هيدجر: الشعر راعي الوجود وحامي بيته

اللغة جوهر شعري للكينونة

يذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر (1889-1976) إلى اعتبار اللغة جهاز تراسُلٍ بيننا وبين جوهر الإنسان وذلك من جهة "أنّ هذا الجوهر يمثّل كائنًا عاقلاً، أي هو وحدةٌ تتكوّن من جسدٍ وروحٍ وعقلٍ".

وعليه، فإنّ في ارتقاء الأدبيّ إلى مصاف المنطقيّ، وفي انزياح الفكريِّ إلى حيّز الأدبيّ، ينصهر الأدب والفكر معًا في فعالية بشريّة واحدة وجد فيها هذا الفيلسوف، خاصةً في دروسه التي أنجز حول قصائد الشاعر الإنكليزي هولدرلين (1770 - 1843)، سبيلاً إلى بحث حضور الكينونة في الشعر.

يتجاوز هيدغر مفهومَ اللغةِ السائدَ الذي يقول إنها جهازٌ بشريٌّ يتكوّن من ثلاث بنيات هي البنية الصوتيّة التي لها رموز شكليّة محدَّدةٌ، والبنية الإيقاعيّة النغميّة، والبنية المعنويّة، وإنّ حقيقةَ ملفوظاتها تُقاسُ بمدى تطابق الشيءِ مع موضوعِ حُكمِه، إلى النظر إليها من جهة كونها كائنا حيًّا يحكم طبيعةَ علاقتِنا بالأشياء ويمكّننا من بلوغ جوهرها.

وبذلك يتوجّب علينا، وفقَ ما يؤكّده هذا الفيلسوف، أن "نرى في بنية اللغة الصوتيّة جسدَ اللفظةِ، وفي بنيتها النّغمية الإيقاعيّة روحَها وفي قيمتها الدَّلاليّة عقلَها".

ويبدو أنّ عودة هيدغر إلى دراسة اللغة، باعتبارها فعاليةً بشريّةً مسؤولةً عن تكشُّف حقيقة الإنسان، كانت بسبب نُموِّ فلسفة الاستهلاك وتزايدِ رغبة الناس في تكديس البضائع والأموال والأرصدة والاحتياطيات خلال خمسينات القرن الماضي، وهو ما جعل الإنسان يتحوّل إلى مستهلِك لمنتوجاته ومستهلَكٍ في نفس الوقت من قِبَل تنامي حاجاتِه، ودفع اللغة إلى الجريان في خضمّ التطوّر التقني الحسابيّ وما فُرِض عليها فيه من تغاضٍ عن دورها في تصنيع المعنى الشعري لساكنات هذه الأرضِ، وبذلك صارت "الكينونة، بوصفها عنصرا من عناصر التفكير، مهجورة بفعل التأويل التقني للفكر".

ومن هنا كان تأكيد هيدغر ضرورة تجاوز وظيفة اللغة الإشاريّة التقنية الباهتة إلى وظيفة تعيين الأشياء وإيجادها من جهة كون اللغة الشعريّة هي القول الأهمّ والمناسب لاستحضار الكينونة في حقيقتها. ولا يتحقّق هذا التجاوز إلاّ متى تمّ "تحرير اللغة من ارتباطاتها النحويّة عبر تمكين عناصرها من تمفصلاتها الأصليّة، وهو أمر موكول إلى الفكر والشعر".

لأنّ الكلمة، وهي تتخلّق لدى الشاعر في شكل برقٍ خاطفٍ، تستدعي الكينونة وتنير حضورها وتصنع معناها الأصيل، كما تُنير عتمات "الأنا" الإنساني عبر تحريره من مألوف ارتباطاته اليومية، والانفتاح به على علائق جديدة صافية مع الكائنات في إطار ما تُبيحه التجربة الشعريّة من قدرة على بلوغ الجوهر في كلّ شيء.

فاللغة، في معناها الذي يؤسّس له هيدغر، هي الجوهر الشعري للكينونة. وهي بهذا المظهر، تمثّل الحقل الذي يتساوى فيه كلّ ما هو شعريّ مع كلّ ما هو فلسفيّ، فلا يعود الفكر مجرّد نشاط عقليّ ولا يُنظر إلى الشعر على كونه نشاطًا تخييليًّا واهِمًا.

وفي إطار هذه المقاربة، يؤكّد هيدغر أنّ "الإنسان ليس كائنا حيّا يمتلك، بالإضافة إلى قدراته الأخرى، قدرة اللغة. بل إنّ اللغة هي بيته الذي يسكن فيه ويحقّق داخله كينونته"، لا بل إنّ "اللغة هي بيت الكينونة، في حِماها يسكن الإنسان. والمفكرون والشعراء هم مَنْ يتكفّلون بالسهر على هذا الملاذ، سعيًا منهم إلى استحضار الكينونة وتكشُّفها في منجزات القول".

ولعلّ هذا ما يميّز لغة الشعر عن الميتافيزيقا، ذلك أنّ "في هذه اللغة يحدث فعل التسامي، وهو تحوّل محمولات اللغةِ من مجال الشيئيّة إلى مجال الحضور الواعي، ومن حيّز الموضوع إلى فضاء الموضوعيّة، وفي أثناء هذا التحوّل يتم استدعاء حقيقة الكينونات، وهو ما لا تستطيعه الميتافيزيقا"، ومن ثمة نُلفي وجاهةً لتكرار هيدغر عبارةَ "إنّ الشاعر هو راعي الوجود وحامي بيته".

وفي هذا السياق، ينحو هيدغر إلى التعويل على وساطة اللغة الشعريّة في استحضار العالَم، لأنّ اللغة هي المُحدّدة لكيفيات مقاربة حقيقة الكينونة. ذلك أنّ الشاعر، في فكر هيدغر، كائن إلهيّ؛ في كلماته تولد اللغة ولادةً تُمكّن من قول حقيقة الكينونة، وفي ألفاظه تقترب اللغة من كينونته.

ولا يتطلّب السكن الشعريّ في اللغة أيّ خصوصيّة فكريّة، بل يفترض فقط القدرة على إعادة خطى الإنسان إلى حيث كان يعيش، إلى ماضيه الإلهي السعيد، أي إلى حقيقته الأصيلة. ذلك أنّ اللغة حين تستدعي محمولاتها شعريًّا، لا توظّفها جماليا فقط، وإنما هي تكشف عنها نِقابَها وتُصفّيها من شوائب علائقها القديمة وتُضيئُها من عتماتها وتمنحها أبعادًا من التواجد جديدةً تُستدعي فيها الأشياء وتحضر بجميع فتنتها.

والظاهر أنّ أغلب شعرائنا العرب تمثّلوا آراء هيدغر في الشعر والكينونة تمثّلا نلفي له صدى في حواراتهم ومقالاتهم، ما ساهم في حفزهم للاشتغال على اللغة وتحريرها من قوالبها الموروثة. إذ لا نعدم في القصيدة العربية الحديثة رغبتها في تفجير بنية الاستعارة، وجرأتها في تصنيع اشتقاقات لغويّة ذات محامل رمزيّة جديدة لا تهتمّ فقط بإشعارنا بأن الكون حاضر في النصّ وإنما تحيلنا إلى معان للكون جديدة ذات ملامح تخييلية لم تألفها ذائقتنا القرائية العربية.

وما يشار إليه في هذا الشأن، هو أنّ هيدغر، وهو يقرأ نصوص هولدرلين الشعرية، لم يأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الاجتماعية والحضارية التي تنصبّ على الشاعر انصبابا فيه تقييد لمخياله الشعريّ من خلال ما تفرضه عليه وظيفته الإبداعية من انخراط في قضايا محلية وقومية تنتدبه جماعته الاجتماعية للخوض فيها باسمها.

وهذا ما يحشر لغة الشاعر في خانة سجلّ قولي واحد ومكرّر. وهي حال القصيدة العربية الحديثة التي أثقلها أصحابها باللَّطْم القوميّ والتاريخيّ حتى باتت باهتة اللغة مألوفة المعنى. وقد نستثني من هذه الحال قصائد درويش الأخيرة التي عانقت فيها لغته أبعادها الإنسانية.