هل يستطيع شعب الله المختار التعايش مع شعب الله 'المحتار' في العراق؟ نعم. أنظر نتائج الانتخابات العراقية!

بينما كانت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية تعلن على التلفزيون وبعد ان تأكد حصول المالكي على العدد الاكبر من المقاعد البرلمانية، راودتني اسئلة كثيرة. ما الذي يدفع شريحة واسعة من العراقيين لاعطاء اصواتهم الى شخص قد فشل في تحقيق اي منجز لهم، وأذاقهم جميع صنوف الذل والهوان طوال الثمان سنوات الماضية؟ وهل ثمة امل في ان يعم السلام ارض العراق خلال السنوات القادمة؟ ثم كيف استطيع انا في كردستان التناغم مع هذا الهزال الثقافي والسياسي الذي اراه في الطرف الاخر وهل يمكن التعامل معه؟

المنطق السياسي يقول بان الشعوب الحية تتطلع دائما نحو غد افضل تتحرر فيه من العبودية، لتنطلق بعد ذلك الى مستقبل اكثر اشراقا وأملا، يشعر فيه المواطن بكرامته وحريته... باستثناء العراق، فنتائج الانتخابات تظهر حنينا شعبيا عارما للدكتاتورية، وعطشا قاتلا للهوان والإحساس بالعبودية، كما كان عليه الحال في زمن النظام السابق. ولذلك فان هذه الشريحة تحتاج الى عقود من الزمن للانفلات من ارثين: ارث العبودية الذي تغلغل في ادائهم السياسي منذ عقود؛ والإرث التاريخي المشوب بعقدة الثأر من المكون الاخر.

ان المصوتين للمالكي ينحصرون في فئتين اظهرت نتائج الانتخابات بأنهما يمثلان اكثرية الشعب العراقي:

الاولى، فئة مصابة بعقد تاريخية مقيتة تجعلها ترى العراق ساحة مناسبة للحصول على ثأرها التاريخي، فقد توقف الزمن بهم عند مقتل الامام الحسين على يد جيش يزيد الاموي، ولازالت رغبة الانتقام تراودهم رغم البعد الزمني الذي يقدر بألف وأربعمائة سنة بيننا وبين تلك الحادثة. وقد استطاع المالكي برفعه شعار "نصرة اهل البيت" وشعار "حماية المذهب" من كسب تأييد هؤلاء.

الثانية، فئة اصيبت بفقدان التوازن بعد سقوط الدكتاتور الذي كان يقودها لغاية 2003، فأخذت تفتش لها عن دكتاتور صغير تستطيع من خلاله اشباع غريزة العبودية التي تتملكها، فكان وجود المالكي في السلطة لولايتين متتاليتين فرصة كبيرة لها لإشباع هذه الغريزة، وترسيخها اكثر من خلال انتخابهم له لولاية ثالثة.

المفارقة تكمن في ان الفئتين لا تمتلكان ما تقدمانه للوطن غير القتل والتدمير من جهة، ومن جهة اخرى الخضوع والخنوع للصنم الذي تخلقانه، ولا يمكن الاعتماد على هذه النماذج في بناء دولة. لذلك فان نتائج الانتخابات هذه تتطلب من اصحاب الاختصاصات النفسية والاجتماعية الوقوف عليها طويلا، لاجراء ابحاث معمقة عليها ومعرفة طبيعة هذه الشريحة وكيفية تفكيرها.

المشكلة لا تكمن في من انتخب المالكي وحسب وإنما تتعدى للفئات التي لم تنتخبه ايضا، فهم من الضعف بمكان بحيث لا يستطيعوا التصدي لهذا الهذيان الحضاري والثقافي اما بسبب قلتهم او ادمانهم على الصمت الذي تعودوا عليه اثناء حكم صدام حسين.

اما بخصوص امكانية تعامل الطرف الكوردي مع هذه الشريحة الواسعة في المكون العربي وإيجاد نقاط مشتركة بينهما. فثمة فرق شاسع بين مكون مثل المكون الكردي الذي يتوجه لنهضة بشرية واقتصادية حقيقية، وبين مكون اخر يقحم نفسه في اتون صراعات ومعارك غير شرعية لا طائل منها. وفرق شاسع بين شعب يرتقي لبناء ديمقراطية حقيقية وبين شعب يعمل على ارجاع عقارب الساعة الى الوراء ليصر على العيش تحت حكم دكتاتوري. وبالتأكيد فهناك فرق شاسع بين شعب بدا من العدم واخذ يبني مفهوم الانسان داخله، وبين شعب يهدم بقايا الانسان فيه ويدمر كل ما بناه سابقا في عملية تجهيل ممنهجة تعم العراق العربي وتوجهه للعدم.