هل يتوجّبُ على المثقَّفِ التونسيِّ أن «يحرق» فكرَه لتفي الثورة بوُعودها؟

بقلم: عبدالدائم السلامي

بين القولِ بأنّ «تونس لم تعد تونس السابقة» والقولِ إنّ «تونس لم تَصِرْ تونس المأمولة»، تتوزّع مواقف المثقّفين التونسيّون في تعاطيهم مع الوضع السياسي الذي تعيشه البلاد بعد ثورة 14 يناير 2011. حيث يزعم أصحاب القول الأول، وهم أغلب المثقّفين الذين خسروا امتيازاتهم الضخمة بذهاب نظام بن علي، أنّ تونس فقدت، بعد ثورة الياسمين، الكثيرَ من ملامحها الإبداعية التي عُرفت بها خلال الخمسين سنة الماضية من عمر استقلالها، من جهة أنها ظلّت خلال تلك السنوات فضاءً للإبداع حاضنا لجميع الآراء والأذواق الفكريّة، ومنفتحا بمكوّناته على خزين الثقافة العربية الإسلامية والوافد من ثقافات العصر الحديث انفتاحَ تآلفٍ في الفكرة، وتراشحٍ في الخبرة، وارتقاءٍ بالفعل الثقافيّ.

ويرى مثقّفو «المعارضة»، وأغلبهم من المنتمين أو المتعاطفين مع ما يُسمّى بـأحزاب

«الصفر فاصل»، أنّ تونس التي حلم بها الشعب وثار ثورتَه العارمة من أجل تحقيق حلمه بها، لم تتشكّل ملامحها بعدُ، بل راحت تخسر الآن جميعَ ما انمازت به عن أقطارنا العربية من سَبْقٍ في التشريعات الحامية لحقوق المرأة (إصدار أوّل مجلة للأحوال الشخصية سنة1956) والقوانين الضامنة لحقوق الشغالين (تأسيس أوّل منظمة نقابية في الوطن العربي عام 1946). وهي تشهد اليوم بداية انتكاسة في مجال الحريات العامّة، وخاصة منها الحريات الفكرية، وهو أمر، إذا ما استمرّ قليلاً في الزمن، قد يدفع بالبلاد إلى الدخول في عهدٍ «رَجْعِيٍّ» يعود بها إلى أزمنةِ الظلام.

وبين آراء هاتيْن الفئتيْن من المثقّفين، تقف أسئلةُ الفعل الثقافي التونسيّ محتارةً بين محاملها واتجاهاتها، ولعلّ من أهمّها: لماذا تخلّف المثقّف التونسي عن المشاركة الفاعلة في جميع مجريات الحراك الثوري الذي عاشته تونس، وصار بعد الثورة مثل «فقيهٍ» لا يحضر بين الناسِ إلاّ ليقرأ القرآن على الموتى أو ليَزْجرَ الأحياء منهم بفتاويه؟ وهل وُجدتْ، من قبلُ، ثقةٌ بين الشعبِ التونسيّ ومثقّفيه حتى يُسارعَ هؤلاء بألسنتهم الطويلة العمياء إلى تخويفه من مستقبلِه؟ وهل ثمة فعلاً ما يدفع إلى الخوف على الفعل الثقافي والإبداعي في تونس من سُلطة إيديولوجيا «النهضة» الحاكمة ووصاياها الدّينية؟

لا شكّ في أنّ فجئية الثورة التونسية حرمت الكثير من الفاعلين الثقافيين من المساهمة في أحداثها، ولئن كنّا لا نعدم خروج نفرٍ من هؤلاء عن صمتهم ومشاركتهم الشعب في رفع شعارات الحرية والكرامة على غرار بعض المسرحيين والفنانين والكتاب في وقفتهم الاحتجاجية أمام المسرح البلدي يوم 11 يناير 2011، فإنّ أغلب المثقّفين التونسيين لازموا الصمت، وإن احتج بعضهم، فقد احتجّوا في صمت أيضًا، على حدِّ ما ذكر الفاضل الجعايبي لمراسل قناة فرانس 24 يوم 12 يناير 2011، إجابة عن السؤال: «لماذا قررتم الدعوة إلى هذا التجمع؟» بقوله «كنا نريد التعبير عن تضامننا مع المتظاهرين بشكل رمزي وصامت، لم نفكر لا بشعارات ولا بيافطات. فنحن لسنا في المعارضة ولسنا ممن تطلق عليهم صفة المشاغبين... كنا نريد أن نقول إن المثقفين والفنانين يدينون تجاوزات رجال الأمن». وغير خافٍ هنا توفّر كلام الجعايبي على خوف المثقَّفِ من السلطة من خلال نفيه صفة «المعارضة» عن اجتماع هؤلاء المسرحيين وعدم رفعهم «الشعارات» إضافة إلى سعيِه الخفيِّ إلى التموضع موضعَ الباكي مع الشعب والضاحك مع النظام. وهو مثال يكاد ينطبق على أغلب مثقّفي تونس خلال ثورة 14 يناير.

وفي رأينا أنّه على مدى العقود الثلاثة الماضية، ظهرت هُوّة بين الشعب التونسيّ ومثقّفيه، وظلّت ذه الهُوّة تزداد بعد الثورة عمقًا، وصورتها هي حالُ «النخبوية» التي كان عليها الفعل الثقافي في تونس. حيث ظلّ المثقّف جالسا على الربوة، يراقب غليان الشعب دون الاندماج فيه، عاجزًا عن فهم ما يجري أمامه. ومن ثمة، فقد «برهنت الثورة التونسية بما لا يقبل الجدل، انعتاقها من تخفّي المثقف وراء النظريات الفضفاضة، خاصة بعد أن برهن رجل الشارع عن تفوقه على المثقف والسياسي في آن واحد» (د.صاح المازقي، مايو2011). بل إنّ ثورة تونس كشفت عدمَ إيمان مثقّفيها بقدرة الشعب على فهم الواقع وتخيُّرِ ما يناسب تغييرُه من أساليب. ولعلّ بسببٍ من هذا، لم يساند أغلب المثقّفين بدايات تحرّك الشعب التونسي، ولم تكن الثورة أولويّةَ من أولويات هؤلاء، وذلك لأنّ «الحراك الثقافي واكب نوعا ما الحراك السياسي، ولكنّ هذا لا يمنعنا من الاعتراف بأن الأول كان أقل نسقا من الثاني نظرا لاختلاف الأولويات» (أعلية العلاني، جريدة الشعب بتاريخ 1/1/2012).

ويبدو أنّ حكومة الترويكا، وخاصة منها حركة النهضة، قد تبيّنت تدنّي ثقة الناس في خطاب المُثقَّفِ، وفي نفورهم منه في أحيان كثيرة، ووقفت من ثمة على حجم ابتعاد المثقّف عن شعبه، وابتعاد الشعب عن مثقّفيه، فراحت تستثمر تخلّي الشعب عن نصرة بعض هؤلاء مِمّنْ تمّ الاعتداء عليهم من قبل السلفيين، في تأليب الرأي العام عليهم بتعلّة اعتدائهم على المقدسات الدّينية، على غرار حادثة سينما نزل أفريكا بالعاصمة أو قضية قناة «نسمة تي في» أو معرض قصر العبدليّة بالمرسى.

ولعلّ هذا ما زاد من مخاوف المثقّفين من سُلطة حركة النهضة الدّينية وقدرتها على توجيه الفعل الثقافي ما تريد له من وجهات، ودفع بأغلبهم إلى الدعوة إلى ثورة جديدة على غرار ما كتب الشاعر أولاد أحمد في بيانه إلى الشعب التونسي: «دخلنا أدق مراحل المقاومة شراسة، إما الحياة وإما الموت، لن يحكمنا الجهل والفقر والمال السياسي الخارجي ولو بنسبة مئة بالمئة من المصوتين، تكلموا بأسمائكم ولا تصدقوا أحدا يتكلم باسم الله، ... ، كل ما يصدر عن المجلس الوطني التأسيسي باطل بما في ذلك الدستور... وعلى نواب المعارضة الانسحاب فورا. النساء نصف المجتمع، أو أكثر، وعليهن نُعوّل. جاليتُنا بالمهجر مطالبة ببدء التظاهر من الآن في عواصم العالم لإقناعه بان أفغانستان ثانية تُطبخُ على نار هادئة في تونس. نقاوم وكأننا نبدأ الثورة من جديد. الثورة ثورتنا ولن يسرقها منا أحد».

عبد الدائم السلامي