هل يجرؤ المالكي على وقفه؟: الفساد قوة حاكمة في 'العراق الجديد'

من يحمي أموال العراق؟

بغداد - هل مكافحة الفساد في العراق موضوع جاد، ام انها زوبعة في فنجان؟ مظاهر الفساد اكثر من كثيرة. والملاحقة القضائية قد تطال رؤوس كبيرة في كل مرافق الدولة. وكثرة الفساد تجعل من السهل القول انه هو القوة الحاكمة. والأدلة المتاحة كثيرة والاسماء المتورطة معروفة، فهل ستجرؤ حكومة المالكي على ملاحقة الفساد فعلا؟
يبدو ان اجابات لمثل هذه الاسئلة ليست واضحة بالقدر الكافي أمام هيئات النزاهة التابعة للحكومة أصلاً، وأمام الشعب العراقي الذي يتأمل بمرارةأمواله المهدورة منذ الاحتلال عام 2003.
وكان المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي قد قال "ان الشعب العراقي فقد ثقته بقدرة الاجهزة القضائية والرقابية على مكافحة الفساد لعدم استقلاليتها ووقوعها في قبضة الحكومة والاحزاب المهيمنة على السلطة".
واضاف اليعقوبي "انه بمجرد أن يلوّح أحد من هيئة النزاهة أو أي سلطة رقابية أو محاسبية بشيء من الفساد فانه يُعزل ويهان إن لم تتم تصفيته" مشيرا الى ان "منصب المفتش العام في الوزارة اصبح مرتبط بالوزير فلا يستطيع محاسبته وحاشيته".
وينتظر العراقيون ماذا ستسفر التصريحات عن أفعال بعد أن أكد رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي صباح الساعدي الاحد ان وزير التجارة المستقيل عبد الفلاح السوداني هو الان في قبضة هيئة النزاهة التابعة لمجلس الوزراء العراقي بعد القبض عليه في مطار بغداد إثر إجبار طائرة كان يستقلها في طريقه الى خارج على العودة العراق صباح السبت.
وقال الساعدي في مؤتمر صحافي عقده مع عدد من اعضاء مجلس النواب في بغداد انه "وبعد اجراء الاتصالات تم التأكد بأن السوداني تم القاء القبض عليه من قبل شرطة هيئة النزاهة في المطار وهو الان في عهدة الهيئة التي ستقوم بترحيله في وقت لاحق الى المحكمة المختصة في مدينة السماوة مركز محافظة المثنى جنوبي العراق التي صدر عنها مذكرة القبض عليه".
ولفت الى ان السوداني، المتهم بقضايا فساد مالي كان قد حجز تذكرتين للسفر واحدة الى عمان والاخرى الى دبي بقصد التمويه، "لكنه لم ينجح بهذا الامر وتم القاء القبض عليه".
وكانت طائرة الوزير المستقيل قد اعيدت الى مطار بغداد بعد ساعة ونصف من اقلاعها.
يشار الى ان الوزير المستقيل المنتمي الى حزب رئيس الوزراء نوري المالكي حزب الدعوة الاسلامية يحمل الجنسية البريطانية شأنه شان العشرات من الوزراء واعضاء البرلمان العراقي الذين يحملون جنسيات وجوازات سفر متعددة.
وكان رئيس الوزراء نوري المالكي اعلن الاسبوع الماضي الحرب على الفساد المالي والاداري المستشري في الدولة ومؤسساتها .
وقال المالكي في تصريح صحفي في اشارة الى وزير التجارة المستقيل او أي مسؤول اخر ينتمي لاحزاب ممثلة في السلطة "انه لا يدافع عن اي وزير او موظف مفسد وانه سيحيل من يثبت تورطه الى القضاء وهيئة النزاهة".
وكان رئيس هيئة النزاهة العراقية القاضي رحيم العكيلي قد أعلن أن رئيس الحكومة نوري المالكي وجّه هيئته مؤخراً بضرورة تنفيذ جميع أوامر إلقاء القبض على الموظفين الحكوميين المتهمين بقضايا فساد مالي وإداري.
وسبق للعكيلي ان صرح بقوله "ان القادة السياسيين في العراق يفتقرون حتى الآن للإرادة اللازمة لمكافحة ما اسماه سرطان الفساد وإن عليهم البدء بإعلان حجم ما يكسبونه من مال".
واضاف "إن المفوضية أخفقت في إنجاز مهمتها المتمثلة في القضاء على الفساد المستشري".
وكشف تقرير لصحيفة أميركية "أن الفساد والرشوة يستشريان بدرجة كبيرة في العراق لدرجة أن العراقيين يستغلون كل شيء تملكه أو تبيعه أو تشتريه الحكومة العراقية المركزية".
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها من بغداد "أن العاطلين عن العمل يدفعون مبلغ 500 دولار كرشوة مقابل الدخول إلى سلك الشرطة وأن العائلات تبني بصورة غر شرعية منازل على أراض مملوكة من الدولة وأن مغاسل السيارات تستولي على المياه من أنابيب الجر الحكومية وأن كل شيء تقريباً تشتريه الدولة أو تبيعه يمكن الحصول عليه من السوق السوداء".
وأضافت الصحيفة "أن أدوية السرطان التي توفرها وزارة الصحة العراقية تباع بحوالي 80 دولاراً في الصيدليات، وتباع عدادات الكهرباء التي توفرها وزارة الطاقة العراقية بمبلغ 200 دولار، وحتى الكتب المدرسية للصف الابتدائي الثالث التي توفرها وزارة التربية العراقية تباع في
المكتبات بثلاثة أضعاف ما كانت تتقاضاه الحكومة".
وقال عادل عبد الصبحاوي زعيم إحدى العشائر في مدينة الصدر للصحيفة بقرف "واضح الجميع يسرقون من الدولة. إنها قطعة لحم كبيرة والجميع يريدون أن يأكلوا".
واستناداً لدراسة حديثة أصدرتها مؤسسة الشفافية العالمية التي تتخذ من العاصمة الألمانية برلين مقراً لها وتنشر مؤشراً سنوياً حول الفساد، فقد حل العراق في المرتبة الثالثة على لائحة أسوأ الدول فساداً في العالم بين 180 دولة ولم يتقدّم سوى على الصومال وميانمار.
ويقدّر بعض المسؤولين الأميركيين أن حوالي ثلث ما ينفقونه على العقود العراقية والهبات التي تقدم للدولة، لا يمكن احتسابه أو تتم سرقته، ويذهب قسم منه إلى الميليشيات.
وقدّر أكبر مسؤول لمكافحة الفساد في العراق في الخريف الماضي قبل أن يستقيل ويفر من البلاد بعد مقتل 31 موظفاً في دائرته خلال السنوات الثلاث الماضية- أن 18 مليار دولار من أموال الحكومة العراقية سرقت بوسائل مختلفة منذ العام 2004.
وتقوّض عمليات السرقة قدرة العراق على توفير الخدمات الرئيسية وهي من المقومات الأساسية لدعم الانجازات الأمنية المسجلة حديثاً، وفقاً لما قاله مسؤولون عسكريون أميركيون.
وقال الصبحاوي إنه عندما حاول مؤخراً إيجاد وظيفة لأحد الشبان من عشيرته أبلغه المسؤولون الحكوميون أنه لا توجد أي وظائف متوفرة حالياً ما لم يدفع مبلغاً من المال لقاء تلبية طلبه.
وقال ستيوارت بوين الذي يدير مكتب المراقب العام في برنامج إعادة إعمار العراق إن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي قطع جهود مكافحة الفساد خلال العام الحالي من خلال الاشتراط على المحققين الحصول على طلب مسبق من مكتبه قبل ملاحقة الوزراء الحاليين أو السابقين بتهم الفساد.
كما لم يلغ المالكي قانوناً عارضه الأميركيون يتيح للوزراء إعفاء موظفي وزارتهم من الملاحقة القضائية أو المثول أمام لجان التحقيق.
وقال بوين "هذان الموقفان القانونيان داخل الحكومة العراقية لا يتطابقان مع الديموقراطية. لدي قلق كبير حيال انتشار مشكلة الفساد".
ووصفت صحيفة "الاندبندنت" في تقرير لها عما اسمتها 'ام معارك الفساد' ان ازمة الفساد المستشري في العراق وخطط اعتقال اكثر من الف مسؤول تسارعت بعد شريط فيديو اظهر مسؤولا في وزارة التجارة في حفلة وهو يشرب الخمر ويتراقص مرحا مع عاهرات وينتقد نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي. وتم تبادل صوت الشخص الذي صور فيلم الفيديو من هاتف نقال لاخر في بغداد وسمع وهو يقول للبنات "انت قبل المالكي".
ولا تغيب مشكلة الفساد المستشري عن انتباه اي تقرير تعده وزارة الدفاع الاميركية او المفتش العام للاعمار الاميركي. كما ان الكشف عن حجم فساد كبير داخل وزارة الداخلية مثير للجدل من ناحية انها مسؤولة عن توزيع حصص المساعدات المخصصة لملايين العراقيين، ذلك ان نسبة 60 بالمئة تعتمد على مشروع الحصص.
وتنفق الوزارة مليارات الدولارات على شراء الارز والطحين والسكر والزيت وغير ذلك من الحاجيات الاساسية. ومسؤولو الوزارة معروفون باستيراد مواد غير صالحة للاستهلاك البشري كطريقة للاختلاس.
وكانت فضيحة الفساد قد خرجت للعلن في ابريل/نيسان عندما حاولت الشرطة القاء القبض على عشرة مسؤولين متهمين بالفساد حيث اندلعت مناوشة نارية امام الوزارة مع الشرطة مما اعطى فرصة للمتهمين للفرار بمن فيهم شقيقا وزير التجارة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول لجنة النزاهة قوله ان شريط الفيديو لاعضاء وزارة التجارة في حفلة يعتبرلااخلاقيا.
واشار الى ان الشريط يمثل اثر المحسوبية ومحاباة الاقارب من مسؤولين يبذرون اموال الوزارة على الحفلات وعلى الاقارب.
وعلى الرغم من كميات النفط التي يصدرها العراق والاموال التي تراكمت في العام الماضي بعد ارتفاع اسعار النفط الا ان غالبية العراقيين يعيشون على حافة الفقر، فمن بين 27 مليون عراقي هناك نسبة 20 ـ 25 بالمئة تعيش تحت خط الفقر ويعتمدون على 66 دولارا في الشهر.
وقالت لصحيفة "الاندبندنت" ان العراقيين لن يقتنعوا باجراءات الحكومة واعلاناتها حتى يروا الحكومة تقوم باعتقال الجناة وتقدمهم للمحاكمة، مشيرة الى ان وزارة التجارة ليست الا واحدة في صف وزارات فاسدة، خاصة ان المسؤولين في الحكومة عادة ما يشترون المناصب والتي يرونها استثمارا جيدا من اجل الحصول على الاموال.
وقالت ان وزارة التجارة ليست الوحيدة التي تستورد الاطعمة الفاسدة او المنتهية صلاحيتها، فمثلا قامت وزارة المهجرين والهجرة باستيراد مواد عفنة من ملابس لا تصلح للصيف الحار الذي كان سكان مدينة الصدر يأملون بتجنبه، وكانوا يتوقعون مساعدات من الملابس والطعام.
واحتوت الحاويات كذلك على علب من التونا واحذية اطفال. ويرى عدد من سكان الحي ان المسؤولين وضعوا معظم المال في جيوبهم وهو المال الذي خصص للمساعدات.
وترى الصحيفة ان انهيار نظام المساعدات الذي بدأ في عهد الرئيس السابق صدام حسين آبان فرض الحصار على العراق عام 1990 يهدد ملايين العراقيين بالجوع.
وتتكون حزمة المساعدات الغذائية من ارز ـ 3 كيلو للفرد، سكر ـ 2 كيلو، طحين ـ 9 كيلو، زيت طبخ - 1.25 كيلو، حليب ـ 250 غراما، شاي ـ 200 غراما، اضافة الى علب لوبيا وحليب اطفال وصابون ومواد تنظيف ومعجون طاطم.
وبحسب احصائية لوزارة التخطيط والتطوير والتعاون وجدت ان 18 بالمئة لم يتلقوا حصصهم لمدة 13 شهرا، فيما لم تتلق نسبة 32 بالمئة مساعدات تموينية منذ 12 شهرا. وعندما يحصل المواطنون على الحصص الغذائية فانها تكون في حالة سيئة ويقولون ان طعم الشاي كريه ولا يحتمل. ويرى مراقبون ان الحملة على الفساد سياسية وتتزامن مع الحملات الانتخابية والتحضير لها والتي ستجرى في نهاية العام الحالي، خاصة ان وزير التجارة هو من كتلة المالكي وحزبه، الدعوة.