هيا.. إطلقوا سراح تلاميذ العراق من السجون!

أبناؤنا – فلذة أكبادنا، يقبعون في السجون...!
مَنْ يصدق ذلك؟
أبناؤنا - فلذة أكبادنا، منسيون بعيدا عن عيون الأهل يا خسارة...!
بعض طلبة مدارس المتوسطة والإعدادية، الذين غادروا قاعة الدرس وطريق العلم، رغما عنهم وعن إرادة ذويهم ورفقتهم ومدراء مدارسهم والمعلمين والمجتمع، هاهم ينامون وراء القضبان، وكأنهم ليسوا صغارا، وكأنهم ليسوا مستحقين للولاية عليهم في التصرفات والسلوكيات...! هيا.. إطلقوا سراحهم ولا تُحمّلوهم قبل أوان أعمارهم الخطايا المزيفة، فهم ضحايا – ضحايا.
إنَّهم سجناء طلبة، وبسطاء صادقون مرميون خارج مساحة الحضور في مدرسة الوطن، وصغار محرومون هكذا بكل بساطة من توجيهات المحبّين والعائلة والأيادي البيض، التي تحنو عليهم، بالإشارة الهادية والكلمة الطيبة والحركة النبيلة.
فهم اليوم فتية مصابون بالحيرة والعتب والأسئلة، التي تدين الجميع دون استثناء، وتوجّه أصابع الإدانة، لكل مَنْ له الحول والقوة، الذي كفّ عن تخليصهم ممَّا هم عليه، وتشاغل عن إنقاذهم أشهرا وسنوات، من ظلم الدنيا والجائرين، بمسائل أخرى ليس فيها خير ولا بركة.
تذكرت قول مظلوم : سأدعو ربّيَ كي يهبَ لظالمي ظلمي...!
فلقد تراخى الجميع، الحكومة والوزارات المعنية ورجال الدولة ورواد السياسة وعلماء الدين والجهد الإعلامي،عن تفعيل دورهم الإنساني في هذا الجانب، وأخفقت المنظمات والجهات التي تدعي انتسابها إلى المجتمع المدني وحقوق الإنسان، مما أسهم في تطويل معاناة أناس قُصّر، لم يبلغوا سنَّ الرشد بعدُ، ولقوات الاحتلال الأمريكي الدور الأول في إمضاء مثل هذه الحالات السلبية، التي تخدم مسيرتهم الاحتلالية، بعيدا عن ضوابط المسئولية الأخلاقية.
أبناؤنا – فلذة أكبادنا، مع شديد الأسف هاهم محشورون في زنازين ضيقة، تكبس عليهم شهقات الأنفاس الخائرة بالتلوي والضياع والعزلة والتعذيب، أبناء منكسرون وضحايا يؤكدون عمق الجراح، التي اشرأبت بها حياة العراقيين، مُذْ ادلهمَّت سماء العراق بالاحتلال الأمريكي الأسود.
لقد فرضت ظروف الاحتلال على العراقيين، العيش في دوامة الطوفان، والاهتزاز تحت شتى أنواع الفجائع، والتأرجح المستمر في خضم المأساة اليومية، وحتّمت عليهم أن يكونوا أمام الأزمات المفاجئة، التي تلامس خبزهم اليومي ودفاتر أطفالهم وعكازات شيوخهم، وأحلامهم في المستقبل.
فمن التحارب والبغضاء والصراع الطائفي والتهجير والقتل، إلى الأمراض المتنوعة فالكوليرا، والفساد الذي شق عنان الجيوب والخزائن، وصولا إلى كلّ شيء قبيح، شهده العراقيون من إنجازات الاحتلال، هاهو التاريخ المعاصر يدون في صفحة أخرى مخزية، صورة سجن الأحداث في منطقة "الطوبجي" في بغداد.
لقد أثبتت معطيات السلوك العشوائي، بأنَّ الجيش الأمريكي، جيش منفوخ بالأشياء السطحية، ولا يمتلك حسّ التعاملات الإنسانية أو الأخلاقية، ليأذن هكذا يكل صفاقة القرار والشعور، بشحط من مرَّت إرهاصات السياسات العنصرية الخاطئة إلى جوارهم، لتعمل فيهم تغييبا وتعذيبا وانتهاكا، وهؤلاء يتمثلون بشريحة طبيعية مهمة من شريحة الجيل العراقي المُعدّ للمستقبل، فلذة أكبادنا، الذين يفترض أن يكونوا مشمولين بحصانة الترتيبات الأمنية، وبتأمين الحاجات المعنوية، التي لا تمسُّ مشاعرهم وعزتهم وأنفتهم، بأي شكل من الأشكال ومهما كانت الأسباب.
إنِّ تحصين الجيل من سيئات الاحتلال ومن آثاره الشاذة، التي مع الأسف قد انعكست عبر سلوكيات البعض من شبابنا، يُعدُّ عملاً مطلوبا وواجبا لازما على كلّ العراقيين، ومن أول هذه، ينبغي الوقوف إلى جانب أبنائنا العاجزين، والعمل على تخليص الأحداث المسجونين ظلما وبغير حقّ، ليعودوا إلى مقاعد الدراسة والقلم، بعيدا عن تشوهات الرصاص الأعمى، الذي حاول المحتل نشره بين العراقيين، ليطعنوا أنفسهم بأيديهم، ويدقوا بين فصيلة دمهم المتوحد، إسفينا من التباعد والتطاحن والصراعات الداخلية الحارقة للجميع.
فأبناؤنا – فلذة أكبادنا، أكل لحم أجسادهم الأسيّد والبرص والتدرُّن، وهذا لا يليق بالسياسيين الجدد، الذين يدَّعون كونهم كبارا ومؤتمنين، ويسعون نحو خير العباد، فهؤلاء ضحايا ينتظرون الفرج، وأحوالهم المشينة على أعيننا، توخز فينا وتلسع ضمائرنا، ولا بُدَّ من التحرك العاجل لنجدتهم، وإخراجهم من شؤم الأقفاص الظالمة، إلى نور الله الفسيح في العلم والمعرفة ومواصلة الحياة، وإلاّ فالجميع مشارك في الظلم، وربَّما سيدعو المظلوم ربَّه كي يهبَ الظالم مثل ظلمهم...!
د. فهمي الفهداوي
مدير مركز الحكم الصالح للدراسات الإستراتيجية