هل يُمكن الاتفاق على 'مشروع وطني فلسطيني' جامع؟

درجت العادة في المنطقة العربية على اعتبار كل لحظة نمر بها "لحظة تاريخية ومصيرية" قد يتحدد في ضوئها تاريخ جديد للمنطقة والعالم... واعتبار القادة رجال لا يمكن أن تأتي الأزمان بأمثالهم، أو يجود رحمٌ بأشباههم! يموتون أو يذهبون لمصائرهم، ويأتي غيرهم والأزمة باقية ومستعصية؛ والوضع القائم يتجه من سيء إلى أسوأ حتى بات البعض يعتبر أن الحل يتمثل بحُسن إدارة الأزمة لا بإيجاد حل لها.

وبناء على ما سبق، فإن السياسة بشكل عام لا تتصف بالثبات، ومن سماتها التحرك والتغيُّر، مما يجعل من الصعب التنبؤ، إن لم تكن هناك معلومات متوفرة يمكن تلمُّسُها، نحو مآلات الأمور غير الواضحة.

وفي العموم إن الساحة الفلسطينية تعاني من تحديات كثيرة وكبيرة في الوقت ذاته، منها: الاستيطان المستشري في الضفة الغربية والقدس، حالة الانقسام، الوضع الاقتصادي، التأثيرات المتزايدة والمتراكمة محلياً وإقليمياً ودولياً والتي تؤثر على الوضع الفلسطيني سلباً وإيجاباً... ولكن تبقى الأمور تسير وفق الأزمة ـ شئنا أم أبينا ـ إلى حين الخروج منها.

وهناك أسئلة كثيرة ومتنوعة تُطرح وينبغي الإجابة عليها من أجل الخروج من هذه الأزمة المُتَّحدِّدة بـ "المشروع الوطني الفلسطيني". هل يوجد مشروع وطني فلسطيني؟ كيف تُدار الأمور، وكيف تُتخذ القرارات؟ وما هي المآلات المتوقعة في ظل المحاولات الحثيثة للتوحد وإنهاء الانقسام؟

وإزاء أزمة "المشروع الوطني الفلسطيني" والحديث عنها لا بد من الاتفاق على توحيد المفاهيم غير الموحدة، والمراحل التي مرت بها القضية وهذا المشروع، وكيفيه رؤية الشعب والقيادات الفلسطينية لهذا المشروع، وعلى أي رؤية يمكن الاتفاق أو الاختلاف. كما لا يمكن إغفال عامل المقاومة التي استطاعت إفشال أهداف الاحتلال الإسرائيلي في حربين عدوانيتين على قطاع غزة (2008-2009) و(2012)، واللتين حصلتا في ظل الحصار الخانق على القطاع. وأيضاً انسداد مسار التسوية للقضية الفلسطينية، والتغيرات الحاصلة على صعيد المنطقة العربية...

هي أسئلة كبيرة ومعقدة، ولا يمكن الادعاء أنه توجد إجابات محددة وجاهزة يمكن الانطلاق من خلالها لحل الأزمة الموجودة... ولكن من خلال ما تقدم يمكن الانطلاق للعمل من أجل توصيف الأزمة فعلاً وواقعاً: هل يوجد مشروع وطني فلسطيني أصلا؟! وما هو تعريف هذا المشروع؟ وما هي تحديداته وخطوطه الحمراء: فلسطين كاملة؟ أم يمكن التنازل عن أجزاء من فلسطين والقبول بدولة فلسطينية على حدود العام 1967؟! وما مصير الأراضي المحتلة منذ العام 1948؟! ومن يحدد السلوك الوطني المقبول أو المرفوض؟! وهل الثوابت الوطنية يُمكن أن تكون محلّ نقاش واجتهاد؟! وما هو سقف النقاش والقبول بذلك؟! ومن سيحدد طبيعة وسائل الصراع ضد العدو الإسرائيلي؟! وماذا لو تعارضت هذه الوسائل بين تنظيم فلسطيني وآخر؟! وما هي المرجعية لفض النزاع الداخلي إن وقع أو تفاقم؟! ولماذا لا يتم إعادة صياغة المشروع الوطني وإعادة بناء الحركة الوطنية من جديد. ووفق إستراتيجية وطنية شاملة جامعة، كما تطالب العديد من الحركات والفصائل والشخصيات الفلسطينية.

وأيضاً، هل يُمكن إغفال أن التسوية السياسية قد فشلت بشكل كبير، وأضحت مجمل الأهداف والحقوق الوطنية في خطر حقيقي، سيما مع الرفض الإسرائيلي المتزايد والمتواصل في تدمير أية إمكانية للوصول إلى حلول سياسية، وقد ثبُت عملياً أن الجانب الإسرائيلي لا يريد حلاً سياسياً. بل السعي الإسرائيلي واضح في العمل المتزايد في فرض وقائع الاستيطان والتهويد المستمرين في ظل حالة الانقسام والعجز التي تسود في الساحة الفلسطينية.

ويكاد يكون الكل الفلسطيني متفق على وجود أزمة في المشروع الوطني الفلسطيني؛ ولكن يبقى لكل طرف وفقاً لرؤيته ومصالحه وتحالفاته وامتداداته تفسير وتحديد مفهوم الأزمة، وبالتالي طرح رؤيته للحل وسياسته التي يعتبرها مدخلاً له أو جزءاً أساسياً منه والتي تُحتّم على الأطراف الأخرى الالتحاق به باعتباره "ممثل" المشروع الوطني، وإلا فإنهم مُفارقون للقضية ويخدمون "أجندات خارجية"!

ما تقدم يُعبّر عن الأزمة الحقيقية التي تواجه قضية فلسطين، والمشروع الوطني الفلسطيني، والتي لا يمكن تجاوزها دون تعريف واضح وصريح ومحدد للمشروع الوطني الفلسطيني، والاتفاق على برنامج وطني جامع، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة وإدخال حركتي حماس والجهاد فيها، مع لحظ المتغيرات في العالم العربي، وما حصل من تحقيق نصر في قطاع غزة أكثر من مرة ضد إسرائيل، وما جلبته التسوية الفاشلة من مصائب وويلات على الشعب الفلسطيني.. فهل يتحقق ذلك قريباً؟!