هل يستخفون بعقولنا إلى هذه الدرجة؟

بقلم: غازي المفلحي

من بمثل بجاحة وصلف وتذاكي هؤلاء الصهاينة؟
في مقابلة صحفية تسيبي ليفني وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تؤكد أنها "ترى فرصه لتكوين جبهة إسرائيلية عربيه لمواجهة طموحات إيران النووية."
مبررات مثل هذه الدعوة تنطلق من أن إيران الشيعية المتمنطقة بسلاح نووي هي تهديد مباشر لإسرائيل وللوجود السني في المنطقة! وتكون النتيجة المنطقية هي أن على العرب السنة وإسرائيل أن يكونا جبهة متحدة لمواجهة هذا الخطر المشترك.
هاهي إسرائيل تسير على خطى الأمريكيين فتدخل إلى مفرداتنا وتصنف نفسها في خانة السني أو الشيعي لا حبا في هذا ولا ذاك ولكن كرها لهما معا.. ولا لهدف غير إثارة الفتن والحروب بينهما علهما يفتكان يبعضهما فيكفيانها بذلك عبء مواجهتهما أو مواجهة أي منهما.
سني أو شيعي أو عربي أو إيراني جميعها مفردات لا تأبه لها إسرائيل إلا بقدر ما يمكن توظيفه منها للدفع بمشروعها الاستيطاني التوسعي إلى غاياته المرسومة وهي ضمان أن لا تقوم للعرب قائمة.
اذاً.. ماذا يربطنا نحن العرب بهذا الورم السرطاني الذي يسمى إسرائيل كي نبني معهم جبهة حرب ضد عدو ثالث أيا كان هذا العدو حتى لو كان غزاة قادمين من كوكب المريخ؟
في الماضي والحاضر والمستقبل وإلى ماشاء الله أن تبقى هذه اللعنة بين ظهرانينا لن يربطنا بالصهاينة شيء آخر:
• سوى تاريخ لن ينسى من المجازر والمذابح وانهار الدم المسفوح من رجال العرب ونسائهم وشبابهم وشيوخهم وحتى الرضع من أطفالهم.. ليس ابتداءً بمذبحة كفر قاسم ودير ياسين وليس انتهاءً بمجزرة غزة الأخيرة فبينهما تقف ما يزيد عن ستين عاما شاهدة تروي قصة العار الذي يلطخ جبين الإنسانية.
• وسوى أنهم في لحظة من الوهن العربي.. وسبات الضمير الإنساني.. سرقوا جزءا عزيزا من ارض العرب وبنوا عليها دولة عصابات شريرة عدوانية عنصرية دججت بأكثر أنواع الأسلحة إبادة وفتكا.. لتكون سيفا مسلطا على رقاب العرب إذا فكروا يوما في النهوض لاحتلال المكانة التي يستحقونها تحت الشمس وبين الأمم.
• وسوى أنهم- بالغدر والخيانة والعنف - طردوا أهلنا الفلسطينيين من ديارهم إلى المنافي والشتات والمخيمات يعيشون حياة البؤس والذل.. واحلوا مكانهم على أرضهم وفي بيوتهم ومزارعهم ما استطاعوا حشده - بالأسطورة والإغراء والخديعة - من شذاذ الآفاق ومنبوذي العالم.
تسيبي ليفني لم تقل تصريحها في يافا أو القدس السليبتين.. بل ذكرته على صفحات جريدة عربية.... ثم عادت والقت به مجددا من على منبر الخطابة في مؤتمر الدوحة للديمقراطية والتنمية.. مخاطبة قادة وزعماء الأمة.. وشعوبها..
يا للقذارة..
ماذا عن قنابلكم النووية؟ لماذا أنتجتموها؟ هل هي مجرد العاب صنعتموها على سبيل التسلية في أوقات الفراغ؟ أو لعلكم صنعتموها لحماية أنفسكم وحمايتنا من غزو المخلوقات الفضائية.
فهل بلغ الهوان فينا.. والاستهانة من عدونا بنا كل هذا المبلغ؟
هذا كثير.. فهو ليس مجرد هوان أو استهانة.. بل هو اهانة لعقولنا.. وأحاسيسنا.. ولمشاعرنا الإنسانية.
من أين يأتي التهديد الحقيقي لنا؟ هل من مشروع إيران النووي الذي لا يزال مشروعا يؤكدون انه سلميا ويصدق روايتهم معظم العالم؟ أم من مئات القنابل النووية التي أنتجتموها وتحتفظون بها لوقت الحاجة التي لن تكون في أي وقت سوى حاجتكم لتدمير كل مظاهر الحياة والحضارة على أرضنا؟
هناك ألف سبب وسبب يدعونا لجعل الكيان الصهيوني عدونا الأول والدائم الذي لا سبيل ولو بعد ألف جيل إلى مسامحته على ما اقترفه في حقنا من جرائم وما كابدناه وسوف نكابده معه – إلى لحظة زواله - من أهوال..
فهل تتوفر هذه الأسباب في حالة إيران لكي نمحضها عداوتنا وكراهيتنا مثلما محضناهما بجدارة وحق للصهاينة المجرمين؟
الجواب قطعا...لا..
إن ما يجمعنا بإيران عبر التاريخ أكثر بكثير مما يمكن أن يفرقنا.... فإلى لحظة سقوط دولة الخلافة العباسية على يد المغول كانت إيران في مكان القلب من الدولة الإسلامية الواحدة.. أعراق وشعوب مختلفة جمعنا بهم إيماننا المشترك بدين الإسلام.. صهرتنا معا معارك التحرير الباسلة التي خاضها المسلمون اندفاعا أو دفاعا تحت رايته الخالدة.. حاربنا معا عدونا المشترك.. ورفعنا في بعضها رايات النصر.. وتجرعنا في بعضها الآخر مرارة الهزيمة.. معا يدا بيد وكتفا إلى كتف.. وفي وقت السلم أخرجنا إلى العالم ارفع حضارات الدنيا خلقا وعفة وإنسانية.
هل يمكن أن ننسى الأعلام من ذوي الأصول الإيرانية الذين اثروا الحضارة العربية والإسلامية بانتاجاتهم وإبداعاتهم الخالدة.. ومن منا لا يعرف الأئمة الكبار أمثال أبي حنيفة، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وفطحل اللغة العربية سيبويه، والأدباء والشعراء والعلماء الكبار أمثال.. ابن المقفع، والطغرائي، والخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، والطبري، والثعالبي، والنيسابوري، والسجستاني، والرازي، وابن سينا.. ولو سمح المجال لأتينا على ذكر مئات الأسماء من أصول إيرانية كان لهم القدح المعلى في شتى نواح المعرفة من آداب وفنون وعلوم وسيرة وحديث التي شكلت فيما بعد قوام الحضارة العربية والإسلامية.
فهل يمكن أن يكون هؤلاء أعداءنا؟
وحتى قبل الإسلام فان الإيرانيين كما هو حال العرب كانوا جزءً أساسيا من مكونات المنطقة وتاريخها.. عشنا معهم عشرات القرون مضت وسنبقى معهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. هذا نصيبهم في الحياة ونصيبنا أيضا.. وهذا كله تاريخ لا يمكن نسيانه أو القفز عليه.. لأنه يعيش فينا وفي أعماقنا قبل أن يكون على صفحات الكتب وروايات المؤرخين.
لم يسجل تاريخ العلاقة العربية الإيرانية - باستثناء فترة حكم الشاه ذو الطموحات الإمبراطورية الفارسية - قيام إيران بأعمال مؤثرة يمكن اعتبارها تهديدا مباشرا للهوية والأرض العربية.. بل على العكس من ذلك فقد كانت إيران في حرب الثمان السنوات التي شنها صدام حسين ضدها بدوافع ورؤى شخصية في وضع المعتدى عليها وليس المعتدي.. وما عملته خلالها لم يخرج عن الحق المتعارف عليه في الدفاع عن النفس.
في المقابل لعبت إيران ولا تزال في كثير من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية دور الداعم والمناصر ماديا ومعنويا.
ليس بيننا وبين أخوتنا الإيرانيين ما يدعو إلى الحرب والقتال.. هناك بعض الخلافات والمشاكل التي لن تستعصي على الحلول المبتكرة مثل مشكلة الجزر العربية الثلاث المحتلة منذ أيام الشاه.. وأيضا مسألة التدخل في العراق.. والخلاف المذهبي.
وجميع هذه الخلافات قابلة للحل أو التقارب بالحوار والتواصل وهي في كل الأحوال لا تخرج عن حدود ما يمكن أن يحصل بين شعبين متجاورين. حتى الخلاف المذهبي يمكن التقريب بين وجهات النظر المختلفة فيه من خلال المزيد من البحث واللقاء والتواصل بين الرموز الدينية من الجانبين.
ولعله من المناسب التذكير أن الخلاف المذهبي لا يصلح ولا ينبغي طرحة كحجة أو مبرر للعداء مع إيران.. فشريحة كبيرة من العرب أنفسهم يتبعون نفس المذهب.. وهم أخوتنا وأهلنا وشركاءنا في العقيدة والوطن والمستقبل.
فماذا تبقى إذن؟
لم يتبق إلا المشروع النووي!
والمشروع النووي بالذات هو آخر ما يتوجب على العرب أن يخوضوا من اجله حربا على إيران.. فالمشروع كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلمي.. وهذا هو ما يؤكده باقي العالم باستثناء أمريكا وإسرائيل.
لكن حتى لو لم يكن هذا المشروع سلميا.. أليس من حقهم أن يعدوا العدة للدفاع عن أنفسهم ووطنهم في وجه الخطر الذي تمثله الأسلحة النووية الإسرائيلية وان يكون لهم أداة ردع مثل تلك التي تملكها إسرائيل..
أكثر من ذلك..هذا ليس مجرد حق فحسب.. بل هو واجب تفرضه عليهم مقتضيات حماية شعبهم ووطنهم.
وهو ليس واجبهم فقط بل وواجبنا نحن العرب أيضا أن نسعى بكل الطرق والوسائل لامتلاكه لردع الوحشية والجبروت التي تمثلهما إسرائيل بامتلاكها مثل هذا السلاح؟
هذا المشروع حتى لو كان غير سلمي.. لا يمثل خطرا على العرب بأي حال من الأحوال.. المنطق والعقل والعدل يقول انه لو كان هذا المشروع يهدد العرب لكانت إسرائيل وأمريكا أول الداعمين والمرحبين به.. الم يكن شاه إيران يحظى بكل الدعم والمساندة في كل مشاريعه وطموحاته المشروعة وغير المشروعة بما فيها احتلال الجزر العربية الثلاث..
لا تحتاج إيران لكي تحظى بمباركة ودعم أمريكا وإسرائيل لبرنامجها النووي سوى أن تتعامل بميكيافلية وانتهازية فتظهر تعاونها مع مخططات الولايات المتحدة وإسرائيل ضد العرب والمنطقة كما فعل الشاه فتصبح بين ليلة وضحاها دولة بسلاح نووي.
إسرائيل وأمريكا تدقان طبول الحرب.. وتحاولان أن تجعلا وقودها ليس فقط نفطنا بل دمائنا وأشلائنا.. لكن علينا أن نكون حذرين فهذه الحرب ليست حربنا.. وعدوهم فيها لا يمكن أبدا أن يكون عدونا.. وإذا حدث – لا قدر الله – أن ضربت إيران فلن يكون أمام إسرائيل من عدو آخر سوى نحن.. وأسلحتها النووية في مخازنها لن يكون إمامها سوى انتظار لحظة الحاجة لاستخدامها..... فوق رؤوسنا. غازي المفلحي