هل هي «مكارثية» جديدة؟

بقلم: أسامة أبو ارشيد

قرار الرئيس الأميركي جورج بوش بتجميد أموال وأرصدة أكبر المنظمات الإغاثية الإسلامية الأميركية، مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، HLF، يوم الثلاثاء 4-12-2001، جاء بصيغة "قرار تنفيذي"، أي أنه لم يأت مبنيا على نتائج تحقيقات واضحة ومؤكدة.
ويظهر أيضا أن الحكومة لا تريد أن تأخذ القضية إلى القضاء - الذي يبدوا أنه الضحية الأكبر لعهد "بوش مكارثيازم"، وذلك لأنها تعلم أنها لا تملك أدلة، ولو من أي مستوى على تورط المؤسسة في أية تصرفات مالية غير قانونية.

كيف ذلك، وأجهزة التحقيق الأميركية من أف بي آي وموظفي الخزانة الأميركية، كانوا يعلنون عقب كل حملة من اللوبي الصهيوني لتشويه المؤسسة، تتبعها تحقيقات مكثفة منذ عام 1994، أن المؤسسة نظيفة قانونيا مائة في المائة، وبأن التحقيقات المكثفة والمستمرة تثبت أن المؤسسة لا تقوم بأي أعمال غير مشروعة، بل إنها تقوم بأعمال إغاثية وإنسانية شريفة.

إذا ما الذي استجد الآن؟ ولماذا خطت هذه الإدارة الجمهورية هذه الخطوة وفي هذا التوقيت تحديدا؟ وما هو الدور المطلوب من المؤسسات الأميركية الإسلامية؟ وما هو المطلوب من جاليتنا الأميركية العربية والمسلمة؟

تحليل ما الذي استجد الآن،.ولماذا الآن تحديدا، قد لا يكون سهلا جدا، حيث ثمة عناصر متداخلة في هذا النسق. فمن ناحية ثمة عناصر مرتبطة بالشأن الفلسطيني: الانتفاضة الفلسطينية وفشل حملة الإجرام الصهيونية في قمعها وسحقها. ومن ناحية ثانية ثمة عناصر مرتبطة بالشأن الأميركي، وهذه أيضا متداخلة ومتشعبة، فمنها ما يرتبط بتأكيد حسن نية هذه الإدارة نحو الحكومة الإسرائيلية واللوبي الصهيوني داخليا، ومنها ما هو مرتبط بحرب أميركا على ما تسميه بالإرهاب "بمفهومه الواسع والمطاطي" عبر إيحاءات عن الخطوة التالية بعد أفغانستان، ومنها ما يتعلق بتوجهات الإدارة الأميركية الجمهورية نحو العرب والمسلمين الأميركيين، خصوصا فيما يتعلق بحقوقهم المدنية والسياسية، وتحديدا حقهم في التعبير المكفول دستوريا.

ونناقش هذه السياقات بنوع من الإيجاز. فعلى صعيد الشأن الفلسطيني، فإنه لم يعد خافيا على كل ذي عقل أن الحكومة الصهيونية اليمينية المتشددة قد فشلت فشلا ذريعا في القضاء على الانتفاضة الفلسطينية. فماذا تبقى لحكومة تل أبيب لم تستخدمه بعد في هذه المعركة؟ اغتيالات؟ قرابة سبعين قائد عسكري وسياسي وإعلامي فلسطيني اغتالتهم إسرائيل، ولم تفلح جهودها الإجرامية هذه في قمع الانتفاضة أو التقليل من حدتها. بل على العكس بعد كل عملية اغتيال كانت إسرائيل تدفع غاليا من دماء شعبها في شوارع تل أبيب والقدس والخضيرة والعفولة وغيرها، فضلا عن دماء أبناءها من المستوطنين في الضفة والقطاع. ولعل في تجربة إسرائيل في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي، ومطلع الشهر الحالي (كانون الاول/ديسمبر)، خير دليل على ما نقول. فاغتيال الشهيد محمود أبو هنود قائد الجناح العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية قبل أسبوعين، كلف الدولة العبرية قرابة الأربعين قتيلا، فضلا عن ملايين الدولارات من الخسائر الاقتصادية، وفوق كل ذلك كلفها سمعة جنرال الحرب الأرفع فيها أرئيل شارون والأمن الفردي لمواطنيها. اختطاف؟ إسرائيل اختطفت العشرات من نشطاء الانتفاضة منذ انطلاقها قبل أكثر من عام، فماذا كانت النتيجة؟ هل فترت الانتفاضة؟ قتل أطفال؟ كما فعلت في خان يونس قبل أسبوعين عندما استشهد خمسة من التلاميذ الأطفال من عائلة الأسطل بعبوة ناسفة زرعها جيش الاحتلال، وقبلهم بشهور إيمان حجو، وملاك، وإياد، ومحمد الدرة، وفارس عودة..ألخ..ماذا كانت النتيجة هل يماري عاقل أن الأطفال لا زالوا هم قادة الانتفاضة في فلسطين..إذن هل نجح التخويف والقتل الإرهابي الصهيوني؟

ماذا بقي؟ الكثير من الجرائم تمارسها إسرائيل لقمع الانتفاضة، ولكنها كلها أججت الانتفاضة أكثر وأكثر..لقد جربت الحكومة الصهيونية طائرات أباتشي، وأف 16، وراجمات الصواريخ برا وبحرا، كما أغرقت المناطق الفلسطينية الواقعة تحت حكم سلطة الذاتي الفلسطينية العاجزة والخائرة، بقذائف المدفعيات والرشاشات الثقيلة، وقصفت مقار السلطة وأجهزها الأمنية. والنتيجة مزيد من التصعيد والتحدي الفلسطيني. أكثر من ذلك أسقطت الانتفاضة أسطورة الجنرال الذي لا يهزم أرئيل شارون. فوعد المائة يوم الذي قطعه على نفسه أمام ناخبيه لسحق الانتفاضة بعيد انتخابه ارتد إليه، وها هو بعد أكثر من ثمانية أشهر من الحكم يكافح من أجل بقائه في رئاسة حكومة آيلة للسقوط أو الإنشقاقات.

في حين تزداد الانتفاضة اشتعالا وتوهجا. إذن، آخر سهم في الجعبة الصهيونية المتشددة "انحنى" أمام المطارق الفلسطينية التي يوجهها أطفال شعب يبحثون عن موت فضائه أرحب من سماء احتلال لم يبق لهم مستقبلا ولا خيارات. وبعد هذا كله لم يبق للحكومة الصهيونية، إلا أن تستخدم أسلحتها النووية والكيماوية والبيولوجية. ولا أشك أنهم كانوا سيستخدمونها لولا خوفهم من أن ترتد عليهم لضيق مساحة فلسطين.

وأمام كل تلك الهزائم، والفشل الذريع في قمع الانتفاضة لم يبق أمام دولة الاحتلال إلا أن توجه سهام بطشها وظلمها إلى الخارج، لإلقاء ذريعة فشلها داخليا عليها..وهذا ما كان. الانتفاضة الفلسطينية تمول من الخارج. وهؤلاء الأطفال ينشئون على "عقيدة الانتحار" في المدارس. والشهداء يموتون برصاصنا لأنهم يعلمون أن المسلمين لن يذروا يتامى وأرامل بدون مد يد العون لهم، وغير هذه من الأكاذيب.

وبما أن الأمر كذلك، فإن أكبر المؤسسات الخيرية والإغاثية التي ترعى محتاجي ويتامى وأرامل فلسطين، هي مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية.. إذا لا بد من توجيه آلة الحرب الإسرائيلية إليها، خصوصا -وهنا يحصل التداخل ما بين الشأن الأميركي والشأن الإسرائيلي- أن انتخابات الكونغرس والولايات على الأبواب، واللوبي الصهيوني قوي في أميركا، والرئيس بحاجة إلى دعمه، حيث يخوض أخوه جيف بوش حاكم ولاية فلوريد الانتخابات قريبا لمنصب حاكم الولاية، وأصوات اليهود هنا لها أهمية، وقبل ذلك أموالهم وآلتهم الإعلامية.

وهنا يقع زواج المصالح الأميركي الإسرائيلي في جانب منه-طبعا الأمر أكثر تشعبا وتعقيدا من ذلك-ويكون الثمن أو قل الهدية أو حتى "الرشوة" الجمهورية إن شئت القول لشارون إغلاق مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية دون أي محاكمة قضائية، ودون أدلة ودون تمكين الطرف المدعى عليه من أن يدافع عن نفسه، في الوقت الذي ارتاح فيه المدعي من تقديم أدلة!

وفي السياق الأميركي الداخلي أيضا، وجدت الإدارة الأميركية الجمهورية، أنها باستهدافها لمؤسسة إغاثة خيرية تركز في إغاثتها على الشعب الفلسطيني، خير وسيلة للإيحاء أن تعريفها للإرهاب هو تعريف مطاطي وفضفاض، بحيث أنه لا يشمل فقط مجرمي الحادي عشر من سبتمبر ومن يقف ورائهم-والذين بالمناسبة لا زلنا لا نعرفهم إلى الآن-بل أنه سيتوسع ليشمل آخرين من مثل العراق، والصومال، وسوريا، وإيران، والسودان وغيرها الكثير من الدول، وإن كانت قد تفهم أيضا أن الخطوة التالية هي فصائل المقاومة الإسلامية الفلسطينية.

ولا أريد أن أبتعد عن النقطة الأخيرة قبل أن أشير إلى بعد آخر فيها مرتبط بجاليتنا الأميركية المسلمة. فقرار بوش الأخير له معان كثيرة أخرى تنعكس علينا كجالية عربية ومسلمة أميركية. فأولا: هو استهدف أكبر منظمة خيرية إغاثية إسلامية.. وهي بمثابة رسالة أن العمل الخيري والإغاثي الإسلامي لم يعد مرحبا به في أميركا. ثانيا: استخدام "قرار تنفيذي" لتجميد أموال المؤسسة، يحمل رسالة واضحة ما فتئ وزير العدل الأميركي جون أشكروفت والرئيس الأميركي نفسه يؤكدانها ضمنيا وهي أن الحقوق المدنية والسياسية الدستورية للعرب والمسلمين الأميركيين لم تعد أمرا معتدا به، ومن ثمّ فهم دائما ما يتحدثون عن المحاكم العسكرية، والسجن والاعتقال بدون تهم ولا أدلة لعرب ومسلمين، وتعقبهم والتجسس عليهم..ألخ. فضلا عن أنها حملت بعدا ثالثا وهو الأهم، فلم يعد القضاء فيصلا في الحكم، فإن كنا في الماضي نحارب التمييز ضد جاليتنا عبر القضاء فإننا اليوم أمام "مكارثية بوش" مطبقة علينا، ولكنها غير معلنة تنفذها الإدارة الأميركية الجمهورية الحالية ضد جاليتنا!

والغريب أن الرئيس بوش لا يترك موقفا إلا ويعلن فيه احترامه للإسلام والمسلمين ويحذر من الاعتداء عليهم، معتبرا أن المسلمين الأميركيين جزء معتبر من الأمة الأميركية الواحدة، لقد أعلن ذلك منذ شهرين تقريبا عندما زار مركزا إسلاميا في واشنطن، ثم كرر نفس الأمر مرات عديدة، آخرها خلال زيارته الأسبوع الماضي لولاية فلوريدا..ولكن أفعال إدارته تخالف تصريحات فخامته. "الإسلام دين سلام وعدل".. "أسامة بن لادن اختطف الإسلام وتعاليمه السمحة لخدمة أهدافه الشريرة".. "المسلمون الأميركيون مخلصون لأميركا".. هذه كلمات الرئيس بوش.

في المقابل نجد أن قوانين مكافحة الإرهاب تستهدفهم.. التنصت والتجسس صمم خصيصا لهم.. محاكم عسكرية.. وإعتقالات بدون محاكمات ولا تهم ولأتفه الأسباب.. حرية التعبير لهم أصبحت دفاعا عن الإرهاب.. أليست هذه ”مكارثية" جديدة يطبقها الرئيس بوش وإدارته على الجالية العربية والأميركية المسلمة؟ أليست هذه معتقلات جماعية معنوية تضعنا هذه الإدارة الجمهورية فيها؟. نعم إنها معتقلات جماعية، وحصار أخطر من تلك التجربة التي نفذتها أميركا في أربعينيات القرن الماضي ضد الجالية اليابانية الأميركية، والتي ننظر لها الآن كأميركيين بمزيد من الخجل!

أكثر من ذلك الرئيس بوش لا يترك فرصة شاردة ولا واردة، إلا ويؤكد فيها "هذه ليست حربا على الإسلام".. "هذه حرب ضد إرهابيين شوهوا الإسلام". حسن، كلام جميل، خاصة بعد أن أصبح بوش وأركان إدارته والمعلقون السياسيون والإعلاميون الغربيون علماء ذوي قرار في الفتوى وتعليم الأمة الإسلام الصحيح!

ولكن في المقابل نجد على الصعيد العملي أن الرئيس وإدارته يتعاملون مع ما وصف بأنه زلة لسان عندما أعلنها "حربا صليبية جديدة" على أنها أساس وقاعدة هذه الحرب..وإلا فكيف نفسر كل هذه الحقائق.. الهدف التالي المقاومة الفلسطينية الإسلامية، العراق، الصومال، اليمن، السودان، سوريا، إيران..ألخ، وقبل كل ذلك العمل الخيري الإسلامي والذي يبدوا أن "الهولي لاند فونديشن-المؤسسة الأميركية" (مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية)، أول قطرات الندى فيه، لا آخرها..علاوة على أن استهداف المنظمات الأميركية العربية والإسلامية، الإعلامية والسياسية منها يبدوا أنه قادم أيضا في الطريق.

يا سيادة الرئيس ليس المهم بالنسبة لنا ما تقوله عنا كجالية أميركية معتبرة ومحترمة، ونحن فعلا كذلك.. وليس المهم ما تؤكده لنا وللعالم الإسلامي أن الحرب ليست على الإسلام..المهم عندنا ماذا يجري فعلا على أرض الواقع.

وقبل أن أختم أحب أن أقول لمؤسساتنا العربية والإسلامية الأميركية، دعوكم من التفكير المصلحي الذاتي، نحن كجالية لم نفوضكم لتكونوا ناطقين باسمنا أو لتمثيلنا.. لكننا لا نمانع إن أحسنتم تمثيلنا وعبرتم عن قناعاتنا أن تقودونا..من غير المقبول أن تعلنوا أنفسكم قيادات عند وجود العطايا، وتغيبوا وقت دفع ضريبة القيادة..نحن لا نريد أن تنشروا لنا صوركم مع الرئيس ومع هذا الوزير أو ذاك "لتشللوا" بها أعيننا.. نحن لا نريد منكم أن تشذوا أسماعنا بأخبار إفطاراتكم الرمضانية في هذه الوزارة أو تلك.. وأن تحملونا "جمائل"طرحكم لقضايانا مع هذا المسؤول أو ذاك..في حين أنكم فعلا لا تزيدوا عن كونكم مستمعين.. أو شاكرين للجهود الكبيرة التي تبذلها حكومتنا لصالح جاليتنا!، أو ربما في أحسن الأحوال تطرحوا بعض قضايانا على استحياء، لتملئوا بها بياناتكم، بأن مسؤول المنظمة الفلانية ناقش مع الرئيس، أو مع ذاك الوزير القضية الفلانية..في حين نرى في الواقع "الغاما" تنصب للجالية.

نعم، يجب أن نقف كمؤسسات صفا واحدا وقويا، فالدور قادم على الجميع.. الإفطارات والصور مع المسؤولين ليس هي ما نريد.. ما نريده موقفا موحدا "ضد مكارثية إدارة بوش".. نريد موقفا موحدا لصالح جاليتنا وحقوقها المدنية والسياسية.. نريد موقفا موحدا لحماية الدستور الأميركي من "تغول" السلطة التنفيذية عليه.. نريد موقفا موحدا لحماية أميركا وإرشادها لمصالحها الحقيقية، لأن مصلحتها مصلحتنا ورفاهها رفاهنا، وقوتها هي قوتنا.

أما جاليتنا، فيجب أن تدرك أن هذه المؤسسات بدوننا كجالية لن تستطيع الصمود، ولن تتمكن من تحقيق الانتصارات الدستورية لصالح جاليتنا..الحملة تستهدف الجميع، وستطال الجميع إن سكتنا وانسحبنا من ساحة معركة الحقوق المدنية والسياسية والدستورية.

ونقول بصوت الجالية كلها: "إن كانت مؤسسة الأرض المقدسة فعلا خالفت قوانين بلدنا أميركا فقدموها لنا ونحن كفيلون بأن لا يدخلها دولار واحد من جيوبنا.. وعندها ستغلق أبوابها طوعا"، أما غير ذلك من قرارات غير دستورية، فلا تفعل أكثر من أنها تزيد شعورنا بأننا وديننا محل استهداف، لأننا عرب ومسلمون. وهنا المشكلة!

أسامة أبو ارشيد*

رئيس تحرير صحيفة الزيتونة-واشنطن

alzaitonah@aol.com