'هويتنا العربية'.. الجميلة!

بقلم: جواد البشيتي

ليس لكل عبارة معنى، فهل من معنى، مثلا، لعبارة "أكلتُ ماءً مثلَّثا" على سلامتها النحوية؟!
وعلى النسق ذاته، أفهم عبارة "الهوية العربية"، وعبارة "التفريط فيها"، أي أنني أفهمهما على أنهما عبارتان لا معنى لهما على سلامتهما النحوية، ويمكن إدراجهما في الأحاجي السياسية. ونحن العرب اعتدنا أن نعزو إلى "العروبة"، أو إلى "الهوية العربية"، كل سلوك مشين، فإذا نبغ سوري أو أردني أو مصري.. في عِلْم، قُلْنا في تباهٍ وتفاخُر "إنه سوري أو أردني أو مصري.."؛ أمَّا إذا رأينا سورياً أو أردنيا أو مصريا.. يبول في الشارع فنقول "إنه عربي"، فـ "العروبة"، مع القول بالانتماء إليها، ليست بالشيء الذي يعود علينا بشيء من النفع والفائدة؛ وقد نجح عدونا القومي، أي الولايات المتحدة وإسرائيل على وجه الخصوص، في أن يُظْهِر لنا الانتماء القومي العربي، بدءاً من الهزيمة القومية العربية العظمى سنة 1967، على أنه مَجْلَبة للكوارث والشرور، فشرعنا نبحث عن "الهوية" و"الحماية" في كل انتماء دون الانتماء القومي، وكأن شعار الخلاص "اللَّهُمَّ نفسي"!
حتى "العربي العراقي" لم يظل عربيا عراقيا، فبعضه ارتد إلى "الشيعية"، وبعضه ارتد إلى "السنية"، وكأن حياة جديدة تُكتب له إذا ما عاد في انتمائه إلى كل ما مات، أو إلى كل ما كان ينبغي له أن يموت.. وكأن حُكم الأموات للأحياء هو "الحُكم الرشيد"، وهدف "الإصلاح السياسي والديمقراطي" الذي يريد عدونا القومي إسباغ نعمته علينا!
لمصلحة مَنْ، وضد مَنْ، ندعو إلى "الهوية العربية"، وإلى الاستمساك بها، والامتناع عن التفريط فيها؟ ولماذا "الآن" ندعو إلى "أندلسٍ" مع ما تعنيه كلمة "الآن" سياسيا واستراتجيا؟ في العراق، لم نَقُل ونفعل إلا كل ما عاد بالنفع والفائدة على كل ما بذله العدو القومي من جهد ومسعى لجعل هذا التمزق (الشيعي والسني) للهوية القومية لعرب العراق يتخطى نقطة اللاعودة. هنا، أي في العراق، لم نفهم "هويتنا العربية" على أنها دعوة لنا إلى إنشاء وتطوير ودعم مقاومة قومية لعرب العراق، لا مكان فيها لانتماء دون الانتماء القومي (الديمقراطي) العربي، ولا هدف لها سوى تحرير العراق من الولايات المتحدة (وإسرائيل).
نحن لم نفهم "هويتنا العربية" على أنها من هذا الجنس حتى في الموضع الذي يمكنها وينبغي لها أن تتركَّز فيه وهو فلسطين، فتركنا شعبها يُذبح على مرأى ومسمع من كل منافح عن "الهوية العربية"، ولم نجرؤ على التحدُّث عن "الهوية العربية"، وعن مخاطر "التفريط فيها"، في ذاك السياق.. سياق الذبح الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، ولـ "الهوية العربية" أيضا، وكأنَّ فلسطين ليست هي المقام الصالح لـ "المقال القومي"!
أما في لبنان، الذي تحدانا على أن نقول له، ومن أجله، وضد إسرائيل، إننا ندعو إلى إحياء "الهوية العربية"، وجعلها جيشا يقاتل العدو القومي، فلم نفعل إلا ما فعله ذاك المنجِّم إذ تنبأ باغتيال زعيم سياسي شهير فاغتيل، ليتأكَّد، بعد ذلك، أن المنجِّم ألبس "عِلْمه اليقيني" لبوس التنجيم!
حسن نصر الله أعلن أنه لو كان يعلم (أو يتوقع) أن أسر الجنديين الإسرائيليين سيعود على لبنان بهذا الحجم الهائل من الموت والدمار لما أمر بأسرهما؛ ولكن "المنجِّم العربي" كان يعلم، فألبس علمه لبوس "التنبؤ" إذ قال: "إنها مغامرة غير محسوبة العواقب"!
في لبنان، رأيْنا انتصارا، أو بداية انتصار، على العراق الذي جعلوه أسفل سافلين، فـ "الهوية العربية الحقيقية" ظهرت وبرزت في انتصارات بنت جبيل وعيتا الشعب.. ومع ظهورها وبروزها شرعت تعود إلى قبورها كل عصبية دون "العصبية القومية العربية". رأيْنا "الهوية العربية" التي عنها يتحدثون تطلب رجالا على مثالها، فإذا بهم، وعلى جاري عادتهم، يُظْهِرون حنيناً إلى الأندلس مع كل تهويد للقدس!
لا أريد لإيران أن تكون فارسية وشيعية في العراق، وفي جنوبه على وجه الخصوص. أريد لها أن تؤسِّس لعلاقة مع الشيعة من عرب العراق مثل العلاقة التي أسَّست لها مع الشيعة من عرب لبنان، وأريد للشيعة من عرب العراق أن يؤسِّسوا لعلاقة مع إيران مثل العلاقة التي أسِّس لها "حزب الله"، فالمقياس إنما هو الموقف من العدو الذي لا ريب فيه، ونبذ كل عصبية شيعية أو سنية. إيران في العراق هي، حتى الآن، قوة هدم للوحدة القومية لعرب العراق، وقوة منع لزج الشيعة من عرب العراق في المقاومة. ولو كان لـ "الواقعية السياسية العربية" أن تنطق؛ ولكن ليس كفرا، لنطقت قائلة: نحن مع إيران في لبنان، وفي برنامجها النووي، وضدها في العراق. أقول "ضدها في العراق"؛ ولكنني لا أقول "عدو إيران صديقي"!
"الهوية العربية" نريدها، ونريدها الآن على وجه الخصوص، ولكننا لا نريدها ضد "إيران النووية"، ولا ضد "حزب الله" والنصر الذي جاءنا به، ولا ضد كل عربي بدعوى أنه غير مسلم، أو بدعوى أنه غير سني. نريدها ضد عدونا القومي، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، وضد عدونا الديمقراطي، أي عدونا الذي لا يريد لنا أن نبتني مجتمعا ديمقراطيا. نريدها كلمة حق يراد بها حق، وليس كلمة حق يراد بها باطل! جواد البشيتي