هل يمكن أن تكون 'السعادة في موجز تاريخي'؟

'هل تصنع فلسفة نيكولاس وايت السعادة؟'

لا يسعى الباحث الاميركي نيكولاس وايت في كتابه المترجم الى العربية "السعادة.. موجز تاريخي" إلى التوصل إلى تحديد جامع ونهائي للسعادة بل الى عرض وجهات نظر مختلفة عرفت عبر التاريخ في مجال تقديم مفاهيم للسعادة.

وقال وايت في تصدير كتابه عن تاريخ السعادة في الفلسفة الغربية "إن محاولة تضمين كل الموضوعات التي طالما كان هناك اعتقاد في ارتباطها بالسعادة او تضمين كل الشخصيات التي قالت باراء في السعادة لها اهميتها هي محاولة سوف تجعل من مهمة صياغة تاريخ للسعادة مهمة مستحيلة لاسيما ان كانت مهمة موجزة".

وأضاف "لقد اهتممت بانتقاء تلك الافكار التي يمكن تطويرها وتمحيصها وتطبيقها وبالكيفية التي يمكن بها جعل تلك الاشكالية العويصة مفهومة. وهذا يعني ان تاريخ السعادة لا سيما حينما يكون موجزا ينبغي ان يمثل الى حد كبير التاريخ القديم للسعادة". والتاريخ القديم كما يبدو عنده يعني الفلسفة اليونانية.

وورد الكتاب في 231 صفحة متوسطة القطع وصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في الكويت ضمن سلسلة كتب عالم المعرفة.

وعمل وايت استاذا للفلسفة في عدد من الجامعات الاميركية. وقد قام سعيد توفيق بترجمة الكتاب الى العربية عن الانكليزية.

ويعرض وايت الاراء الفلسفية المختلفة في السعادة دون ترتيب زمني صارم. فهو يراوح في الزمن بين فترة واخرى وان كان قد ابتدأ من الفلسفة اليونانية.

ويتحدث هنا عن ارسطو الذي لا يلبث ان يعود اليه والى أفلاطون في عدة مجالات. يقول ان ارسطو يرى ان السعادة هي "الخير البشري وان كل امرىء يهدف إليها من اجل مصلحته ومصلحته الخاصة وحده".

وأضاف يقول "والدور الذي يقوم به هذا المفهوم في حياتنا لم يتغير كثيرا منذ عصر ارسطو وحتي عصر (سيجموند) فرويد".

وفي الفصل الثاني وتحت عنوان فرعي هو (من اين نبدأ) قال "كما هي الحال عادة فقد بدأ افلاطون الخطوة الاولى وقد اتخذ هذه البداية في محاورتيه *جورجياس* و*الجمهورية* من خلال التسليم باننا لدينا رغبات واهداف وبواعث.. الخ.. متعددة ومتضاربة واننا بشكل ما علينا ان نتعامل مع هذه الحقيقة. ويصعب القول بانه كان اول من لاحظ حقيقة التعدد والتضارب ولكنه كان اول من تعامل معها بطريقة منهجية".

و"في القرن الخامس قبل الميلاد يبدو ان جورجياس -السوفسطائي الذي استخدم افلاطون اسمه عنوانا لمحاورته- قد تبنى الموقف القائل بان صالح المرء يكمن بالمعنى الواسع في "حصوله على اي شيء يريده" او لنقل ان هذه هي الرؤية التي ينسبها افلاطون الى جورجياس".

و"إن ما يمكن ان تصل اليه من مجمل هذا بناء على وجهة نظر جورجياس هو القدرة على ان تحصل على اي شيء تريده. وأفلاطون يجعله يصف هذا بانه "الخير الاسمى".

"ويقدم افلاطون في ما بعد شخصية كاليكس لكي يضفي مزيدا من الوضوح على موقف جورجياس اذا يجعل كاليكس يقول "ان الانسان الذي يعيش بشكل صحيح ينبغي ان يتيح لشهواته ان تحصل على اكبر قدر ممكن مما تبتغيه والا يقيدها".

وقد قام بتفسير هذه الفكرة ايضا احد اليونانيبن المعاصرين لأفلاطون وهو اريستوبس السيريني كما كان هناك تفسير اخر اقترحه "الانجليزي توماس هوبز (1588-1679) اذ تحدث هوبز عن كلمة "النعيم" التي تعد مع الخير وكلمات اخرى اقرب الى التكافؤ مع كلمة السعادة. وقال "ان النجاح المتواصل في الحصول على تلك الاشياء التي يرغب فيها الانسان من حين الى آخر اي النجاح على نحو متواصل هو ما يسميه الناس النعيم".

ويرى أفلاطون ان حالة تضارب الاهداف هي حالة سيئة بالنسبة الى الشخص الذي يكون فيها. ورأى في وصفه "الانسان الخيّر تماما" ان هذا الشخص "لا يسمح لأي جزء منه بان يقوم بعمل اي جزء اخر او يسمح للاجزاء المتنوعة فيه بان تتداخل بعضها في عمل البعض الاخر. فهو ينظم ما يتعلق بخيره الخاص ويتحكم في نفسه".

وعلى عكس افلاطون يؤكد اريستوبس انه يمكن لشخص ما ان يكون متحررا بالفعل من الرغبات الموجهة وان الناس من هذا النوع يكونون اكثر سعادة من اولئك الذين يوجهون اهدافهم.

وفي هذا المجال يقول ارسطو في دراسته المسماة (الاخلاق الايوديمية) اننا "يجب ان نحث كل شخص لديه القدرة على ان يعيش وفقا لاختياره ان ينشىء موضوعا لنفسه.. يهدف إليه -قد يكون هو الشرف او الشهرة او الثروة او الثقافة- سوف يقوم بكل افعاله استنادا اليه لانه حينما لا تكون حياة المرء منظمة وفقا لهدف ما فإن ذلك هو الحماقة".

ويقول أرسطو إن السعادة البشرية هي "نشاط النفس وفقا لفضيلتها او اذا كانت هناك اكثر من فضيلة للنفس فانه يكون وفقا لاعظم فضائلها واكثرها كمالا".

ويقول نيكولاس وايت ان الفكرة المهمة التي يراها الانسان في كتابات نيتشه "هي ان تصادم الرغبات يمكن ان يكون امرا مرغوبا فيه. فالرغبات تكون كذلك حينما تكون مصدرا لنوع معين من الابتهاج... ان تضارب الاهداف يمنع الحياة من ان تستتب في حال من الروتين الممل وان تقاوم ذلك النوع من "السعادة" الذي يريده اغلب الناس".

وفي الحديث عن (المتعة ومذهب اللذة ومقياس السعادة) يقول وايت "ان الرؤية القائلة بان السعادة هي المتعة او مذهب اللذة (هيدونيزم)... هي واحدة من اكثر التفسيرات المقبولة على نطاق واسع لمعنى السعاد".

اما ابيقور فيرى ان الخير هو اللذة واللذة يجري تفسيرها "باعتبارها غيابا واعيا للالم والازعاج وهو ايضا يؤكد ان هذا ما تسعى من اجله الموجودات البشرية منذ مرحلة الطفولة فصاعدا".

ويشرح ايضا فكرة اللذة عند عدة مفكرين منهم جيريمي بنتام (1748-1832) وهو مؤصل النظرية المعروفة باسم النفعية ومذهب اللذة الكمي.