هندسة المستقبل

بقلم: السيد نجم

"إن التنقلات النوعية التي يحدثها التقدم العلمي والتكنولوجي في قدرة الإنسان على هندسة مستقبله ليست موضوع جدال".
تلك هي الكلمات الأولى من كتاب "هندسة المستقبل للكاتب"د.أحمد شوقي" أستاذ علم الوراثة بجامعة الزقازيق والمتخصص في علوم المستقبل.
مع مشارف القرن الواحد والعشرين تجدد النظر نحو الإنسان ومستقبله في كل مناحي الحياة وان كانت العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت مخاض تلك المحاولات والرؤى.
من تلك الرؤى الحلم بالنظريات الموحدة وهو ما يسعى الى الجمع بين قوى الطبيعة أو النظر الى تطور الكائنات الحية ومجتمعاتها معا وبالتالي النظر الى تطور الوعي البشرى.
ويعد كسر الحاجز بين العلوم الطبيعية والإنسانية هو المنطلق والهدف معا.. من أجل مستقبل أفضل "للإنسان" (وهو هدف مراوغ على حد تعبير الكاتب).
والقدرة على "هندسة " المستقبل تفرد بها الإنسان عن سائر الكائنات ويتميز عن تلك الكائنات التي تقوم على "الهندسة التنفيذية أي الفطرية" مثل النحل والنمل.
ولعل أكثر الأمثلة توضيحا للقدرة الإبداعية للإنسان خلال القرن الماضي :استكشاف الفضاء والهبوط على سطح القمر اختراع نفاثات الجامبو التي تحمل أعدادا كبيرة ولمسافات طويلة دون الحاجة الى التزود بالوقود، والألياف الضوئية الدقيقة التي بشرت بثورة الاتصالات الأقمار الصناعية الموظفة للأغراض المختلفة الرقائق الدقيقة المستخدمة في شتى الأجهزة الإلكترونية والكمبيوتر استخدامات "الكمبيوتر" في التصميم والتصنيع التقدم الهائل في وسائل تشخيص الأمراض مثل الأشعة المقطعية وغيرها استخدامات أشعة الليزر منتجات الهندسة الوراثية.
ومع ذلك فهذه كلها بشائر وليست نهاية المطاف وما سبق كله أصبح من وسائل "هندسة المستقبل".
ما سبق يشير الى الدور الكبير الذي لعبه العلم والذي يمكن أن يلعبه مستقبلا في إحداث المتغيرات المختلفة في حياة الإنسان:السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهذا الدور يرشحه لمتابعة السعي من أجل مستقبل أكثر رفاهية وسعادة للإنسان. ويرى الكاتب أن "البيولوجيا" هي المرشحة للتقدم والنهوض بهذا الدور مثلما فعلت "الفيزياء" في القرن الماضي. حيث أنها أقرب الى الإنسان والعلوم الإنسانية..من خلال فك شفرة السلوك البشرى وبالتالي وضع قدرة أكبر على تربية الأجيال الجديدة.
إن الانطلاقة العلمية بشكل عام والبيولوجية بشكل خاص يجب أن تكون متصلة بدستور أخلاقي لتطبيقها وليس ما يقال عن "الاستنساخ" حاليا بالغريب(حيث قيل أن البعض استنسخ طفلة..وجارى استنساخ أعداد أخرى) وربما الالتفات الى منجزات تلك الثورة البيولوجية ومنجزتها وتطبيقاتها هي التي سوف تفرز الدول المتقدمة وغير المتقدمة بل تفرز الغنية والفقيرة مستقبلا.
وللمشاركة فى فاعليات تلك الثورة العلمية الجديدة يلزم الاهتمام بالتعليم التقليدي وتطويره الى استراتيجية قومية أرحب وأكثر جدية. مع الدعوة الى الانفتاح الثقافي دون ذوبان الخصوصية الثقافية والهوية ..أي بدون ذوبان تام أو عزلة تامة.
ولا معنى للحديث عن المستقبل دون الحديث عن التنمية ولا حديث عن التنمية دون التعرف على معوقات تلك التنمية. والمقصود هو التنمية الشاملة أي تلك التي تتصل بالإنسان في كل مناحي الحياة.
ولا يمكن إغفال بعض المشكلات (المتنوعة) التي على "هندسة المستقبل" مواجهتها والحلم بإنجاز ما لم يتم إنجازه من أحلام البشرية في القرون الفائتة. وقد أشارت إحدى المجلات المتخصصة في علوم المستقبل الى بعضها.
تعتبر مسببات التوتر الدولي: من احتمال الحرب العالمية الثالثة..بزيادة انتشار الأسلحة النووية- الإرهاب- التعرض لفقدان الهوية الثقافية .
وكذلك القلاقل الاقتصادية: من مشكلات أسواق التمويل- وسوء توزيع الثروة- والملكيات الأجنبية..قد تتسبب في هلامية إطار ومصير الاقتصاديات الوطنية.
كما أن التلوث المتزايد وتآكل طبقة الأوزون ومشكلة المخلفات الصلبة والضوضاء واتلاف المحيطات والحياة البحرية..من الظواهر الواجب مواجهتها.
ثم أن مشكلة الإدمان بكل أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية مع تناقص الموارد الطبيعية من مياه وطاقة..تعد كلها مشاكل للمواجهة الواجبة.
ثم الحرب ضد الفقر حيث تلاحظ أن سكان العالم الذين يعيشون تحت خط الفقر يتزايد بجانب المشكلات السكانية وزيادة الأعداد دون توفير ما يجب توافره للإنسان ببعض البلدان من المخاطر التي يلزم مواجهتها.
ومما سبق ومن غيرها تتجدد مشكلات صحية سواء بظهور بعض الأمراض الجديدة مثل الإيدز وارتفاع نفقات تكلفة العلاج بجانب تكلفة التطور الطبي ذاته..مشاكل مرشحة للمواجهة.
أما الانهيار الأسرى وظواهره المختلفة ومشاكل نتائجه..من طلاق إهمال الأبناء العزلة الاجتماعية..وغيرها. تعد هدفا للحل لأي اجتهاد علمي مستقبلي.
ولا يمكن الحديث عن الآمال والمستقبل دون الإشارة الى فكرة "الوعي" وقد تزايدت بالفعل عند الخاصة والعامة على نحو ما أفضل من الماضي على كل حال. وهو (الوعي) القادر على تشكيل الأجيال الجديدة القادرة على المساهمة بفاعلية واستمرارية ..من أجل هندسة أفضل لمستقبل إنسان أفضل.