هيئة الاثار 'تسرق' مفتاح مقبرة الفرعون سيتي

بقلم: عبد المنعم عبد العظيم
حواس ينسب الفضل الى غير أهله في الاقصر

هنا لا تستطيع إلا أن تسجد في محراب التاريخ حيث مدينة الذهب والطلاسم، مدينة الملوك والموت والبعث، حيث الفناء برهبته والصمت بوحشته والعالم الآخر بغموضه في أشهر قرية في العالم بل في التاريخ: متحف الخلود "القرنة".

من على البعد، تكاد تسمع أصوات الموسيقى المقدسة تصدح.

هنا فوق كل شبر قصة ربما يمتد عمرها في أغوار الزمن آلاف السنين وفي كل ناحية حكاية.

هنا وهنا فقط، تستطيع أن تشاهد فراعنة مصر أحياء يتحركون ويعملون ويمارسون مهنهم التاريخية التي توارثوها جيلا بعد جيل بعد ان خبروا أسرارها في مدرسة الفطرة.

هنا يعيش الناس على التاريخ والتراث ومصدر رزقهم أيضا من التاريخ.

يجذبني عبق الماضي التليد الى القرنة. كان بودي ان أبدأ من قرية القرنة الجديدة، التحفة المعمارية لشيخ المهندسين المصريين حسن فتحي في مشروعة الحضاري عمارة الفقراء التي صارت مثلا معماريا يحتذى، ولكنها الآن ركام من العلب الإسمنتية.. تراث يتبدد وليتهم يحافظون على البقية المتبقية منه.

وعلى الطريق المزدان بأوراق وزهور البردي والنخيل والخضرة التي تتضاءل كلما اقتربنا من قرية القرنة القديمة في أحضان الجبل الشامخ والتي استطاع الدكتور سمير فرج رئيس المجلس الاعلى للاقصر تهجير أهلها الى قرية حديثة بعد أن عاشوا دهورا فوق رفات الأجداد يمارسون النبش في أسرار الماضي.

ندلف الى فندق المرسم، ذلك البناء الريفي المتواضع الذي بناة الشيخ على عبد الرسول.. الرجل الذي عاش يحلم بكشف سرداب مقبرة الملك سيتي وحمل مفتاحها يطرق به على أبواب الروتين والتعقيدات الإدارية وظل صامدا أمام الباب الملكي حتى مات كمدا بعد ان سلم مفتاح الكنز لابنه الوحيد سيد عبد الرسول الذي حمله على كاهله الواهن فحمل أمانة تنوء بحملها أحجار المعابد الضخمة.

في فندق المرسم الذي كان ملتقى فناني مصر والذي كان يستقبل الراغبين في الدراسات العليا في مدرسة الفطرة وكنوز الفن المصري الأصيل والعريق والطبيعة الخلابة منذ أنشئ عام 1945 حتى اغلق أبوابه أمام فناني مصر عام 1967، كان لقائي مع سيد عبد الرسول ابن ذلك الفرعون الشامخ على عبد الرسول حامل مفتاح الكنز واحد اثنين كانت قضيتهما الأثرية ملء الأسماع.
استلبوا الغرسون اليوناني السكندري الذي كان مجنونا بالبحث عن مقبرة الاسكندر الأكبر بالاسكندرية، وعلي عبد الرسول الذي ظل يحلم بتحقيق أول كشف أثرى على يد مصري وعلى نفقته.

ذلك الكنز الذي هداه اليه والده محمد عبد الرسول الذي عمل مقاولا للحفر في هذه المقبرة التي اكتشفها المغامر الايطالي باتيستا جوفياني بلزوني الذي جاء للبحث عن منابع النيل وشدته مقابر وادي الملوك بالأقصر وظل يمارس مغامراته في الجبل الذي كان نهبا للمغامرين والأفاقين ولصوص الآثار واستطاع أن يعيد حفر مقبرة الملك سيتي الأول بمساعدة الشيخ محمد عبد الرسول.
وأثناء الحفر عندما كان العمال ينقلون الحجارة من السرداب الداخلي، لفت نظر الشيخ محمد عبد الرسول درجات السلم التي تؤدى الى داخل مجرى عرف بحكم خبرته الأثرية في المقابر انها باب الدخول الى حجرة الكنز الملكي، وأدرك انه توصل الى سر الكنز فأعاد وعماله ردم السرداب وعندما جاء بلزوني أطفئوا السراج واثاروا الغبار وأحاطوا بتابوت مرمري وسط المقبرة.
واقنع محمد عبد الرسول بلزونى ان هذا أقصى ما توصل اليه بحثهم في المقبرة فحمل بلزونى التابوت الذي باعه بعد ذلك.

وظل محمد عبدا لرسول يحتفظ بسر سرداب الكنز الملكي حتى توفاه الله ولم يفض به إلا الى نجله الشيخ علي عبد الرسول.

عقب ثورة يوليو 1952 تقدم الشيخ علي عبد الرسول بطلب الى مصلحة الآثار للتصريح له بكشف السرداب وتشكلت لجنة برئاسة الاثري أنور شكري لدراسة الطلب وتم التصريح له بالحفر.
وبدأ الحفر فعلا عام 1961، وبعد عشرين يوما من الحفر وصل الشيخ على عبد الرسول الى درجات السلم و الواجهة المبنية من الجير والجبس في السرداب ووقف أمام الباب الملكي وتأكد الاكتشاف.

وهنا صدر الأمر بإيقاف العمل وإعادة ردم السرداب بحجة أن المصلحة ليس بها مهندسين لانشغالهم بمشروع إنقاذ أثار النوبة أيامها.

وبدأت رحلة نضال الشيخ على مع مصلحة الآثار وانهكته تلال الإجراءات الروتينية والعراقيل التي وضعوها أمامه وظل يصرخ في الصحف المصرية والعالمية. وكلما زاد إصرارا زادت المصلحة تعنتا حتى لاقى ربه عام 1988 بعد أن أوصى ابنه الوحيد سيد بالاستمرار وكان عمره أيامها 16 عاما.

وكما توقع الشيخ بدوي عبد الرسول ابن عم الشيخ علي ان الكشف سيظهر بعد ان ينسى الناس قصة الشيخ علي عبد الرسول، فاجأتنا هيئة الآثار بقيام بعثة من شياب الاثريين المصريين بحفر سرداب الملك سيتي.

وأعلن فاروق حسنى وزير الثقافة كشف تمثال أوشابتي من عصر الأسرة 19 وخرطوش للملك سيتي الأول ثاني ملوك الأسرة التاسعة عشرة (1314-1304ق.م) وذلك أثناء أعمال الحفائر الأثرية التي تقوم بها البعثة المصرية داخل الممر الموجود بمقبرة سيتي الأول بوادي الملوك في البر الغربي بالأقصر.
وصرح الدكتور زاهي حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار رئيس البعثة المصرية الخميس بأن عمل البعثة هو الأول من نوعه بالبر الغربي حيث كان قاصرا على البعثات الأجنبية التي كانت مسيطرة على أعمال التنقيب الأثري داخل وادي الملوك وأوضح حواس أن أعمال التنظيف الأثري أسفرت عن اكتشاف عدد من الأواني الفخارية ونقوش كانت قد سقطت من حوائط المقبرة بعد اكتشافها.
وأضاف أن أعمال التنقيب الأثرى أوضحت أن طول الممر يصل إلى 136 مترا وليس مائة متر كما ذكر مكتشف المقبرة عالم الآثار بلزوني.
وما زالت أعمال الحفائر مستمرة داخل الممر ونقل الأتربة والرمال والأحجار الموجودة به وفحصها لمعرفة الأسرار التي يمكن أن يحتويها ممر مقبرة الملك سيتي الأول.
وأشار الدكتور زاهي حواس الى إن الأعمال الجارية بمقبرة سيتي الأول تجيء بعد الانتهاء من الدراسات العلمية التي قام بها أساتذة متخصصون في الجيولوجيا والتي أكدت أن حالة المقبرة تسمح بإزالة الأتربة والرمال.

الى هنا انتهى تصريح زاهي حواس رئيس هيئة الآثار الذي تناسى قصة الشيخ علي عبد الرسول وحكايته الطويلة مع مقبرة الملك سيتي منذ أهداه سرها والده محمد عبد الرسول وتاريخ الكشف لينسبه الى هيئة الاثار.

نفس الهيئة التي أوقفت الشيخ علي عبد الرسول عن الحفر بدعوى ان هناك اسبابا فنية تحول دون استمراره وان الكشف محتمل وغير مؤكد ويعتمد على الرواية الشفهية لا على أساس علمي كما قال لي منذ سنوات الأستاذ حشمت اديب مدير عام التوثيق الاثري بمصلحة الآثار أيامها وكنت اعد تحقيقا عن المقبرة نشرته في جريدة الأقصر.

وعندما تصورت مصلحة الاثار ان الناس نسيت حكاية الشيخ علي عبد الرسول وجهوده في كشف المقبرة، خرج المشروع من جديد لتحمل شرف اكتشافه هيئة الآثار المصرية، ورحم الله حمار الشيخ عبد الموجود الذي أهدى الدكتور حواس كشف وادي المومياوات الذهبية بالواحات.

إذا كانت ذاكرة هيئة الآثار تناست هذه الجهود، هل ذاكرة التاريخ تنسى؟

عبد المنعم عبد العظيم

الأقصر (مـصر)