هل هناك مَن يروج لـ'حكاية كيمياوي' سورية؟

لم يتوقف الحديث عن استعمال السلاح الكيمياوي في سوريا منذ أن عبر الرئيس الأميركي باراك اوباما عن قلقه من إمكانية أن يلجأ النظام إلى استعمال ذلك السلاح في التصدي لجموع المقاتلين المعارضين، الذين ظن الكثيرون ومنهم اوباما نفسه أن النظام لن يصمد طويلا أمام هجماتهم. هل كان القلق الامريكي مبنيا على حسابات خاطئة، أم أن المعلومات الاستخبارية كانت مضللة؟

بعد أكثر من سنتين على الحرب الشرسة التي تشهدها سوريا عاد الحديث بقوة هذه المرة عن استعمال جهة ما لغاز كيمياوي. بريطانيا هي التي روجت للخبر الأخير باعتباره واحدا من اكتشافاتها. وكما هو معروف فان بريطانيا قد فشلت في اقناع دول الاتحاد الاوربي في التخلي عن موقفها المعارض لتسليح الجماعات السورية المسلحة المناهضة للنظام ومنها الجيش السوري الحر. في وقت سابق كان النظام قد رفض نشر خبراء الامم المتحدة على كامل التراب السوري لانه لا يرغب في تكرار تجربة العراق المريرة مع المفتشين الدوليين الذين تبين في ما بعد أن عددا منهم كانوا جواسيس.

بالنسبة للبعض فان ذلك الرفض سيكون مدعاة لشكوكهم الموجودة سلفا. وهي شكوك كانت دائما سابقة لأوانها، بسبب ما ترمي إليه من أهداف مبيتة. ويبدو ان توقيت الترويج لأخبار الكيمياوي قد ارتبطت بالوقائع التي يشهدها الصراع الدموي الدائر على الارض، أكثر من تعبيرها عن حقائق ملموسة يمكن الاستدلال من خلالها إلى اللحظة التي يكون فيها النظام مضطرا لاستخدام السلاح الكيمياوي، وهو كما معروف سلاح يلحق الضرر بالتجمعات المدنية ولا يمكنه أن يؤدي الى تحقيق أي تفوق يذكر على مجموعات مسلحة تمارس القتال باسلوب حرب العصابات.

كان الرئيس الاميركي حين عبر عن قلقه أول مرة يتوقع أن ينهار النظام ولا يصمد، فيكون ذلك الانهيار سببا للجوئه إلى استعمال الغازات في محاولة منه لالحاق أكبر ضرر ممكن بسكان المدن المناهضة له. وهي محاولة انتقامية يائسة لن يكون لها تأثيرعلى مجريات الصراع. ولأن ذلك الانهيار لم يقع فقد اكتفت الادارة الاميركية بالتحذير ولم تبالغ في تقديراتها. اما وقد دخلت بريطانيا على خط التأكيد هذه المرة، فذلك الموقف لا يصدر من فراغ. علينا ان نتذكر أن بريطانيا كانت دائما تميل إلى التدخل العسكري الغربي لحسم الصراع لصالح المعارضة واسقاط النظام بالقوة. وهو ما بدا مستحيلا في ظل الموقفين الروسي والصيني في مجلس الامن. كما أن بريطانيا، كما قلت سابقا كانت قد وجدت في تسليح المعارضة البديل المتاح للتدخل العسكري. هذا البديل لم يقابل بالاستحسان من قبل حليفاتها في الاتحاد الاوربي. لهذا يمكننا في سياق تفحص الموقف البريطاني من الحرب في سوريا أن بريطاني قد لجأت إلى الترويج لحكاية الكيمياوي باعتبارها ورقة ضغط، يمكن أن تنهار أمامها سدود الممانعة الاوربية، خاصة وان الامين العام للامم المتحدة لا يزال مصرا على طلبه الذي رفضت سوريا تنفيذه، ولا يتوقع أحد أنها ستتراجع يوما عن ذلك الرفض.

لو ذهبنا إلى الوقائع على الارض، فان هناك ما يدعو بريطانيا إلى القلق فعلا.

لقد شهدت الاسابيع الاخيرة تفوقا حققه الجيش الرسمي في الكثير من جبهات القتال. هذا التفوق لا يعبر عن نفسه من خلال المواقع الحيوية التي صار ذلك الجيش يستعيد السيطرة عليها، بل وأيضا من خلال الخسائر التي صارت قوات المعارضة تتكبدها.

ذلك التحول وإن كان يضمن وقوع المزيد من الخراب في سوريا، وهو أمر بات مطلوبا، فانه يقوي موقف النظام في أية مفاوضات مرتقبة. وهو ما لا تستسيغه بريطانيا وسواها من الدول الداعية لاسقاط النظام، بأي ثمن وبغض النظر عن الجهة التي تدفع ذلك الثمن. ولان صفحة النظام ليست بيضاء في مجال ارتكاب جرائم الانسانية فلا بأس من أن تضاف إلى تلك الصفحة جريمة جديدة لن يتردد البعض في تصديقها.

لقد سبقت أميركا بريطانيا في الكذب في هذا المجال بالذات. عام 2003 وفي مجلس الامن وقف كولن باول ليؤكد قدرة العراق المتقدمة في مجال اسلحة الدمار الشامل من خلال صور توضيحية، تبين انها ملفقة. لقد اعترف باول في ما بعد انه كان يكذب. لكن كذبته مرت لتدمر بلدا.