هل يكتب فيلدمان دستور العراق الجديد؟

غلاف الكتاب يروي الفكرة

لندن - في الفترة القصيرة التي فصلت بين بدء الحرب الاميركية على العراق وسقوط بغداد، نشر البروفيسور نوح فيلدمان كتابه "ما بعد الجهاد: اميركا والصراع على الديمقراطية الاسلامية".
مبعث الاهتمام ليس الكتاب. فثمة قائمة طويلة من الكتب التي تتناول قضية الديمقراطية في الاسلام. وتتجاوز بعض هذه الكتب في تفصيلاتها النافذة الفكرية التي جاء بها فيلدمان في كتابه.
لكن مبعث الاهتمام كان بسبب فيلدمان نفسه. فهذا الاستاذ الشاب (33 سنة) في مدرسة القانون في جامعة نيويورك، كلف من قبل الادارة الاميركية بمهمة كبيرة لم يسبقه اليها احد: الاشراف على كتابة دستور عراقي جديد.
قد تكون خلفية فيلدمان الاجتماعية مبعث للمشكلات. ففيلدمان نشأ يهوديا ارثودوكسيا في نيويورك. ولعل من السابق لاوانه التنبؤ بتداعيات تكليف يهودي بالاشراف على كتابة دستور العراق الجديد الذي بشر به الحاكم الاميركي العام للعراق. وقد تلجأ الادارة الاميركية الى ابقاء فيلدمان في الظل، خصوصا وهي تواجه مشكلات متزايد في حكم العراق، ناهيك عن كتابة دستوره وتثبيت اركان الحكم فيه وفق صيغة تتلاءم مع التطلعات الاميركية للعراق والمنطقة.
الاكثر اثارة في الموضوع هو النظرة التي يحملها فيلدمان لطبيعة الدستور والحكم في بلد مسلم مثل العراق.
كتاب "ما بعد الجهاد" يطرح فكرة الديمقراطية في الاسلام، ليس من زاوية بحثية وفكرية، او حتى فلسفية، بل الوسائل التي يمكن من خلالها للولايات المتحدة التشجيع على الديمقراطية في الوطن العربي، حتى وان ادى ذلك الى المجيء بحكومات قد تكون منتخبة ديمقراطيا، ولكنها تنحو منحى ثيوقراطيا ابعد ما يكون عن الديمقراطية الليبرالية التي يروج لها الغرب.
يسأل فيلدمان: ماذا يكون دور الاسلام في الحكم الديمقراطي في البلاد العربية؟ هل سيتم السماح باقامة احزاب اسلامية؟ وهل ستستخدم هذه الاحزاب الاسلامية الديمقراطية للوصول الى معادلة: صوت واحد لشخص واحد، ولمرة واحدة؟
يجيب الكاتب على هذه التساؤلات بشكل متفائل. فهو يعتقد ان الاحزاب او التنظيمات الاسلامية تستطيع الوصل الى الحكم من خلال العملية الديمقراطية، وان تتداول الحكم مع احزاب اخرى عن طريق صناديق الاقتراع. بل ويعتبر، في مقال كتبه عشية سقوط العاصمة العراقية بايدي القوات الاميركية، ان الكارثة ستقع في حال اقدمت الولايات المتحدة على استبعاد السياسيين المعممين من اية معادلة حكم للعراق. وان كان فيلدمان يضع في تصوره حزبي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق والدعوة الاسلامية، ولم يكن يأخذ في الحسبان صعود نجم تيار الحوزة العلمية في العراق ممثلا بالسيد مقتدى الصدر، فانه يعتقد ان بالامكان ايجاد صيغة للتعامل تجمع بين الرؤية الاميركية للعراق، وافساح المجال للتيارات السياسية الاسلامية في الاضطلاع بدور اكبر في حكمه.
يرى فيلدمان ان فصل الدين عن الدولة امر مهم في دول التنوع الديني والعرقي، كحال الولايات المتحدة. لكنه يعتقد انه من المستحيل فصل الدين عن الدولة في العالم الاسلامي لما يحتله الدين من موقع في حياة الشعوب العربية والاسلامية. ولهذا فان الدولة الديمقراطية في العالمين العربي والاسلامي يجب ان تحمل الصبغة الدينية وان تضمن في الوقت ذاته ان لا يستخدم الدين كأداة بيد الاغلبية لقهر الاقليات المؤمنة بعقائد اخرى، سواء اتلك المشتقة من الدين الاسلامي ام الاديان الاخرى.
ينطلق فيلدمان في تبريره شرعية قيام الدولة الديمقراطية الاسلامية من حقيقة ان الكثيرين من المثقفين الاسلاميين امضوا العقود الاخيرة في محاولات لتثبيت العلاقة بين الاسلام كدين والديمقراطية كمبدأ سياسي للحكم. ويضرب المثل على النجاح الذي يمكن ان يحققه مثل هذا التيار في الانتخابات في تركيا واندونيسيا والتي اتت باحزاب اسلامية للسلطة، نهجت في بعض الاحيان منهجا اغضب الولايات المتحدة (كحال رفض البرلمان التركي نشر قوات اميركية تستخدم لغزو العراق). ولا يرى ضيرا من ان بنغلاديش تحكم باسم الديمقراطية الاسلامية حتى وان كان 110 مليون بنغلاديشي يعيشون في فقر مدقع وفي ظل حكومات تتهم دوما بالفساد. بل انه يعتقد ان التجربة الايرانية، برغم كل "مساوئها وانتهاكاتها لحقوق الانسان" تصلح مثالا اوليا يحتذى به لانها اتت من خلال الانتخابات ببرلمان اصلاحي يمكن ان يتحدى ولاية الفقيه.
وهذا يعيدنا الى التجربة التي تريدها الولايات المتحدة في العراق. فواشنطن ما فتئت تردد ان العراق سيكون شعلة الديمقراطية في المنطقة. ففيلدمان يعتقد ان على الولايات المتحدة ان تساند الديمقراطية في العراق، حتى وان كانت ديمقراطية لاعلمانية.
بالطبع ستكون هذه المهمة صعبة. ليس فقط لان العراقيين يحملون افكارا مختلفة عن الطريقة الافضل للوصول الى صيغة حكم تراعي التنوع الطائفي والعرقي والسياسي، بل لانه من العسير تخيل ان ترضى الولايات المتحدة بمؤسسة حكم عراقية تكون مرجعيتها الاولى هي الافكار الدينية. ولعل ثمة اصوات عديدة تتردد في اروقة الادارة الاميركية تقول ان واشنطن لن تقبل باي شكل من الاشكال "خمينية" ثانية في العراق، وان الدبابات الاميركية هي من ساعدها على الوصول الى الحكم من خلال ازاحة عدوها الاكبر صدام حسين.
لعل غلاف كتاب "ما بعد الجهاد" يروي جزءا من الصورة التي تتجسد على ارض الواقع في العراق، وغيره من الدول العربية. فنصف الصورة الاعلى لجامع، ونصف الصورة الاسفل انعكاس، على سطح الماء، لمبنى الكابيتول الذي يحتضن مجلسي الكونغرس الاميركيين. هل يمكن، اذا، اقامة ديمقراطية في البلاد العربية تجمع بين الموروث والشرع والفكر الاسلامي ونموذج ديمقراطي مقتبس من النموذج الاميركي؟
فيلدمان يعتقد ان الجواب هو نعم. اما تحقيق صحة الجواب فمن المبكر الحكم عليه قبل ان ينجلي الوضع في العراق. الكتاب: ما بعد الجهاد: اميركا والصراع على الديمقراطية الاسلامية
المؤلف: نوح فيلدمان
الناشر: فارار، شتراوس وغيروكس - نيويورك
السنة: ‏2003‏
After Jihad: America and the Struggle for Islamic Democracy
By Noah Feldman
Farrar, Straus and Giroux
New York
2003