هيكل: العرب اعجز من ان يكون لهم تأثير على اميركا

هيكل يؤكد ان اسرائيل هي التي تحرك الاحداث لا العرب

القاهرة - وجه الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل مايمكن وصفه ببيان للناس تناول فيه قضايا الساعة العربية وتطورات المنطقة راسما صورة مأساوية لكل الامور.
قال هيكل انه يخشى تدخل مصر امنيا في فلسطين طبقا لالتزام سابق من الرئيس الراحل انور السادات في كامب ديفيد الاولى، وانه متهيب من فكرة ان يصاب فلسطيني بحجر او عصا من مصر وهذا سيكون تجاوزا للامن القومي المصري.
وقال ان مشروع الرئيس الاميركي بوش مروع وردود الافعال العربية حوله مقلقة وتم الضغط عربيا على عرفات ليقول انه ايجابي في ظل عجز عربي مهين صور لنا ان لدينا رصيدا في اميركا، وهو مجرد وهم كبير.
وقال ان بيان بوش عرض على شارون قبل اعلانه بيومين وان مايكل جانسون الذي كتبه كان على اتصال دائم بمكتب شارون وهو يصوغه ولم يستشر العرب في شيء. كما ان كل الزيارات العربية للولايات المتحدة فشلت بينما نجحت زيارة شارون وانتصر على العرب بالضربة القاضية في الساحة الاميركية وخسرنا نحن العرب الرهان على كولين باول الذي اصبح اهم المطالبين باقالة او اقصاء عرفات.
وقال ان مؤتمر وزراء الاعلام العرب الاخير بالقاهرة اهانة لكل شخص لديه ذرة فهم لان الاعلام لا يحتاج الى المال ليكون قويا بل يحتاج الى القوة والحقيقة والخطة وهذه اشياء خسرها الاعلام العربي الذي لا يستطيع ان يقنع احدا بمجرد نشر اخبار وصور الرؤساء والثناء عليهم.
وقال في حديثه المعنون من قلب الاحداث الى قلب الوطن بقناة "دريم" المصرية انه لابد من اعادة تعريف الامن القومي المصري لان الخطر الحقيقي على مصر قادم من الشرق.
والحدث الجلل الذي دفع هيكل للتحدث تليفزيونيا مرة اخرى الى الجماهير هو حديث دار بينه ومسؤول بريطانى كبير سأل فيه هيكل عن استعداد مصر القيام بمهام امنية في فلسطين وعاد هيكل الى مصر في اليوم التالي واتصل بالدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الاسبق واحد المفاوضين في كامب ديفيد الاولى أيام الرئيس السادات ليعرف منه اذا كانت مصر قد تعهدت بالقيام بمهام امنية في كامب ديفيد مثلما ابلغه المسؤول البريطاني.
ولان هيكل لا يتصور تدخل مصر في امن فلسطين فقد اتصل بمفاوض آخر في كامب ديفيد رفض ذكر اسمه ليعرف منه ما اذا كانت مصر قد تعهدت بالتدخل الامني في فلسطين خاصة انه لم يجد اجابة لدى د. مصطفى خليل. واكد المفاوض لهيكل انه لا يوجد شيء من هذا القبيل.
وبعد ساعة عاود الرجل الاتصال بهيكل وقال له اخشى ان يكون هناك شيء مثل هذا لانني اتصلت بمفاوضين من اميركا واكدوا لي ان هناك خطابا ارسله الرئيس السادات في 17 ديسمبر عام 1978 الى الرئيس الاميركي كارتر يتضمن هذا التدخل المصري في امن فلسطين.

وفيما يلي نص الحوار بالكامل:
يسترجع هيكل ماتم الاتفاق عليه في كامب ديفيد فيؤكد ان هناك اتفاقا يخص مصر وآخر يخص القضية الفلسطينية والحكم الذاتي، وفي هذا الاطار وضعت نقاط لا بأس بها ووضعت ادوار لأطراف عربية وبالتحديد الاردن لتشارك في اقرار الامن في الضفة الغربية.
وكان من المفترض ان يلحق الملك حسين بالمفاوضين في كامب ديفيد لكنه لم يفعل لاسباب هو مقتنع بها. ونتيجة لذلك سأل الرئيس الاميركي كارتر الوفد المصري انه في حالة حدوث مشاكل امنية في فلسطين من يتدخل؟ لذلك وجه له الرئيس السادات خطابا اكد فيه انه في حالة عدم تدخل الدول العربية في العملية الامنية الفلسطينية فان الحكومة المصرية مستعدة للقيام بهذه المهام الامنية.
ويضيف هيكل: لقد حصلت على نص هذا الخطاب ويبدو لي ان الاميركيين والاسرائيليين بعد كل هذا الدمار الذي ألحقوه بفلسطين وتحويل السلطة الفلسطينية الى كيان عاجز وجدوا ان هناك فراغ امني، وقد يطلب من طرف ما ان يملأ هذا الفراغ. وخوفي من هذه الجزئية بالتحديد دفعني الى الظهور على الشاشة مرة ثانية لاطالب بوقفة لان التعهد المصري صحيح لكنني لا اتصور ان تتدخل مصر في امن فلسطين، فليس بمقدور اي حكومة مصرية ان تتحمل مسؤولية الامن الفلسطيني، كما لا اتصور ان تأتي لحظة يصاب فيها طفل او شاب او امرأة فلسطينية بضربة عصا او حتى حجر ثم تكون هناك مسؤولية مصر عنه.
ويؤكد هيكل انه واثق من صحة الخطاب المصري من كلام محدثه في لندن ولا يعرف رد الفعل المصري.·فهو ليس على اتصال بأحد ولا يعرف مدى الاستجابة المصرية لمثل هذا الطرح.
واكد له محدثه في لندن ان هذا الامر من الممكن تمريره في مصر بحجة قيام دولة فلسطينية وتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني.
ويقول هيكل انه كمواطن وانسان ومهتم بالشأن العام لا يمكن ان يتصور ذلك. ولو قبلناه في مصر فسيكون هذا تجاوزاً لضوابط الامن القومي المصري. رؤية بوش حددها شارون وقال محمد حسنين هيكل في حديثه ان الموضوع الثاني الذي يرغب في التحدث عنه هو مشروع الرئيس الاميركي بوش. وقال ان الرئيس الاميركي اختار لمشروعه اسم رؤية. وانا اعرف ان الرؤى تأتي للاولياء والانبياء والقديسين. كما ان الرؤى في السياسة ترتبط بتصورات لمشروع سلام لكنها عندما تتحول الى ورق تكون كيانات حية لها اوضاع واشكال. والمشروع الذي قدمه بوش مروع وردود الافعال التي سمعتها عنه اقلقتني والمشروع يستحق القراءة وسوف المس النقاط الرئيسية فيه واتحدث عنها بالتفصيل.
وبداية يجب تأكيد ان الموقف في فلسطين متأزم، وتحدثنا كثيرا عن حصار عرفات. ووقتها قلت اني لست قلقا على عرفات لكن قلقي على الشعب الفلسطيني لانني كنت على يقين وتأكدت فيما بعد ان الاتصالات بين مقر الرئاسة المحاصر في رام الله ومكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي لم تنقطع. وعمير شارون ابن رئيس الوزراء الاسرائيلي حمل ثلاث رسائل الى السلطة الفلسطينية المحاصرة. لكني اقف حاليا امام خطاب الرئيس بوش فعندما تأزمت الامور طلبنا من اميركا والمجتمع الدولي التدخل لاننا كنا في حالة استنفار شديدة وحاولنا الضغط على الاميركيين وارسلنا وفدا الى تكساس وآخر الى واشنطن وثالثا الى كامب ديفيد وقلنا ان الترياق الشافي قادم من واشنطن ونسينا ان الدول الكبرى لا تعرف غير مصالح تهمها وقانونها هو القوة حتى الشرعية التي طالبنا بها تحتاج الى قوة تنقذها والقانون نفسه لا يحمي نفسه ويحتاج الى بوليس لينقذه فالشرعية الدولية عاجزة وهي بلا قوة تحميها.
وقلنا ان الولايات المتحدة تستطيع ان تفرض اشياء واحساسنا بالعجز المهين جعلنا نتصور ان يكون لنا عند اميركا رصيد، ونسينا ان اي طرف لا يستطيع ان يفعل شيئا لطرف آخر اذا كان هذا الطرف الاخر عاجزا عن فعل شيء لنفسه. وكل الذين ذهبوا الى واشنطن وطلبوا التدخل الاميركي عادوا بآمال كثيرة لم تتحقق.
وبعد مقابلة الامير عبدالله للرئيس الاميركي في تكساس شعرت بان ما دار كان يخص العلاقات السعودية الاميركية اكثر مما يخص القضية الفلسطينية وانا لا اعترض على ذلك، لكن عندما نتحدث في قضية عامة لابد ان انأى عن مصلحة اي بلد وبعد ذلك ذهب كثيرون الى اميركا ولم اتأكد من التقديرات المتعلقة بالمشهد الاميركي لانه يثير القلق فأنا امام ادارة اميركية تتمسك بأفكار يمينية متطرفة ونجحت بها. وفي المحصلة النهائية قال الرئيس بوش انه لن يتدخل في قضية الشرق الاوسط مثلما فعل كلينتون واذا اقترب من هذه القضية فسوف يرسل وزير الخارجية وجاء كولين باول بالفعل الى المنطقة فالرئيس الاميركي اعلن عدم تدخله لكن الظروف اضطرته للتدخل وارغمت ادارته على هذا التدخل حتى اننا اصبحنا امام مدرستين الاولى يمثلها تشيني نائب الرئيس الاميركي وهي تهتم بالامن والثانية يمثلها كولين باول وزير الخارجية وبدا للبعض هنا ان باول هو المفتاح ونسينا الظروف المحيطة به. فهناك مدرسة الامن التي يرأسها تشيني ومؤسسة الخارجية والاولى تتحدث بمنطق القوة وهذا يعني انك تتحدث مع اسرائيل لانه مع الاسف الشديد ونتيجة لتطورات كثيرة حدثت في الوطن العربي اصبحت اسرائيل هي القوة الاكبر. وعندما ذهب كثيرون من عندنا الى واشنطن وشعروا ان الرئيس الاميركي لا يريد التدخل ووجدوا هاتين المدرستين راهنوا على كولين باول. ووقتها قلت لاخواننا ان اي رهان على باول هو رهان خاسر لانه لن يكون في وسعه الا ان ينضم الى مؤسسة التأمين التي يرأسها تشيني.
وقال هيكل عندما ذهب شارون الى اميركا لم يضيع وقته مع الخارجية الاميركية وركز على الرئيس واللوبي ومؤسسة الامن. وكنت احيانا استغرب ما يفعله شارون فقد جلس مع كوندليزا رايز ثم خرج ليقول جلست معها مدة طويلة لكن مشكلتي انني جلست معها وفي نصف الساعة الاولى شغلتني ساقاها وهذا يعني ان هناك ودا بينهما. كما ان شارون وظف اللوبي جيدا في موقف الرئيس الاميركي المتأزم فعندما ذهب شارون لبوش كان الاخير في بداية ازمته لان الكونجرس بدأ يفيق من ازمة 11 سبتمبر وبدأ يسأل عن اسباب التقصير الامني في حادث سبتمبر وبصرف النظر عمن قام بهذه الاحداث سواء اسامة بن لادن او غيره فقد نختلف حول فاعلها لكننا لن نختلف على التقصير الذي حدث وسوء اداء الادارة الاميركية. فظهر ان هناك قيادة غير مؤهلة لمواجهة ازمات لذلك ارتفعت الاعلام الاميركية وانتشرت الحمى الوطنية لكني توقعت ان الحوار سيحل محل التعصب وهذا كان قد بدأ بالفعل حتى ان شارون عندما ذهب لاميركا لم يتحدث عن الشرعية الدولية ولم يهتم بمن ينفذ كلامه المؤسسة الامنية ام الخارجية لكنه خاطب الرئيس فيما يخص الرئيس نفسه فهناك انتخابات قادمة في الكونجرس واخرى قادمة بعد عامين لاختيار الرئيس الاميركي وشارون لم يضيع وقته في الكلام لكنه كان يعقد صفقات.
وكنت قلقا من هذه الصفقة التي عقدت في اميركا، اسرائيل توظف كل ما لديها لايقاف الحملة على الرئيس الاميركي قبل الانتخابات وخاطبت بوش فيما يهمه فقط، اما نحن فنناقش ما يهمنا وعدنا نطمئن انفسنا وبدأنا نقول انتظروا الخطة الاميركية وبدأنا رفع سقف التوقعات عندما يطرح بوش مشروعه حتى عملية القدس الاخيرة عندما حدثت كنت في لندن وقرر الرئيس الاميركي وكان شارون عنده انه سيؤجل كلامه عن الشرق الاوسط وتعالوا نرى ماقاله الرئيس الاميركي وكنت آمل ان اكون متفائلا ولا احمل الناس هموما فأنا حاليا قلق على البيت المصري ومايمكن ان يقحم في هذا البيت.
وقال هيكل لقد تحدث بوش بعد انتظار طويل في خمس ورقات فقط واهم شيء في كلامه انه بدأ يتحدث من منطلق انساني فقال انه يتحدث عن عمل خيري والاعمال الخيرية لا تحل قضايا الشعوب. كل كلام بوش يعطي مبررا للاحتلال الاسرائيلي حيث قال ان المواطن الاسرائيلي سيظل ضحية للارهاب، لذلك ستواصل اسرائيل الدفاع عن نفسها وسيظل الوضع بائسا للفلسطينيين يوما بعد يوم وليس هناك طريق للسلام الا بعد ايقاف العنف. وتحدث بوش عن تغيير القيادة الفلسطينية وقال ان تغيير القيادة الفلسطينية سوف يشجع اميركا على التدخل لتحسين اوضاع الفلسطينيين· ثم تحدث بوش عن اسرائيل ومصر والاردن ومايهمني هو مصر لانها في المقدمة وبعد ذلك تكلم عن دولة فلسطينية مؤقتة فرأيت المعلقين المصريين يتحدثون عن دولة محدودة ومؤقتة. وما طرحه بوش لا يشكل قاعدة او اساسا لكنه خلق وضعا مأساويا، لا يوجد مشروع للسلام في كلامه، ورأيت من قابلوا هذا الخطاب في لندن وفرنسا باندهاش لانه خطاب فيه ظلم للفلسطينيين. وكبريات الصحف العالمية وصفت المشروع الاميركي بانه منحاز الى اسرائيل وصحيفة الجارديان وصفت المشروع بانه منحاز ولم يغير شيئا والواشنطن بوسط قالت ان هذه قسوة على الفلسطينيين وصحيفة هاآرتس قالت عرفات رجل ميت يعيش على قدميه.
لقد استنكر العالم كله المشروع الاميركي وعندما جئت الى القاهرة سمعت رد الفعل المصري والعربي والفلسطيني وما روعني ما قاله عرفات حيث اكد ان خطاب بوش به اشياء ايجابية وسألت في السلطة الوطنية عن كلام عرفات وكيف قاله ولن اقول اسماء لكن قيل لي انه قبل خطاب بوش حدثت اتصالات بين السلطة وبعض العواصم العربية والسعودية حيث ابلغوا ابوعمار بان بوش سوف يتحدث وربما تكون هناك اشياء تعجبك واخرى ومن فضلك عليك ان نقول ان الخطاب فيه ايجابيات وهناك بعض التحفظات وقد فعل الرجل ذلك وانا اعتبر ما فعله غلطة.
ثم نأتي الى مصر وسألت عن ردود الفعل المصرية فقيلت لي كلمة جرحتني وهي ان المشروع متوازن والعالم كله يقول ان المشروع شديد القسوة حتى ان الصحف الاسرائيلية قالت ذلك حتى بيريز الذي لا اثق به ولا احترمه لانه يطلب السلطة وحريص على رئاسة الوزراء ولديه استعداد لان يتحمل اي اهانة من اجل ذلك. هذا الرجل قال انه قلق من المشروع الاميركي لانه لا يعطي الفلسطينيين اي امل وسوف يغرق المنطقة في بحر من الدم.
وقال هيكل عندما يكون المشروع بهذا الشكل وقد ذكرنا آراء العالم كله فيه وشيمون بيريز نفسه فكيف يكون هذا المشروع متوازنا؟ لقد طلبنا ايضاحات بعد خطاب بوش وقلنا علينا ان ننتظر حتى يأتي كولين باول الى المنطقة في رحلته القادمة وطلب الايضاحات بالنسبة لي مزعج لانه لن يستطيع طرف دولي ان ينسب لي شيئا الا اذا استشارني فيه وطلب الايضاحات يعني انني لم استشر وما اعلمه ان هذا المشروع عرض على شارون قبل اعلانه بيومين ووزير الاستيطان الاسرائيلي كان موجودا في واشنطن قبل شارون وقال انه رأى تشيني وسأله الثاني عما يريده الاسرائيليون فقال له وزير الاستيطان اذا ذكرتم اسم الدولة الفلسطينية مجردا فسيكون ذلك اعترافا وتأييدا لياسر عرفات.
العمليات الاستشهادية نتيجة طبيعية لسياسات اسرائيل
وهناك من يقولون ان العمليات الاستشهادية غيرت كل شيء وان كلينتون عرض على عرفات اشياء كان على الاخير ان يقبلها وانا هنا اؤكد ان العمليات الاستشهادية ليست للمقاومة لكنها ظهرت بسبب زحف اسرائيل اليومي واستيطانها الذي يتزايد يوما بعد يوم وبن اليعازر وزير الدفاع الاسرائيلي قال انه سوف يخلي مستوطنات وهذا غير حقيقي ويجب ان تكون كل الحقائق امامنا واؤكد ان عرفات لم يكن في مقدوره ان يقبل ما كان معروضا عليه في كامب ديفيد، وعرفات لم يعرض عليه شيء في عام 1948 ضاع 48 في المئة من مساحة فلسطين وفي عام 1967 تمكنت اسرائيل من امتلاك الباقي لكنها لم تحصل على شرعية بضمه إليها وباقي 22 في المئة من الضفة وغزة. وجاءت اسرائيل في عمليات الاستيطان واخذت مساحة اخرى واصبح معروضا على عرفات 48 في المئة من مساحة الـ 22 في المئة الباقية وهو مايعادل 10 في المئة من الارض الفلسطينية وهذا غير مقبول.
واكد ان الاستيطان الاسرائيلي لم يتوقف في مشروع بوش، الذي استوجب العمليات الاستشهادية هو الاستيطان المستمر، الفلسطينيون يرون يوميا اسرائيل وهي تضم قطعة ارض جديدة من اراضيهم لذلك يسعون الى الدفاع عن بيوتهم وارضهم التي تؤخذ منهم يوميا. الفلسطينيون القوا بالحجارة ثم استخدموا السلاح ولم يفلحوا ثم قلنا من جانبنا انه لا يجوز الاعتداء على المدنيين انا ضد العنف لكن العمليات الاستشهادية جاءت نتيجة ليأس الناس. وقد كنت في زيارة الي لندن وزوجة بلير قالت ان الناس في فلسطين يحاربون باجسادهم وقامت الدنيا عليها واضطرت الى تغيير رأيها وانا اقول لإخواننا الذين يتحدثون عن المدنيين اي مدنيين تقصدون؟ فالحروب الشاملة لا فرق فيها بين مدنيين وعسكريين ولا نستطيع ان نفضل هذا عن ذلك فالحرب اصبحت حرب مجتمعات وهناك طيران وصواريخ والصورة اختلفت انا لا اريد عنفا لكني اريد وضوح ما نتحدث فيه وفي الحرب العالمية الثانية رأينا قنبلة نووية دمرت العديد من المدن اليابانية رغم ان اليابان كانت قد تقدمت بطلب للصلح وفي احوالنا انا مندهش من الذين يقولون لا داعي لضرب المدنيين وانا لا اريد ضرب مدني في أي مكان او اصابته لكن اسرائيل لم تحرص على حقوق الانسان في أي شيء ومبنى الادارة الرئيسي في مدينة الخليل قيل ان بداخله خمسة عشر فلسطينيا واصرت اسرائيل على تدميره لان علاقتها بالسلطة الفلسطينية منقطعة ولا داعي لوجود المبنى فأين مراعاة حق المدنيين. وهناك مثال حي آخر فالاميركان دمروا شبكات المياه والمجاري والمدارس في العراق الم يكن ذلك ضد المدنيين ان الحرب الحديثة ضد مجتمعات فكيف تقول ذلك وفي نفس الوقت تعترض على رجل يصد الهجوم بجسده.
ناصر وعرفات وقال هيكل انا حريص على الرئيس عرفات وهو يشهد بذلك انا حريص على اسطورة المقاومة الموجودة فيه لانها مهمة وانا شخصيا راهنت عليه عام 1967 ففي سبتمبر عام 1967 كان هناك وقف لاطلاق النار في الجبهات المصرية وكان هناك احساس باعادة بناء الجيش المصري وكان لدى جمال عبدالناصر يقين بأن مصر ستستعيد سيناء لكن قلقه على الضفة الغربية وغزة والقدس كان واضحا لذلك لابد ان تكون فلسطين قوية دائما بشعبها ونحن في مصر دعونا الى اقامة دولة فلسطينية وقدمنا مشروعا بذلك ففي عام 1964 طالبنا في احد المؤتمرات باقامة كيان فلسطيني مستقل تمهيدا لقيام الدولة الفلسطينية وهذا الكيان الفلسطيني كان يضم منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية، وجاء ياسر عرفات الى مصر قبل عام 1967 وطلب ان تعترف مصر به وتساعده فرفضت كل الاجهزة المصرية. وكل التقارير الخاصة به امام الرئيس جمال عبدالناصر اكدت انه من الاخوان المسلمين وهذا ما اخبرني به عبدالناصر وجاءني عرفات ومعه ابو اياد وخالد الحسن واخذتهم في سيارتي وتوجهنا الى منزل الرئيس عبدالناصر في منشية البكري ولم يكن يحلم عرفات ومن معه بمقابلة الرئيس وحلمهم الكبير هو مقابلة شخص من الادارة المصرية لكني اخذتهم وقابلوا الرئيس. وكان عبدالناصر واضحا وقال لهم كل اجهزة الدولة قالت لا وهيكل قال لي انه مطمئن وطلباتي محددة. اريد رصاصة واحدة تنطلق كل يوم في الاراضي المحتلة واريد تعبئة الشعب الفلسطيني لانكم اذا شغلتم اسرائيل بالمقاومة فهذا جيد لاننا في حاجة الى وقت لدخول المعركة. وفي عام 1968 عندما ذهبنا للاتحاد السوفيتي كانت هناك بالفعل رصاصة تطلق يوميا من المقاومة الفلسطينية على الاراضي المحتلة واقترحت على عبدالناصر ان نأخذ معنا عرفات الى موسكو ونقنعهم هناك بمساعدة حركة التحرير الوطنية وجاء معنا عرفات بجواز سفر مصري واسمه فيه عبدالفتاح ابراهيم، وعندما تحدث عبدالناصر مع السوفيت بشأن دعم عرفات قيل له لا يمكن لان هذه مغامرة ستؤدي الى حرب قبل الاوان، وعندما اقنعناهم وافق مازاران المسؤول عن مساعدة حركات التحرير على اعطاء المقاومة الفلسطينية اسلحة بنصف مليون روبل. وقال وزير الدفاع السوفيتي في ذلك الوقت ان موسكو لن تعطي المقاومة الفلسطينية هذه المساعدات مباشرة لكنهم سيأخذونها عن طريق مصر وجاء عرفات وطلب من مصر ان تعطيه اسلحة قيمتها نصف مليون روبل على ان نأخذ الاسلحة السوفيتية عندما تأتي ووافقت مصر.
ويضيف هيكل لم تنقطع صلتي بالرئيس عرفات الى ان جاءت معاهدة اوسلو وقابلته بعدها مرات وانا محرج وهو ايضا وسألته عن تعاملاته مع الاسرائيليين كمفاوض فأكد ان العسكريين في اسرائيل هم الاكثر سيطرة والبعض قال ان عرفات ندم على انه لم يوافق على ما جاء في كامب ديفيد وانا اقول ان عرفات لم يندم والدليل على ذلك انه كذب ما نشرته الصحف الاسرائيلية في هذا الصدد.
ويعود هيكل مرة اخرى الى خطاب الرئيس الاميركي الذي تضمن مشروعه الخاص بعملية السلام فقال اعتقد اننا جميعا امام ازمة فبعد مشروع بوش او رؤيته تأكدنا من انه لا يزال بلا خطة عمل ولو قرأنا مشروعه فسوف نلاحظ ذلك الرئيس بوش غير راغب في العمل في منطقة الشرق الاوسط ومصالح اميركا في المنطقة تؤمنها اسرائيل والعرب يشتكون فقط ويلجأون الى المطالبة بالشرعية الدولية والاميركان لا يستخدمون العواطف في مثل هذه الامور فعندما طلب الاميركان الارض من الهنود الحمر اعتبروا ان ما هو ضروري قانوني والمنطق الاميركي هو المنفعة واسرائيل اثبتت لاميركا انها قادرة على ضبط الامور في المنطقة بما يتوافق وتأمين المنطقة لصالح اميركا. وبوش عندما قال للعرب في البداية انه يلاحظ لم استهن بهذا الكلام لان كل من سبقوه كانت لديهم خطة ومنهم كلينتون الذي بذل مجهودا لتحقيق حلم السلام في العالم وايزنهاور قال انه كان يتمنى ان يكون صانع سلام في الارض المقدسة لا صانع حرب وبوش اكد في البداية ان مشكلة الشرق الاوسط غير قابلة للحل لذلك كان خطابه تفويضا لاسرائيل. والعالم العربي حاليا امام ازمة شنيعة لان الرجل الذي طلبوا منه التدخل خرج عليهم بورقة اعطاها لكل العرب وجاك شيراك قال انه لو طلب من شارون ان يكتب هذا المشروع لم يكن يكتبه افضل من ذلك وشارون دعا رئيس حركة الاستيطان ان يحضر اليه للاستماع الى خطاب بوش معه وحضر الرجل وطبقا لتقرير هاآرتس حاول شارون اخفاء لمعة في عينيه تؤكد اعجابه بالمشروع.
ولقد شعرنا بالخوف من العمليات الاستشهادية وخاف البعض من الغضبة الاميركية لذلك نسينا اشياء كثيرة في ظل تهديد اميركا لبعض الزعماء العرب مهانة.
الاعلام العربي يواجه فشلا شاملا
وينتقل هيكل بعد ذلك للحديث عن الاعلام العربي، فيبدأ بمؤتمر وزراء الاعلام العرب الذي عقد مؤخرا في القاهرة ليؤكد ان هذا المؤتمر مهانة لأي مفكر لديه ذرة فهم لموضوع الاعلام. ويضيف هيكل انا ازعم ان الاعلام مهنتي لذلك اؤكد ان اي اعلام حقيقي لا يحتاج الى مال لكنه بحاجة الى فهم حقيقي، فلا يصنع قوة الا ماهو قوي، الاعلام يحتاج الى كلام حقيقي يمثل خبراً بمعنى اننا من الممكن ان نشتري صفحات في الصحف العالمية لكن هذا سيظل امام الناس اعلانا مدفوعا ولن تزيفه الصحف لقرائها كمعلومات ونحن لم نتوقف فقط عند النقطة التي لا تجعلنا اقوياء ولكننا توقفنا ايضا عن صناعة الاخبار ففي القاهرة 800 مراسل اجنبي وفي بيروت 400 مراسل لماذا لا نقابل هؤلاء الصحفيين الاجانب ونعطيهم اخبارا حقيقية؟
ان نشر اخبار رؤسائنا والثناء عليهم ونشر صورهم لا يقنع احدا ولا يصنع اخبارا والعالم الخارجي لن يهتم بآرائنا الا اذا سبقتها اخبار حقيقية.
ويتذكر هيكل لقاء له مع الرئيس السادات في صباح الخامس من سبتمبر عام 1973 فيقول طلبني الرئيس السادات فذهبت اليه في برج العرب وطلب من حراسه الانصراف وقاد السيارة بنفسه الى كينج مريوط وقال لي·عندي خبر سوف يرعبك فسألته عن الخبر فقال: قررت الحرب فقلت له هايل وجلسنا في حديقة استراحته في كينج مريوط وقال لي لا دخل لك بالمعركة لكني اريد ان اتحدث معك فيما هو اعلامي فقلت له لو سألتني عن خطة اعلام فسأقول لك لا تفكر فيها اريد فقط بيانات تمثل ماهو جار على الجبهة وماهو حقيقي. وارسل لي السادات اشرف غربال الذي جاءني بأول بيان وكان اهم شيء عندنا هو ان نقول كل ماهو حقيقي للمراسلين لكن ما يجري حاليا لا ينتج اعلاما، اسرائيل هي صانعة الاخبار ونهتم بمراسليها.
وقال هيكل ان تعبئة الشعب الفلسطيني تفككت ومافعله بوش هو انه قوى اسرائيل وهذه هي الازمة التي نقبل عليها حاليا فالذي يدير ازمة الشرق الاوسط ويضبط انفعالاتها حاليا هي اسرائيل. اقول ذلك وانا حزين، اسرائيل طائحة في كل المدن الفلسطينية وكل مافعلته فلسطين انها حددت اقامة الشيخ احمد ياسين الذي قام بدوره برفض تحديد الاقامة واكد ان السلطة الفلسطينية لم تثبت فقط عجزها وفسادها لكن كارثة الثورة الفلسطينية انها جاءت مع ثروة البترودولار.
ويضيف نحن نعرف ان الدخل القومي لكل الدول العربية لا يزيد على دخل اسبانيا. والثورة الفلسطينية غنية قدمنا نحن لها سلاحا وفكرا وقدمت لها سوريا والعراق نفس الشيء واخواننا في الخليج اعطوا الثورة مالا كثيرا ونتيجة لذلك لعبت الفلوس دورا كبيرا في الثورة الفلسطينية لكن عندما يأتي الاميركان ويطلبون تغيير عرفات فهذا حق يراد به باطل· وقال كنت عائدا من الخارج ووجدت في الدرجة الاولى بالطائرة الفلسطينيين قد شغلوا كل المقاعد وكلهم من صغار الموظفين والثورة الفلسطينية دخلتها عناصر لا داعي لوجودها.
ويضيف هيكل انه لا يوجد بلد عربي واحد لديه فكر خاص لمساعدة الفلسطينيين، نحن خسرنا الاعلام لاننا خسرنا القوة وخسرنا الحقيقة وخسرنا الخطة، ونتيجة لذلك· لم تكن المؤسسة الأميركية ظالمة لنا بقدر ظلمنا لأنفسنا، بالأمس كلمني عزمي بشارة النائب العربي في الكنيست الاسرائيلي وقال لي ما العمل؟ فقلت له أنا أسألك أنت لانك في قلب الاحداث؟ فرد قائلا الصورة الآن خراب كامل لذلك أؤكد اننا في حاجة الى خطة طوارئ. ولن نطلب فيها المستحيل، وينبغي ان نحرص على حماية المدنيين في فلسطين ولابد من وجود مراقبين دوليين تابعين للأمم المتحدة لحماية هؤلاء المدنيين الذين يشعرون بالخوف والقلق، فأي جندي اسرائيلي يحاول التجريب على هدف متحرك لايرى مانعا من ان يجرب على رجل فلسطيني فيقتله. الامن القومي المصري وطالب هيكل الدول العربية الكبرى والمؤثرة بالتدخل في الوقت الحالي لحماية الشعب الفلسطيني، لأن الفترة القادمة سيكون فيها الحديث عن عزل عرفات كثيرا، واؤكد انه لن يحدث شيء مؤثر اذا بقى عرفات في السلطة، أقول ذلك وقلبي مجروح لكنها الحقيقة، وقال: علينا تحديد تعريف الأمن القومي المصري، حتى نستطيع تحديد مصالحنا الحيوية ومصادر تهديدها، مصالحنا في مياه النيل وهى المورد الحقيقي للحياة على هذه الأرض، وهذه الجبهة ليست عليها تهديدات، والعمل السياسي يستطيع أن يؤمنها، إذن مصالحي في وسط إفريقيا والسودان لا خطر عليها·· والخمسة والخمسون مليار متر مكعب من الحياه القادمة الينا كل عام ليست في خطر وفي الجهة الغربية نجد ليبيا، ولا خطر علينا فيها، ثم نأتي للشرق لنجد البحر الأحمر والسعودية، ولا توجد تهديدات من هذه الجهة أيضا، أما البحر الأبيض فلم نغز منه، وكل من حاول غزونا منه لم يفلح مثل الرومان والإغريق حتى العدوان الثلاثي توقف عند بورسعيد، لكن الخطر الحقيقي قادم من الشرق، لأن الجبهة التي تأتي منها كل المقومات، فمن الشرق اتى الاسلام وجاءت المسيحية واللغة العربية، وكل الامتيازات نجدها في هذه المنطقة، واسرائيل قامت في تلك المنطقة لتغلق طريق مصر الى الشرق، لذلك فان فلسطين تهمنا، ومن حقي ان امنع عرفات من التسليم لأن فلسطين هي طريق مصر النشط في الشرق الاوسط، هذه هي مطالب أمني ومصالحي وحقائقي الحضارية الكبرى، وهل هناك حضارة تفوق حضارة اللغة والأديان.
واضاف: كيسنجر قال لي· مصالحنا في أمن إسرائيل ثم في البترول، وقال لي: أرجو أن تحدثني عن مصر وحدها بعيدا عن الدول العربية، ولا تقل لي التاريخ، حدثني عن هذه اللحظة، فقلت له أنت أستاذ في السياسة ونحن نعيش على خمسة ملايين من الأفدنة قبل السد العالي وأصبحت ستة ملايين ونصف المليون بعد السد، ومصر جزء من الأمة العربية ولا استطيع أن أحدثك عن مصر وحدها، ان حصر مصر في الوادي فقط وتحويلها الى بلد زراعي مطلب مستمر، واعتقد ما يجري في فلسطين ليس بعيدا عن الشأن المصري وفلسطين هي المعبر المصري الى الشرق، وأنا لا استطيع ان اغلق هذا الجسر حتى لو اراد ياسر عرفات، لأن المصلحة المصرية البحتة تقتضي وجوده.