هل هي سياسة شرق أوسطية جديدة: الموت حلاّ لكفاف الحياة على حساب جودة الحياة؟

ما زالت مواقع التواصل الاجتماعي العربي والعالمي تحت وقع جريمة حرق الرضيع الفلسطيني علي سعيد دوابشة الذي لم يكمل عامه الثاني بعد أن أضرم النار في منزل أسرته متطرفون يهود.

وكان صبي آخر أحرق منذ عام تقريباً في القدس هو محمد أبو خضير.. وما يزال الضمير العربي الحيّ متذكرا مشهد قنص الفتى محمد الدرة في سبتمبر عام 2000. وقد لا يختلف القتل ههنا عن قتل في مناطق أخرى من الوطن العربي باسم من الأسماء المختلفة التي صار الإرهاب أبرزها إنّه موت متعدّد في ظل سياسة استنزاف واحدة هي القتل من أجل جعل الموت حلاّ لكفاف الحياة وغلق الباب على الباحثين في هذا الوطن العربي الكبير عن جودة الحياة.

الفرق بين أن يحيا المواطن كيفما اتفق وأن يحيا حياة ذات جودة ليس مسألة طبقيّة كما يعتقد إنّها مسألة سياسيّة قد تنشعب إلى خيارات لها صلة بالعلاقات الدولية. فأن يدفع المواطن إلى أن يفكّر فقط في أن يحيا هي سياسة وأن يبحث عن جودة الحياة سياسة أخرى مختلفة.

من سوء الحظّ أنّ المواطن لم يسلبه المستعمر والمستبيح حقّه بل سلك سياسة تقوده إلى أن ينسى ذلك الحقّ كان أشد تلك السياسة قسوة تشتيت اهتمامه وترويعه بمشاهد الموت حتّى يحبّ حياة الكفاف. الحياة كيفما اتفق يعيشها السواد الأعظم من المواطنين العرب. البحث عن الحياة مرحلة بدائية حيوانية تجعل الإنسان يسعى كاداً من أجل أن يوفّر أسباب العيش الحيوانية المختلفة: الأكل واللباس وحتى الملذات الحسيّة هي من مظاهر أن يحيا المواطن حياة الحيوانية الأولى.

لكنّ البحث عن جودة الحياة هي مرحلة متطورة عن تحقيق الحياة بما هي استمرار طبيعي آلي في فضاء وزمان محدّدين. في هذه المرحلة متطوّرة تبحث عن الفني والفكري والثقافي والحضاري الذي يرتقي بالحياة الحيوانية الطبيعة إلى درجات من الإنسانية المثالية. هذا التصور يعيشه السواد الأعظم من شعوب البلدان المتقدّمة المصنّعة وذات الهيمنة على العالم.

كان الترويع ولا يزال أسلوبا من أساليب إسكات الأصوات المطالبة بحقوقها في الحرية والكرامة والوطن وكانت دائرته ضيّقة في عقود سابقة بعد مرحلة استقلال الدول العربية تكاد تنحصر فقط في نطاق الصراع العربي الإسرائيلي ولكنه وفي هاتين العشريتين بات متّسع النطاق حتّى صار إبّان ما يعرف بالثورة العربية متعدّد الدوائر أبطاله أشخاص ينسبون بشيء من الضبابية واللبس إلى الإرهاب.

المستفيدون من اتساع دائرة الموت تحت عنوان الإرهاب كثيرون أهمهم الدولة العبرية التي كانت وهي تمارس سياسة العسف على شعب فلسطيني أعزل قلقة من تسليط الضوء عليها تسليطا كبر نطاقه على الرغم من التضليل والتستر التي مارسها الإعلام العالميّ المنحاز علنا إلى الحق وسرّا إلى الأقوى.

اتسعت دائرة الموت في الشرق الأوسط وارتبط اتساعها بالإرهاب. صار الإرهاب صناعة وسياسة ولكنّ عناوينه ظلت متغيّرة ومصالحه متشابكة وأهدافه واحدة: المحافظة على المكسب الآنيّ ودعمه مرحليّا. لكن ما هو المكسب الآني الذي لا ينبغي التفريط فيه؟ وكيف ينبغي دعم التحكم فيه مرحليّا وعلى مدى زماني أطول؟

لم يكن من اليسير على من استعمر البلاد العربية أن يفرّط في خيراتها وفي نفوذه فيها. الخيرات في هذه الرقعة من العالم: الأرض وموقعها وثرواتها وتراثها المادي أو اللامادّي. ليس هذا مجال التفصيل في هذه العناصر التي أطمعت في البلاد العربية كلّ غزاة الأمس واليوم ولكنّه تنبيه إلى أنّ الرؤية الذرّيّة لدى محللينا السّياسيين ومؤرّخينا هي التي تركّز في كل مرّة على نقطة وتفصلها عن روابطها بالأخرى فتشتت النظر عن الحقيقة في كليّتها.

فليس العراق خزّان نفط منفصل عن كونه مهاد حضارة عريقة ضاربة في الذاكرة الإنسانية لذلك زرعوا فيه الموت باسم الملل والنحل وأرجعوه من طور البحث عن جودة الحياة إلى البحث عن التعايش والنجاة من الموت.. وليست فلسطين والقدس تحديداً أرضاً للاستيطان معزولة عن سنوات من القداسة يترابط فيها البشري بالنبوي بالإلهي وتتشابك دوائر الأديان السماوية الثلاثة.

ليس عسيرا أن تتعايش هذه الأديان فقد تعايشت بسلام في أيّ مكان ولكن قبل عصر الأطماع التوسعيّة. في التاريخ الإنساني استعملت الفتنة بين هذه الأديان الثلاثة من أجل سيطرة طرف براغماتي لا علاقة له بأحد هذه الأديان إلا مَصْلحيّا.

كانت الشام والعراق وما تزال بوابة ومعبرا حيويّا وطريق القوافل العابرة من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب؛ وما يزال شمال إفريقيا أيضاً بوابة إلى ثروات بلاد أمطرت الشمال الأروبي ثروات من المعدن النفيس واليد العاملة الصبورة..وما تزال قناة السويس تختصر المسافات البحرية شرقاً وجنوباً.. وحين جاء النفط كان كل شيء جاهزا لاستقباله بل إنّ كل الممهّدات صنعت من أجل حسن استقباله عبر سياسة: في دارك النّبع والرفش والمعول والدلو من داري..

سياسة الموت والتحريق والتقتيل والترويع ينبغي ألا تخرج من بوّابة التحكم في النفوس من أجل أن تبحث عن الحياة وتنسى البحث عن جودة الحياة ففي هذه المرحلة تتجاوز الذات البشرية الغريزة إلى التفكير في الذات وفي الكون بما في ذلك حسن تقرير المصير والبناء الحضاري لذات لا يراد لها أن تبنى ولحضارة تزعج بماضيها الإنساني الشامل.

بث ثقافة الموت سلاح استراتيجي يتطوّر بشكل منهجي ويسوّق له إعلامياً: أنت ترى الموت في كل مكان تتعوّد عليه وتعيش باحثاً عن النجاة منه يصير الموت الهاجس المفكر فيه أبدا وتموت بقية الهواجس وتصير الحياة أمنية بعد أن كانت بديهة بذلك يظلّ المرء حبيس دائرته السفلى دائرة التفكير في الحياة.

حين يصبح الإرهاب هاجساً فهذا سيعني أن الخوف يصبح هو الثقافة الأساسيّة وحين يصير الخوف الهاجس الأصلي فمن الممكن أن يتنازل محبّو الحياة عن أيّ حقّ: الحق في الأرض والحقّ في الثروة والحرية والكرامة وغيرها.

لكن ماذا لو كان الآخر محبّاً للموت من أجل استرداد الأرض والعرض؟ هذه معضلة كبرى وجد لها أهل الاستراتيجيا حلاً: توجيه سلاح ثقافة من يريد الموت إلى وجه من يريد الحياة في الداخل: إعادة الإرهاب إلى بلاد الثروة.