هوراتيوس .. ورسائل من أروع ما سطره الشعراء

تهذيب النفس

تعد الرسائل العشرون التي يحتويها الكتاب الأول من رسائل الشاعر هوراتيوس بإجماع المتخصصين في الأدب اللاتيني من أروع ما سطره الشعراء الرومان، لأنها تأتي كأنموذج يفيض بالحياة لاجتهاد الأديب وإخلاصه في محاولته الواجبة للإسهام في توطيد أركان البناء الفكري لأمته، وهو الأمر الذي قام به شاعرنا خير قيام.

وفي البداية يشير كتاب "هوراتيوس الشاعر والمفكر" والذي ترجمه للعربية علي عبدالتواب علي وصلاح رمضان السيد، إلى الرسالة الأولى، قائلاً: يعد المضمون الأخلاقي في الرسالتين الأولى والثانية من هذا الكتاب هو الاهتمام الأول لشاعرنا هوراتيوس، وهذا المضمون يتركز في معنيين يريد الشاعر أن يوصلهما إلى القارئ، أولاهما: تهذيب النفس، وثانيهما: حدث الآخرين على القيام بمحاولة تهذيب النفس، ولعل الحديث من مظهره العام يبدو أنه يأتي ضمن موقف بين الشاعر ومايكيناس، راعيه وفي نفس الوقت صديقه الحميم، وهو موقف يريد فيه مايكيناس من الشاعر أن يستمر في كتابة الشعر، لكن هوراتيوس يرى أن أوان قرض الشعر قد فات.

يوجه هوراتيوس هذه الرسالة إلى صديقه الشاب فلوروس، ومنها نعرف أيضاً علاقة الصداقة التي تربط الشاعر بثلاثة من أعضاء الكتيبة المحبة للأدب، والتي اصطحبها تيبريوس عام 21 ق. م أثناء حملته على الشرق.

وتبدأ هذه الرسالة بمحاولة الشاعر معرفة بعض الأخبار عن أنشطة أعضاء هذه الكتيبة وعن تقدم هذه الحملة، ثم يستفسر من فلوروس عن هذه الصحبة التي تعشق الأدب، ويلاحظ أن الشاعر من خلال هذا الاستفسار يحاول أن يعلق بأسلوب غير مباشر على مظهرين من مظاهر النشاط الأدبي المعاصر، وهما التقليد الذي يفتقر إلى الإبداع الأصيل، وقيام الأدباء الشبان باختيار مواضيع أدبية طموحة أكثر من اللازم.

وفي الرسالة الرابعة التي تعد من الرسائل الشيقة وجه هوراتيوس، هذه الرسالة إلى آلبيوس الذي خاطبه من قبل في إحدى الغنائيات، والتي من خلالها نعرف أنه شاعر ناظم للإليجيات وربما يدفعنا هذا القول إنه الشاعر ألبيوس تيبوللوس. تتسم خلفية الرسالة بالبساطة، فهو يطلب منه أن يطلعه على كيفية قضاء وقته في الريف، ويتساءل عما يشغل به تيبوللوس نفسه: هل يؤلف عملا أدبيا جديدا وينهي الرسالة بدعوة صديقه لزيارته كي يرى كم يتمتع هو بحياته بين أصدقائه على النمط الإبتيوري.

ويذكر الكتاب أنه في هذه الرسالة التاسعة التي يوجهها هوراتيوس إلى تيبريوس كلوديوس نيرون، نجد أن محور اهتمام الشاعر في هذه الرسالة أيضاً هو الأخلاق، هذا على الرغم من أن هوراتيوس يطلب في البيت الأخير من تيبريوس أن يضم سبتيموس إلى زمرة أصدقائه.

على أية حال فالرسالة تعد خالية من السخرية، لكنها تتناول ببساطة مشكلة أخلاقية، هي المشكلة نفسها التي تناولها الشاعر في هذا الكتاب في أكثر من رسالة، أي العلاقة بين رجل ذي مكانة عظيمة وبين رجل آخر أقل منه مكانة وثراء، وقد سبق لهوراتيوس أن أعطى مثالاً على الرجل الطيب الحكيم الذي يعرف أن يصنع معروفه، وذلك في الرسالة السابعة: "يقول الرجل الحكيم إنه مستعد لإسداء المعروف لمن يستحقه".

وفي الرسالة الرابعة عشرة يبدأ هوراتيوس الرسالة بعقد مقارنة بينه وبين ناظر ضيعته، فهوراتيوس يحب الريف ويمتدحه بينما ناظر الزراعة يرغب في الإقامة في المدينة، وذلك الاختلاف أو تلك المقابلة الواضحة بينهما يذكرنا بما جاء في مطلع الرسالة العاشرة، ولكن بينما يبدو فوسكوس في الرسالة العاشرة كمحب للمدينة وغير معاد للريف، نجد ناظر الضيعة يبدو كرجل يكره الريف ويحاول الفكاك من أسر الإقامة فيه. "أيها المشرف على غاباتي وعلى مزرعتي الصغيرة، التي تعيدني إلى نفسي، بينما نفسك تعافها وتزدريها".

وقد وجه هوراتيوس الرسالة الخامسة عشرة إلى شخص يدعى فالا، وهو شخص غير معروف لنا، لكن هوراتيوس على أية حال صوره على أنه أحد الأثرياء المعاصرين له.

استهل هوراتيوس الرسالة بسلسلة من الاستفسارات، وكان أحياناً يخرج عن سياق هذه الاستفسارات ليدلي ببعض الاستفسارات.

وبدأت سلسلة الاستفسارات هذه منذ البيت الأول للرسالة، حيث يسأل عن الطقس السائد في بعض المنتجعات وأحوالها خلال فصل الشتاء.

"ما عساه أن يكون حال الشتاء في فيليا وحال الطقس في ساليزم يا فالا، وأي صنف من الناس تحوي المنطقة، وما هو حال الطريق؟"

ويتجه هوراتيوس في الرسالة الخامسة عشرة نحو التقلب، ويرغب في الاتجاه نحو الساحل وذلك من أجل حالته الصحية، محصناً نفسه بآراء إبيتوروس، أي أنه يسعى وراء المنتجعات الممتعة.

وفي الرسالة الثامنة عشرة، وهي مثل الرسالة السابعة عشر، تتناول أيضاً الصداقة، وهو الأمر الذي يدعو إلى المقارنة بينهما، فكلتاهما موجهتان إلى صديقين شابين من أصدقاء الشاعر يصغرانه في السن.

وهو من جانبه وهو صاحب الخبرة والنظرة الأعمق للحياة ينصحهما بخصوص هذه العلاقة الإنسانية، منطلقاً في البداية من علاقة الصداقة الخاصة التي تربط كل واحد منهما براعيه الذي ينتسب إلى طبقة أكابر الرومان.

وهنا أيضاً في الرسالة الثامنة عشرة يلفت انتباهنا إلى وجود علاقة صداقة راسخة تربطه بالمرسل إليه، وهو بذلك يمهد في لباقة وذكاء للنصيحة التي سوف يقدمها لصديقه، ويصدر الشاعر هذه الرسالة بالصفة الصريحة إلى أقصى حد، وهو يذكرنا بالصديق الصريح الذي عده هوراتيوس أحد ركائز حياة المرء، وذلك لأنه يعتمد عليه في قول الحقيقة، كما نقول نحن في المثل العربي السائر "صديقك من أصدقك القول لا من صدقك"، وهنا يتوقع أن يشعر لولليوس باشمئزاز وأنفة غريزية إذا ما شعر أنه سوف يقوم كصديق بدور المهرج، لقاء أن ينجح في إقامة صداقة زائفة مع أحد أكابر الرومان.

وهنا نستطيع أن نفهم قصد هوراتيوس من استخدام الكلمة Scurra:

"فكما أن الزوجة لن تستوي مع العاهرة، وعنها تختلف،

فكذا فإن الصديق سيختلف عن الطفيلي الخائن"

وقد رأينا صور العاهرة في الرسالة السابعة عشرة كصورة مضادة للصديق الحقيقي الذي يقول الحقيقة، وهنا نراها أيضاً إلى جانب الزوجة التي تمثل الصديق الصدوق، ويصف الشاعر الطفيلي أو الصديق المزيف بأنه مثل ممثل الميمبات:

"أو أنه مثل ممثل للميمبات يؤدي دوراً ثانوياً".

وقد وجه هوراتيوس الرسالة الختامية العشرين إلى كتاب الرسائلي، وقد خاطبه وكأنه عبد معتق من آل بيته، وأنه رغم تنشئته الطيبة فإنه قلق لتركه سيده وبيته، كما أنه يتجمل ليصل إلى ذروة الحسن ليدخل ككتاب إلى دنيا البائعين، وكعبد إلى دنيا العاهرات:

"إنك تبدو يا كتابي وكأنك تتطلع إلى ثر تومنوس وبانوس،

لدرجة أنك قد تباع بعد أن صرت براقاً وصقلت بحجر الصقل لدى الأخوين سوسيوس".

يذكر أن كتاب "هوراتيوس الشاعر والمفكر"، ترجمة: علي عبدالتواب علي وصلاح رمضان السيد، صدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة ويقع في نحو 358 صفحة من القطع الكبير. (خدمة وكلة الصحافة العربية)