعبير ما فيها عن الواقع كما جرى. ولقد كان ما اثار اهتمامي فى تجربتك هو ان التاريخ عندك له اذان، وله ايضا عيون، وهذه تجربة اتمنى لو ناقشتها معك.
وكان رد الاستاذ هيكل:
قصارى ما اطمح اليه مما اكتبه عن "حرب الثلاثين سنة" – الحرب مستمرة الى الان – هو المشاركة مع كثيرين غيري فى تنشيط ذاكرة امة، ونحن جميعا نفعل ذلك عن اعتقاد بان الذاكرة هي اكبر محرض على الفعل. قراءة التاريخ.. وليست كتابته. وتنشيط الذاكرة.. وليس اصدار الاحكام.
واخيرا صدرت جريدة الاهرام يوم 30 سبتمبر الماضي وبها الحلقة الاولى من مقال تاريخي للاستاذ هيكل بعنوان "استئذان فى الانصراف" ونشرت الحلقة الثانية والاخيرة فى اليوم التالي. واعلنت القنوات المحلية والفضائية نبا اعتزال اشهر صحفي عرفته المنطقة العربية.
فهل اسدل الستار على مسيرة هذا الكاتب المتميز، (الاوحد) كما اطلق عليه خصومه، والذين كان يفري قلوبهم سطوع شمسه، ولا نقول نجمه او قمره، فلقد كان بحق ظاهرة فى عالم الصحافة والكلمة المحترمة. قالوا انه اصبح (الاوحد) لان عبد الناصر كمم الافواه، وتركه.
والحقيقة ان قدراته هي التى صنعت مجده، واصبح بالفعل (الاوحد) الذي ملك عقول وقلوب الملايين من القراء عبر البحار والمحيطات.
لقد قال انني استاذن فى الانصراف، ولكنه لم يقل انني اعتزل، وتعبيرات الاستاذ هيكل دقيقة ومحسوبة، ولذلك فالعبارة لها اكثر من معنى، قد يكون من بينها اعتزال الكتابة المنتظمة، او اصدار كتب بعينها، ولكنه فى النهاية ليس اعتزالا مطلقا، لا سيما وانه قد ذكر برامج توثيقية يمكن ان يعدها.
على كل، غاية مانطمع فيه ونتمناه، ان يكون موفور الصحة، شافيا، عافيا، وعلى امل ان يطل علينا من حين الى اخر باحدى مقالاته، او احد كتبه، وان نسمع صوته في لقاء او ندوة، يحمل لنا رايا او يقدم لنا رؤية، فقد كان ولا يزال هو الاستاذ او المعلم، وهو الانجاز التاريخي الذي قدمتها الصحافة العربية للمجتمع الدولي. * امين الغفاري، كاتب مصري يقيم في لندن