هل يجب أن نفرح لأنهم خرجوا من ديارنا ؟

بقلم: د. علاء أبو عامر

بغض النظر عن الاختلاف النظري الحاصل اليوم بين المفكرين الفلسطينيين حول مفهوم الانسحاب من غزة ، هل هو انسحاب بالفعل ؟ أم إعادة تموضع ؟ أم حصار خارجي؟
يبقى أن هناك حقيقة واقعة على الأرض نراها اليوم بالعين المجردة وهي أن هناك فرحة وهذه الفرحة تكمن ورائها قناعة بأن خروج المحتل من أي بقعة من أرض فلسطين التاريخية هو إنجاز وطني كبير ومهما اختلفنا أيضاً حول إيجاد تبرير منطقي لهذا الخروج الإسرائيلي ، بمعنى هل هو نتيجة لأعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة التي خاضتها فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني على مدار سنوات انتفاضة الأقصى ؟ أم هو نتيجة الحاجة الإسرائيلية والأمريكية لإعطاء العرب عربونا للتعاون الشامل في مجالات مكافحة ( الإرهاب الإسلامي العالمي) والمساعدة في إخماد جذوة المقاومة الوطنية والإسلامية العراقية ، أم هو مقدمة لعزل سوريا استعدادا لضربها في المستقبل ؟
أم هو خروج من عبأ أمني واقتصادي و ديمغرافي وترك الفلسطينيين يقلعون شوكهم بأيديهم بمعنى تركهم للمجاعة والصراعات الفصائلية والبطالة ...الخ .
نعم نقول أنه من حقنا أن نفرح ، والأحق منا جميعا بهذا الفرح هم ذوو الشهداء والمعتقلين والجرحى ، لأن دماء أبنائهم وتضحياتهم وعذاباتهم لم تذهب أدراج الرياح بل منها تنبعث اليوم هذه الرائحة الزكية التي تغمر قلب كل فلسطيني أينما كان بالفرح والحبور .
نعم علينا اليوم كسلطة وطنية فلسطينية وفصائل عمل وطني وإسلامي ومنظمات جماهيرية أن ننظم مسيرات الشكر و العرفان لمقابر الشهداء وبيوت ذويهم ولمنازل عائلات المعتقلين والجرحى لأنه بفضل ما قدموه من تضحيات نحتفل اليوم بالنصر الجزئي المتمثل بخروج قطعان المستوطنين من ترابنا الغزاوي المقدس وغداً خروج قوات الاحتلال إلى خارج السياج المحيط بالقطاع .
نعم علينا أن نفرح وندبك ونطلق الزغاريد والمفرقعات في الهواء فقد انتهينا من حواجز الإذلال والمهانة ، بإمكاننا اليوم قطع المسافة من بيت حانون إلى رفح في أرض كلها لنا ، خالية من الدنس.
علينا أن نهدي هذا الانجاز الوطني الذي مهما اختلفنا على تسميته فهو نصر بكل ما للكلمة من معنى إلى روح القائد الرمز المناضل ياسر عرفات رمز كرامة أمتنا رمز إبائها وعزتها ، طائر الفينيق الفلسطيني الذي أفنى رحلة عمره حتى يراها محررة.
نهديها إلى روح شيخ المجاهدين الفلسطينيين قائد القساميين الأشاوس الشيخ أحمد ياسين ورفيق دربه المجاهد الصلب عبد العزيز الرنتيسي ، وإلى أمير الشهداء أبو جهاد أول الرصاص وأول الحجارة، وإلى قلعة الفتح العظيم الشهيد القائد صلاح خلف أبو أياد ورفاق دربه من الشهداء أعضاء اللجنة المركزية مشعلي الثورة الفلسطينية المعاصرة ، نهديه إلى أشلاء كل فلسطيني أحال جسده إلى قنبلة صرخت في وجه مغتصبي الوطن هيا أخرجوا من بلادنا ، نهديه إلى كل حملة البنادق الذين سهروا الليالي وكرسوا حياتهم فداء للوطن ، للذين حاربوا في قلعة الشقيف ، وفي هضبة الجولان ، ومن تضرجت دمائهم على ثرى سيناء في رحلة العبور من أبطال جيش التحرير الفلسطيني وجيش مصر الشعب الأبي ، نهديه إلى كل فلسطيني ولبناني قاتل كتف لكتف لدحر آلة الحرب الجهنمية التي قتلت ودمرت كل بريء وإنساني على ثرى أرض لبنان العربي الحبيب .
نهدي هذا الانتصار إلى ريشة كل فنان رسم لوحة لتجسد الألم والتحدي الفلسطيني ,وإلى كل فنان صدح بحنجرته مزمجراً إي حي على الجهاد ، نهديها إلى كل قلم حول الفكرة إلى قنبلة تطايرت شظاياها فصنعت أملاً وحلما في وطن محرر ، نهديها إلى كل حر وشريف في هذا العالم من الذين انتصروا لإنسانيتهم في وقوفهم معنا متضامنين متحديين برابرة القرنين العشرين والحادي والعشرين، نهديها إلى كل حنجرة صدحت وغنت الله أكبر على كل من طغى وتجبر.
قد يرى البعض أن هذه الكلمات تقال في غير أوانها وأنها يمكن أن تقال عندما نحرر كامل الوطن الفلسطيني وليس الآن ، وهذا صحيح ولكن من يدري هل سنعيش إلى ذاك اليوم هذه الفرحة الفلسطينية بتحرير جزء من الوطن بالنسبة لي ولكثيرين هي فرحة لم يكن قبلها فرحة، إذا عشنا لنرى التحرير الكامل يوما ما فسنكتب قصيدة ولكن اليوم من حقنا أن نطرب لهذا الحدث الذي لطالما انتظرناه.
هذه أرضنا أرض أبائنا وأجدادنا قد فرحت وغنت ورقصت اليوم غزة وغداً القدس يرونها بعيدة ونراها قريبة وإنا لمنتصرون بحول الله. د. علاء أبو عامر
أستاذ العلاقات الدولية - غزة