هل يحدد العراق نتيجة الانتخابات الاميركية؟

بقلم: هشام القروي

أيا كانت الانطباعات التي تحصل للمرء إثر مشاهدة المناظرة التلفزيونية بين الرئيس بوش ومنافسه المرشح كيري، يوم الجمعة الماضي في جامعة ميامي بفلوريدا، فإن النتيجة الأولى التي بإمكان أي شخص – حتى من غير الخبراء بالسياسة – الانتهاء إليها، هي أن شأنا عربيا طغى على جميع الشؤون الأخرى في خطابي المتنافسين، وغدا بالتالي شأنا أميركيا. ربما لم يحدث هذا أبدا بهذا الشكل من قبل... أعني أن العرب لم يصلوا من قبل الى أن يحدثوا هذه الضجة الاعلامية وأن يزنوا بهذا الثقل في شأن داخلي وسيادي كالانتخابات الرئاسية، الى حد أن يخصص المتنافسان على الرئاسة الجزء الأكبر من حديثهما للعراق.
كنا بلا شك على دراية بأن المناظرة ستدور بالخصوص حول الشؤون الخارجية، ولكن عبارة "الشؤون الخارجية" في بلد كالولايات المتحدة له علاقات وحضور في كل مكان، يفترض أن تتسع للاهتمام بأكثر من ملف. وما حدث أثناء المناظرة يترك انطباعا بأن الأميركيين سينتخبون رئيسهم القادم بالنظر الى ما ينوي أن يفعله في العراق. وبالرغم من أن هذه الظاهرة استثنائية في وضع استثنائي أيضا، فإن تضخيمها قد يقود الى خطأ في التقييم، وكذلك هو الشأن بالنسبة لعدم اعتبارها مهمة.
شخصيا، لا أعتقد أن الأميركيين في معظمهم سينتخبون رئيسهم القادم فقط على أساس السياسة التي سينتهجها في العراق وفي الشرق الأوسط عامة. لا شك أن أغلبهم له اهتمامات اجتماعية تهم جيبه وصحته وأمنه، وإذا لم يكن لديه قريب أرسل الى العراق، فقد تبدو له المشكلة غير ملحة الى الحد الذي سيحدد رأيه وتصويته. والمسألة هنا – ككل شيء – نسبية. فكم هو عدد القوات الاميركية في العراق؟ 140 الى 150 ألف؟ إنها قطرة في المحيط. لتدرك ذلك، تذكر أن عدد المواطنين الاميركيين الذين بلغوا سن الانتخاب الى حد سنة 2002 هو 210 مليون نسمة. وحتى مع اعتبار النسبة الضخمة أحيانا لغير المقترعين – سواء الذين يقاطعون أو الذين لم يقع تسجيلهم لسبب أو لآخر- فإن العدد الباقي كبير إذا ما قورن بعدد الجنود المرسلين الى العراق. ولا شك أن صور القتلى التي يتناقلها الاعلام الأميركي لها تأثير سيء على معنويات المواطن، ولكن حتى هذه الظاهرة (أي التأثير السيء على المعنويات) يمكن قياسها وربطها بعدد آخر من الداءات والنقائص الاجتماعية التي تمارس نفس التأثير إن لم يكن أكثر لأنها تمس في الواقع بطريقة مباشرة عددا أكبر من المواطنين، ومثال ذلك البطالة، أو فقدان التغطية الاجتماعية،أو العيش تحت خط الفقر الخ.
وأخلص من هذا الى شيء: هناك فعلا وجود متزايد للقضايا العربية في الشأن الانتخابي الأميركي، وهو ما يفترض أن يسعى العرب – وفي مقدمتهم الجالية – الى استغلاله بطريقة ذكية، أي مثلا لقلب موجة التبرم والسخط على كل ما هو عربي واسلامي الآن في الولايات المتحدة، والتكيف مع أوضاع ما بعد 11 سبتمبر. ولكن القول أن العراق سيحدد نتيجة الانتخابات، كما قد يسرع البعض الى التصور، لا يمثل وهما خطيرا وحسب، وإنما هو بكل المقاييس تشويه للحقائق.
لقد كانت المناظرة بين بوش وكيري فعلا مضيئة لجانب هام من النقاش الحالي، بشأن العراق والعالم العربي. ولكن لا ينبغي أن نخطئ: فالمشكلة العراقية لا يمكن حلها في الولايات المتحدة، لأن مصير العراق يبقى بأيدي أبنائه أولا وأخيرا. وثانيا، فإن أحداث العراق الحالية لا تعطي سوى نبرة واحدة على سلم متنوع وطويل من النبرات والاهتمامات في السباق نحو الرئاسة الاميركية. وبعبارة بسيطة تماما: أيا كان المنتصر النهائي، فذلك النصر لن يتم له بفضل برنامجه في العراق (كما قد توحي مناظرة يوم الجمعة الماضي) وانما بالاحرى بفضل برنامجه في الولايات المتحدة نفسها.

هشام القروي http://www.hichemkaroui.com/