هل يكون «الحل اللبنانيّ» الصيغة المناسبة لحلّ المشكلة العراقيّة الحكوميّة؟

بقلم: قاسم قصير

يعيش العراق والعراقيون اليوم، بعد نحو شهر من انتهاء الانتخابات النيابية، حالة من القلق والخوف على المصير والمستقبل، بعد ان عادت التفجيرات الأمنية الى بعض المناطق، في ظل استمرار الأزمة السياسية التي نشأت في ضوء نتائج الانتخابات وعدم توصل الأطراف الحزبية والطائفية الى حسم مسألة تأليف الحكومة الجديدة.
ويجمع العديد من القيادات الدينية والسياسية العراقية على ان الأزمة السياسية الحالية ليست بسيطة، وان التوصل الى حلول لها قد يتطلب عدة أشهر من المباحثات والمشاورات، سواء داخل العراق أو مع دول الجوار. وقد شكّل فوز لائحة إياد علاوي (القائمة العراقية) مفاجأة كبيرة للقوى العراقية الأخرى، رغم ان فوزه في المرتبة الأولى قد لا يمنحه حق تأليف الحكومة، لأن الهيئة الدستورية العراقية اعتبرت ان من ترشحه أكبر كتلة نيابية بعد بدء المجلس النيابي دورته الجديدة هو من يحق له تأليف الحكومة. ولأن الأمور مفتوحة على تحالفات جديدة في الأسابيع المقبلة، فإن من غير الواضح من سيكون رئيساً لأكبر كتلة نيابية ومن سيُرشَّح لرئاسة الحكومة، وخصوصاً أنّ رئيس الحكومة الحالي نوري المالكي تراجعت حظوظه كثيراً نظراً للخلافات القوية بينه وبين بقية الأطراف الحزبية الشيعية (التيار الصدري والمجلس الأعلى).
وازاء حدة الأزمة والخلاف على من سيكون رئيساً للحكومة المقبلة، بدأت بعض القوى السياسية وخصوصاً المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة السيد عمّار الحكيم بطرح مشروع تأليف «حكومة الشراكة الوطنية» الذي يتضمن اشراك كل الكتل الأساسية في الحكومة الجديدة بما يشبه ما حصل في لبنان بعد الانتخابات النيابية عام 2009.
فما هي صورة الوضع الأمني والسياسي اليوم في العراق بعد مرور شهر على انتهاء الانتخابات النيابية؟ وهل يصلح «الحل اللبناني» نموذجاً لمعالجة الأزمة العراقية السياسية؟ الوضع العراقي اليوم بداية كيف هو الوضع السياسي والأمني في العراق اليوم؟ وما هي حقيقة الأزمة السياسية؟
على صعيد الوضع السياسي اليوم في العراق اختلفت الأمور عما كانت عليه قبل الانتخابات الأخيرة، فالانقسام والخلاف السياسي طغى على الانقسام الطائفي أو المذهبي أو العرقي (الكردي - العربي)، فرغم استمرار الخلافات ذات الطابع المذهبي (سني- شيعي)، فإن الشيعة انقسموا الى عدّة تيارات ولم يعودوا تياراً واحداً كما كان الأمر خلال فترة ما سمي (الائتلاف الشيعي الموحّد)، والسنّة توزعوا على عدّة لوائح ومجموعات ولم يعودوا ضمن اتجاه واحد. اما على صعيد الأكراد، فلم يعد الحزبان الكرديان الأساسيان وحيدين في الساحة الكردية، بل برزت اتجاهات كردية معارضة وتراجعت قوة الحزبين الكرديين.
وشكّلت المشاركة السنّية الفاعلة في الانتخابات عنصراً أساسياً في فوز لائحة إياد علاوي (العراقية)، رغم انه شيعي المذهب وعلماني الاتجاه السياسي. اما الخلاف بين الأحزاب الشيعية الإسلامية فقد برز الى العلن وشكلت حسابات المصالح والصراع على السلطة وكيفية ادارة الأمور السياسية عناوين هامة للخلافات، ولم يعد الانتماء المذهبي هو الطاغي.
أما على صعيد دور دول الجوار فقد تنوعت التأثيرات، ففضلاً عن الدور الايراني القوي الذي برز بعد الاحتلال الأميركي للعراق، افرزت الانتخابات الأخيرة ادواراً جديدة لكل من تركيا وسوريا والسعودية والأردن والامارات، وأدت هذه الدول دوراً اساسياً في فوز لائحة اياد علاوي ودعم السنّة له. وبالمقابل، تراجع الدور الأميركي المباشر ولم يعد للاميركيين الكلمة الفصل في الصراعات السياسية والحزبية رغم استمرار احتلالهم للعراق وانكفاء القوات الاميركية الى القواعد العسكرية خارج المدن تمهيداً للانسحاب الكامل في عام 2011 حسب الاتفاقية الأمنية العراقية الأميركية.
إذاً، نحن امام خريطة سياسية جديدة في العراق.
اما على الصعيد الأمني، فرغم التفجيرات الدموية التي يشهدها العراق بين فترة وأخرى، فإن حجم التفجيرات قد تراجع كثيراً مقارنة بالسنوات الماضية. اما على صعيد الاغتيالات والقتل على الهوية وارتكاب المجازر فقد تراجع الى الحد الأدنى، وان كان الخوف من انهيار الوضع الأمني والعودة الى عمليات القتل والتفجيرات لا يزال قائماً، وخصوصاً إذا لم يُسارَع إلى معالجة الأزمة السياسية الحالية. الحل اللبناني للأزمة إذاً، نحن اليوم في العراق امام أزمة سياسية حادة في ظل الخلافات بين مختلف الأطراف على من سيؤلف الحكومة الجديدة. فالمجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري وحلفاؤهما في «الائتلاف الوطني» ليسوا مع عودة المالكي لرئاسة الحكومة لوجود اعتراضات عديدة عليه بسبب ادائه السياسي. كذلك فإن حظوظ مجيء اياد علاوي ليست كبيرة.
أما على صعيد الأكراد فهم يسعون إلى التفاهم مع مختلف القوى، شرط ضمانة حصتهم في رئاسة الجمهورية. وأما بالنسبة إلى المالكي فهو يصر على ان يكون هو رئيساً للوزراء او الاتيان بشخصية من كتلته النيابية، لكن الأطراف السياسية الأخرى ترى أن المالكي لم يعد الشخصية المناسبة لرئاسة الحكومة لأن هناك اعتراضات داخلية وخارجية عليه.
وازاء ذلك، طرح المجلس الإسلامي الاعلى برئاسة السيد عمار الحكيم مبادرة سياسية تدعو لعقد طاولة حوار وطنية عراقية للاتفاق على عناوين اساسية لحل المشكلة والعمل على تأليف «حكومة شراكة وطنية» في ما يشبه ما حصل في لبنان بعد الانتخابات النيابية عام 2009.
ويعتبر السيد عمار الحكيم «أنه لا يمكن تأليف الحكومة بدون اشراك جميع الأطراف الأساسية وخصوصاً القائمة العراقية (علاوي)، ائتلاف دولة القانون (المالكي)، التحالف الكردي، الائتلاف الوطني»، وانه يجب الاتفاق على معايير اساسية لاختيار رئيس الوزراء بما يضمن مصالح الشعب العراقي، كما يجب الاتفاق على رزمة كاملة للحل اي الاتفاق على مواقع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب، والمشروع العام للحكومة العراقية الجديدة، وان الوصول الى هذا الاتفاق يتطلب مشاورات ومناقشات جدية بين الجميع وعدم البقاء عند المواقف السابقة.
ومن اجل تنفيذ هذا الحل قد يحتاج العراق الى «طائف عراقي»، أو «اتفاق دوحة عراقي» أو «طاولة حوار» حقيقية، وهذا هو السبيل الأفضل لمعالجة الأزمة السياسية، والا فإن الأمور قد تعود الى الوراء وينكشف العراق مجدداً أمام المشاكل الأمنية والخلافات المذهبية حسبما عبرت مصادر مطلعة في الحوزة الدينية في النجف الأشرف. قاسم قصير - بغداد