هنا الطائفة... ينبغي القفز على القانون!

بين مرض الطائفية ومرض كبتها جامعا باستمرار المرضين في رقصة واحدة

في التناول المبتذل للاصطفافات الطائفية يجري القفز على الأسئلة الحقيقية، يتم تجاهل عناصر المشكلة وأسبابها بارتجال حلول جاهزة تستدعى من سياقات مختلفة تماماً. فلئن كان السياق الحاضر ما قبل حداثي، فإن الحداثة القانونية ستقدم دائما وأبدا بصفتها حلاً لكل الباثولوجيا الطائفية.

هكذا يبدو الحديث حول الطائفية شيقاً وسهلاً في الآن نفسه، بما أنه خطاب لمسلمات وبديهيات تحوم حول ثيمة «القانون» ومتسمة بميل عنفي مضمر يجد في القمع بشارة وخلاصاً، ولأن هوية الخطاب متعالية، لا تعبأ بالإشكالية بقدر ما تحوم حولها، فإنه سيرجئ الحل أو سيحيله إلى تعويذات غيبية بحيث تتم معالجة الظاهرة بتعميتها أو بتأجيلها أو بقمعها.

وفق خطاب الابتذال والتعمية والقمع، كل شيء يمكن أن يكون نافلاً عدا الضرورة التي تقتضي الشروع فورا في سن قانون لتجريم الطائفية، وهو ما سيحدث بقفزة تتجاوز المشكلة ذاتها والسياق ذاته، لا بل بالسكوت عن الطبيعة القمعية الكامنة في هذا الحل السهل والجاهز والمعلب، بتجاوز المسببات الاجتماعية، السياسية والاقتصادية والسيكولوجية، بجعلها ضمن المسكوت عنه، نحو هذا الحل العظيم.. حيث هنا رودوس، هنا الطائفة، هنا القانون... اقفز هنا!

لمواجهة هذا المرض المزعج علينا استئصاله حتى وإن جرّنا ذلك لاستئصال الإنسان نفسه، بقمعه ونفيه من كينونته الإنسانية وتشويه طبيعته وشطب كل حاجاته إلى الانتماء والهوية، لينتهي –أخيرا- إلى مجرد رقم في مصلحة الإحصاءات الوطنية.

غير أن للخطاب الابتذالي، هذا الخطاب المخصص على ما يبدو للاستهلاك الإعلامي، شهية مفرطة في الرقص البهلواني، فهو إذ يمارس تعميته يقفز من مرض إلى آخر، يأخذ الإنسان إلى «تانجو» حميم بين المرض والمرض، بين مرض الطائفية ومرض كبتها، جامعا باستمرار المرضين في رقصة واحدة. هذا «التانجو المرضي» يبينه دولوز ويفضحه في سياق شرحه لهيوم، فالإشباع المنحرف لحاجة ما لا يعني نفيها بالكامل.

هنا تهافت، ثمة حاجة إلى كشفه بالتأكيد على الطبيعة الفطرية للانتماء بصفته حاجة يتوجب إشباعها، وكل ذلك بالاستناد إلى التقابل بين الطبيعة والثقافة، فإذا كان الانتماء حاجة طبيعية، بمعنى أنها لا تستأصل إلا بتشويه كامل لإنسانية الإنسان وطبيعته، فإن الإشباع هو الثقافي الماثل بحسب هيوم ودولوز في المؤسسة التي ستتراوح بحسب اللحظة التاريخية بين الدين ومؤسسات المجتمع المدني بشتى تنويعاتها.

ليست المشكلة -وبالتالي الحل- في القانون وإنما في المؤسسة، القانون تحديد سلبي، إجراء قمعي، قيد ليس من شأنه سوى أن يحد ويحيط البيت الإنساني بالأسوار والأسيجة والمحرمات، إنه وضع ليعيق، ليضع خطوطا حمراء، أما المؤسسة فحيز و«منظومة وسائل» للإشباع. يقدم لنا دولوز عديداً من الأمثلة تساعدنا على إزاحة المشكلة أو المرض من الجنس كغريزة -مثلا- إلى الزواج كمؤسسة، وهكذا تتحرك الإشكالية من الانتماء ذاته إلى كيفية معالجته، من الطبيعة أو الحاجة إلى الثقافة أو وسيلة الإشباع، وبالتالي من القانون إلى المؤسسة ذاتها: «ليس كنه المجتمع هو القانون بل المؤسسة».

إن التأكيد على السمة الطبيعية والثابتة للانتماء من جهة، والسمة الثقافية للإشباع، للمؤسسة بصفتها فضاء متحولا وتاريخيا تؤول بنا إلى مقاربة نسبية لفضاء معلمن، تحدث قطيعة مع تصور مقدس للجماعة، فإذا كان الانتماء هو في جوهره منطق «مقايضة» يوفر للجماعة الدينية «الطائفة» وللتابع في الآن نفسه رفاهية متخيلة أو حتى حقيقية، يمنحهما وفرة من الإشباعات السيكولوجية والاجتماعية الماثلة في التماسك الداخلي والحماية من التهديد الخارجي مقابل الولاء والانتماء ذاته، فالسؤال «العمدة» يتجسد -أولا وأخيرا- في كيفية الاحتضان، في نزع الرداء المقدس للانتماء، أي بزحزحة الانتماء للطائفة نحو أشكال ثقافية أخرى تنسجم مع اللحظة التاريخية المعاشة.

مرض الانتماء بحد ذاته ليس مرضا إذن، وإنما هو شيء جوهري يتم محوه في خطاب الابتذال المتغافل عن خطر الكبت الانفجاري، الذي يضع «باثولوجيا» متساهلة تغفل السياق والبيئة واللحظة التاريخية وترجئ الحلول بالتعمية على أسباب المرض.

كل تلك الاعتبارات «ثبات الانتماء كحاجة، وتحول وسائل إشباعها» تحثنا على إعادة صياغة جديدة لباثولوجيا الانتماء، بحيث يكون المرض بالطائفة مجرد عرض أو مظهر خارجي لحقيقة مرضية أكثر فتكا، أعني تعمد الحيلولة دون بناء فضاء عمومي يشكل وحده الإمكانية لسن قانون ناجع لتجريم الطائفية، إذ لا تتراجع الطائفية إلا في سياق كلي يبدو فيه المجتمع معاصرا لطفولته، مجتمع بدائي وحديث في الآن نفسه، مجتمع ما بعد حداثي، بمعنى آخر: حين تتزامن العاطفة، عاطفة الانحياز والتكتل أو لنقل القطيع مع العقلنة بصفتها المآل الحتمي والواقعي لإجراءات العلمنة «عقلنة الوظائف العمومية بتقليص الديني ليكون شأنا خاصا».

أين تكمن أسباب الطائفية؟ كيف نواجه معضلات الانتماء؟ بالقفز على مسببات الطائفية أو بالارتماء فيها -هكذا يجيب الباثولوجي المبتذل- أن نقمع الانتماء ذاته، نقمع الاختلاف ونفرض التماثل الوطني بعملية جراحية، نفرض الوحدة الاجتماعية بقوة القانون أو بالقوة العارية.. وما عليك سوى أن تكون مهرجا لكي تفهم.

وربما يضيف اقتباسا باردويا من هيجل: «هنا الطائفة، هنا ينبغي القفز»!

نذير الماجد

كاتب سعودي