هل يستطيع العرب فتح أبواب طموحاتهم النووية من جديد؟

بعد الإنجاز الأخير لدول 5+1 في ترسيم الاتفاق التأطيري مع إيران بخصوص مفاعلها النووي، والذي يقتضي عمليا السماح لها بالإبقاء على قدرات نووية سلمية معقولة، دعا الرئيس الأميركي اوباما حلفاءه العرب في الجزيرة العربية للحضور إلى كامب ديفيد بهدف شرح الاتفاق المذكور مع إيران، وطمأنتهم بتراجع فرصها في صناعة قنبلة نووية، وهو ما يعني تخفيض مخاطر إيران العدوانية على الأمن القومي العربي.

على هامش هذا اللقاء ينبري العديد من التساؤلات في الوعي السياسي العربي العام حول ماهية الرد العربي ممثلا بدول الخليج على هذه التطمينات، ومن بينها شرح طبيعة العلاقة الأميركية الجديدة مع إيران، ومن ذلك تفسير ماهية السلوك الإيجابي الإيراني الجديد الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي، والضمانات الأميركية له، في وقت لم يعد من أحد يضمن سلوك الجمهورية الإيرانية ونواياها السيئة تجاه أمن الخليج وجوارها العربي بعامة.

على هامش هذا اللقاء أيضا، ومن جهة أخرى، فإن الاتفاق التأطيري مع إيران والسماح لها بقدرات نووية سلمية، يلقي بالحجارة الكبيرة في البرك العربية الاستراتيجية الراكدة، ويطرح الأسئلة الثقيلة على الحليف الأميركي من مقاس لماذا أبقيتم لإيران قدرات نووية سلمية ولم تسمحوا لنا ببنائها؟ فالعرب عمليا هم أولى بالسماح لهم ببناء قدرات نووية سلمية من إيران على جميع المقاسات تاريخية كانت أو مصلحية أو استراتيجية مع الولايات المتحدة.

المطالبات العربية بالسماح للعرب ببناء مفاعلات نووية سلمية ليس وليدة الساعة، وليست ولم تكن وليدة الاجتماع العربي المنتظر مع الرئيس الأميركي، فالمطالبات العربية بهذا الخصوص لم تنكفئ أو تتوقف منذ خمسين عاما تقريبا، ولكنها دائما كانت تواجه بالرفض الأميركي أو التهديد الإسرائيلي.

قبل نحو خمسين عاما مع قيام الدولة القومية العربية، جرت عدة محاولات لبناء برامج نووية عربية، وقد أوفدت الدول العربية الرائدة في هذا المجال في ذلك الحين بعثات علمية، واستوردت تقنيات حديثة لبناء برامجها، ولكنها لم تفلح بسبب التعنت الأميركي، أو تردد الدول المتخصصة بهذه التقنيات مثل كوريا الجنوبية والأرجنتين والصين وروسيا بإبرام عقود نووية في هذا المجال أو الوفاء بها خوفا من إغاظة الأميركان. فأوُقف البرنامج المصري باكورة الانجاز العربي في المفاعلات النووية في العام 1955، وأُجهضت محاولة الجزائر النووية في مهدها، وفككت المفاعلات الليبية رغبة أو رهبة، وقصفت إسرائيل المفاعل النووي العراقي الشهير "تموز" في العام 1981، الذي كان على مرمى حجر من صناعة أول قدرات نووية استراتيجية عربية،، كما دمرت إسرائيل الإمكانيات النووية السورية المتخصصة للبحث العلمي قبل أمد ليس ببعيد.

مع انتهاء حقبة مخاوف "الاستخدام المزدوج" للبرامج العربية النووية منذ انتهاء حرب الخليج، وبالموازاة مع انطلاق عملية السلام بين العرب وإسرائيل، حاول العرب الاستثمار السلمي في الطاقة النووية مجددا على أمل دعم الحليف الأميركي لهذه البرامج، وتحت إشراف مباشر من وكالة الطاقة الذرية، ولكن طلباتهم تلك كانت تصطدم بالرفض الأميركي مجددا لأي برامج سلمية عربية ودائما بالحجة الجاهزة: أمن إسرائيل.

اليوم يملك عدد من الدولة العربية خططا لإقامة برامج نووية سلمية للاستثمار في مجال الطاقة، مثل الأردن، والإمارات، والمملكة العربية السعودية، والجزائر، وثمة دول عربية أخرى تفكر في الاستثمار في الكعكة الصفراء مثل الكويت والبحرين، وحتى وقت قريب كانت هذه الدول تصطدم بالرفض الأميركي لذات السبب، رغم أنها حليفة ولا تشكل خطرا على الأمن القومي الأميركي ولا حتى تشكل خطرا من طراز بروبغاندا التهديد "بمحو إسرائيل عن الخارطة" كما كانت تجعجع الثورة الإيرانية وتساوم الولايات المتحدة، حليف العرب المفترض.

اليوم تخسر إيران جزءا من هيبتها العسكرية في المجال النووي الذي دفعت له ثمنا باهظا من جلد الشعب الإيراني، وأمضت الليل مع النهار في محاولة صناعة الخلطة السحرية النووية التي ترمم بها عظم الإمبراطورية الفارسية من جديد، ولكن في المقابل فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كسبت في جولة واحده ما لم يستطع العرب كسبه في المجال النووي السلمي منذ عقود من المطالبات، وهم الحلفاء المعلنين للأميركان.

بوابة الأمل في إنشاء مفاعلات نووية سلمية عربية في المجالات السلمية تفتح من جديد من أوسع أبوابها اليوم بالموازاة مع الاتفاق مع إيران الأخير، فما توفره المفاعلات النووية في مجال الطاقة يستطيع لوحده تأمين أكثر من ثلث الطاقة العالمية، والعرب جزء من هذا العالم ومن العدل امتلاكهم لهذه التقنية الهامة.