هل نفهم رسالة ضرب سوريا

بقلم: محمد الحمامصي

بعيداً عن التلفيق والتزوير الأمريكي الإسرائيلي لمبررات الضربة الصهيونية لسوريا، فإنها تمثل رسالة واضحة للأنظمة العربية والإسلامية أراد بها الكيان الصهيوني أن يقول أن إسرائيل أصبحت من هذا التاريخ هي القوى صاحبة السيادة والحاكمة للمنطقة والمهيمنة عليها (وبالطبع نحن نعرف أنها كذلك من دون ضرب)، وأن على الجميع أن يرضخ لمطامعها وأحلامها وفقاً للشروط التي تمليها، وأن يتخلى ـ الجميع أيضا ـ عن كافة مسئولياته وواجباته الحضارية والدينية والأمنية وغيرها، ولا مانع من أن يتهود (أي يصبح صهيونياًَ) إن استطاع سراً كان أو خفية، وهي أيضاً رسالة الى إيران أن موعد ضرب منشآتها النووية (ما لم تراجع نفسها) قد أصبح وشيكاً، وأعتقد أن الصهاينة التي يقودهم بوش في واشنطن، قد فرحوا واستبشروا خيراً بهذه الخطوة الكبيرة من جانب الكيان في تل أبيب، حيث أن ذلك سيريحهم من مغبة إرسال قوات إضافية لضرب السوريين قد تضطرهم الى احتلالهم، وهم الذين لم يفيقوا بعد من احتلال أفغانستان والعراق، وكما سيوفر لهم الأمان في حال ضرب إيران وتقسيم العراق الى دويلات، وهكذا تأكد لهم أن الخطى الصهيونية بين تل أبيب وواشنطن تسير بنجاح كبير ووفق تطابق تام في الاستراتيجية، باعتبار إن إسرائيل سوف تتكفل بإنجاز أي مهام داخل المنطقة العربية من تأمين وتأديب وتهذيب وإصلاح.
وهنا يبدو الشرط الأمريكي الذي يربط نيل الرضى السامي من تل أبيب بالحصول على أي نوع من المساعدات أو التحالفات معها أكثر من مبرر، إذ كيف تتعاون أو تمنح أو ترضى عن دولة تكن العداء أو تلوح بعدم الرضى عن تل أبيب وقياداتها الإرهابية، وقد صمتت واشنطن وما أعلن ليس إلا من قبيل الرضى عما ارتكبه الكيان الصهيوني في تل أبيب، ماذا نفهم من كلام مثل "أكدنا مراراً للحكومة السورية أنها في الموقع الغلط من الحرب على الإرهاب وانه يجب عليها أن تتوقف عن إيواء الإرهابيين" وقول يوش " ينبغي الا تشعر اسرائيل باي قيود في الدفاع عن نفسها".. إنها العصا ذات الثقل النووي والبيولوجي والكيميائي التي ستؤدب بها واشنطن كل من تسول له نفسه معارضة سياستها نحو تقسيم وتغيير الشرق الأوسط كيانات على الأرض وشعوباً.
وبمناسبة هذه الضربة التي أسقطت تسع عشر شهيداً مدنياً وعشرات الجرحى، بينما نغط في سبات عميق من بعد أن امتلأت بطوننا من الفساد والسرقة فترهلت أجسادنا وأرواحنا وتهرأت عقولنا، أمرتني زوجتي ــ لا أدري قبل الضربة أم بعدها ــ بأن أبدأ في التخلص من أكوام أرشيف المقالات والحوارات التي اعتدت على جمعها لكبار الكتاب طوال سنوات، فانصعت لأمرها وقلت أراجعها المهم أبقيه وغير المهم أتخلص منه، وأمسكت حزمة وفرتها أمامي على المكتب وبدأت في القصقصة، كانت هذه الحزمة تضم مقالات عام 1993 من جرائد مختلفة منها الحياة والأهرام، وقد دهشت أن هذه اللغة التي كنا نكتب بها في هذا الوقت قد تراجعت تماماً الآن لحساب الاستراتيجية الصهيونية الأمريكية، كما استشرفت الكثير من هذه المقالات ما يحدث الآن أو في سبيله للحدوث مستقبلاً، ولأن بعضاً مما جاء في مقال نشرته جريدة الأهرام بعنوان (العقول المحتلة ـ 9/7/1994) يرتبط بما يحدث الآن من احتلال للعراق وضرب لسوريا وحملات تهديدية للمملكة العربية السعودية، هذا على الرغم من أن الكثير منه معروف مسبقاً، لكننا للأسف نتجاهله عمداً مع سبق الإصرار والترصد، وذلك بحجة أنه كلام ليس له مصداقية كبيرة، ولكن لأن مصداقية هذا الكلام قاربت أن تتحقق على أرض الواقع، فإنني أورد منه التالي : "في الخريطة المرفقة (يتصدر القلب من المقال خريطة كتب عليها إسرائيل الكبرى كما رسمها هرتزل عام 1904) التي رسمها هرتزل عام 1904 والحاخام فيتسمان سنة 1947 نلاحظ أن إسرائيل تمتد من النيل الى الفرات وتشمل لبنان وسوريا والكويت وبعض دول الخليج وبعض العراق وشمال الجزيرة العربية ..
هل هو خيال ...؟!
وما الخطة التي كانت في ذهن هرتزل وفي ذهن الحاخام وهما يرسمان تلك الخريطة على أرض دول لها كيان ولها وجود ولها تاريخ.
إن الوسيلة الوحيدة هي أن تصبح هذه الدول أنقاضاً في البداية.
إنه التفتيت .. والتقسيم الى شراذم وأنقاض.
إنها نفس الخطة التي قدمها الكاتب الصهيوني برنارد لويس وعرضها على الكونجرس الأمريكي في جلسة سرية أمام ريجان، وفي الخطة يتم تقسيم لبنان الى دويلات وكانتونات، كانتون ماروني وكانتون كتائبي وكانتون إسلامي وكانتون درزي وكانتون فلسطيني وكانتون إسرائيلي، ثم العراق يقسم الى ثلاث دويلات دويلة كردية في الشمال ودويلة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط، ثم المملكة العربية السعودية يقسمونها الى دولة الإحساء الشيعية في شرق الجزيرة العربية ودولة نجد السنية في الوسط ودولة الحجاز في السنية بطول شاطئ البحر الأحمر من شماله لجنوبه شاملة اليمن .."
يكفي هذا من مقال د. مصطفى محمود، حيث أن الأحداث التي يمكن أن تجري بعد أعمال التفتيت والتقسيم يسهل التنبؤ بها، فالصراع سوف يشتعل في كل مكان على الثروة والأرض، وسوف يتطور الى حروب طائفية دامية، وسوف تطل إسرائيل من فوق الجميع بعصاها لتلم هذا وتهدد ذاك وتهدد تلك، فاردة كامل سيطرتها وسالبة كافة الثروات والمقدرات وغيرهما على المنطقة هنا الى هنا .. وحتى في حال لم يتم التقسيم الفعلي لدول المنطقة على الأرض، فما يتم الآن من عزل الدول وإرهابها بحيث كل دولة تلزم حدودها ولا تتعداها قولاً وفعلاً وعملاً، أي أن تهرب بجلدها من أي مواجهة تضطر فيها الدفاع عن شقيق أو جار أو حتى عن نفسها، أمر ألعن مليون مرة من التقسيم الفعلي على الأرض ..
إن ضرب سوريا لمن يعقلون رسالة لابد من تقليبها وتقييمها مئات المرات واتخاذ وسائل ردع تكفل عدم التجرؤ بالقيام بمثلها، وإلا! محمد الحمامصي، كاتب وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com