هل نعرف أمريكا؟

بقلم: د. اسد محمد

تقدم لنا وسائل الإعلام المختلفة وفي أحايين كثيرة، سؤالا محددا، هل نعرف أمريكا، ولكثرة ما تردد هذا السؤال، طرحته على نفسي وبالطريقة نفسها التي يطرحها الإنسان العادي، وفي المقدار نفسه، الإنسان المتتبع لما يدور حوله من أحداث، أرقني السؤال بالفعل إلى حد مساءلة نفسي حول أمريكا، قرأت بعض الكتب والدراسات عنها، وجدت أنني أخوض في عالم بوهمي، يدك خيالي، ويزيدني غموضا، وأنا الشخص الذي لم يقابل أمريكيا في حياته، ناهيك أنني لا أعرف من الإنكليزية أكثر من بضع جمل ركيكة. لكن السؤال من الجدية أخذني إليه أكثر مما تصورت، وانسقت وراءه أبحث وأفكر. وفي لحظة من تأمل وجدت أنه لا داعي لي كي أسافر مثلا إلى أمريكا لمعرفتها، بعد أن اكتشفت مدى قربها مني، شعرت وكأن تفاحة نيوتن قد انجذبت إلى الأرض أمامي، وتساءلت: كيف بي لا أعرفها وهي موجودة بيننا في تفاصيل دقيقة، بدءا ما تنتجه من مواد استهلاكية (الهمبرغر وأخواته، الكولا و بقية أفراد عائلتها، والمعلبات التي لاتعد ولا تحصى..)، وهي مواد أتعامل معها بشكل حسي يومي، وتعتمل فيّ ما تعتمل من استهلاك واستهلال.. وومواد معرفية و إعلامية (سينما، تلفاز، صحافة، كتب، انترنيت، وخدمات أخرى..) وهي جزء لا يتجزأ من يوميات أي شخص منا.
وبعد "بحبشة" غير سريعة وجدت أن أرضنا العربية وترابنا الطاهر انسكبت وتنسكب عليه دماء أمريكية بدءا من الصومال مرورا بلبنان والكويت وانتهاء بالعراق الحبيب، وهذا هو الوجه الأقرب والأكثر حضورا في حياتنا كونه يمثل البعد الروحي والثقافي والأخلاقي لحياة البشر، ودون الذهاب بعيدا، فأمريكا موجودة وبشكل أكبر وأعمق في حياتنا عبر الصراع العربي – الصهيوني، وهذا الصراع الجوهري يمسنا جميعا.
إضافة إلى تواجد القواعد العسكرية الأمريكية في أماكن شتى من أراضينا، وما أدراك ما هذه القواعد.
إذن أمريكا ليست بعيدة عنا؟ ولا أتساءل الآن حول هذا التواجد الحسي – المادي المباشر كوجود الدم في العروق، ولا عن التواجد الخفي والمؤثر بشقيه الكمي والنوعي، بل أتساءل حول مغزى هذا التواجد وأبعاده وإمكانية معرفة أمريكا بوضع هذا الكم والنوع الأمريكي الخاص بنا تحت المجهر.
لا داعي للذهاب بعيدا من أجل البحث، فمن الواقع المعاش يمكننا أن نفهم ما تريده أمريكا منا كعرب، وهذا من الأهمية لنا بمكان في التعامل مع مشروع إمبراطوري – توسعي لم يبلغ بعد ذروته .. إضافة إلى جعل أمريكا ترى نفسها من خلالنا.
نحن موضع اختبار وتجري أمريكا علينا تجارب يومية حول كيفية تمرير مشروعها الإمبراطوري كونيا وتأسيس للقرن القادم وفق نظريتها التوسعية حول هذا المشروع، ومن السهل بمكان ملاحظة ما يجري في منطقتنا من تطويع وتغيير وتهديد وترويع والأثمان التي ندفعها وإياهم غالية.
نعم، أمريكا ليست قريبة منا وحسب، بل هي تعيش معنا، في الليل والنهار، وفي السر والعلانية، وهذه ليست مبالغة، وليست كلها شرور، ففي الشق العسكري طموحات سلطوية، وفي الشق الاستهلاكي طموحات لشركات، وفي الشق الثقافي تواصل اجتماعي، أمريكا كما هي موجودة بيننا :
1- سلطة عسكرية – توسعية.
2- مجتمع إيجابي، أهدافه تختلف عن أهداف السلطة.
3- شركات.
ولنا أهداف مشتركة ونبيلة مع المجتمع الأمريكي الذي يتأذى من النظام الذي يسلك السلوك الإمبراطوري التوليتاري وما ينجم عنه من تداعيات خطيرة سنرى نتائجها قريبا، مثل انهيار النظام الإمبراطوري بفعل عوامله الداخلية قبل كل شيء - والأهم بأن العالم لن يشهد ظهور نظام إمبراطوري جديد،كما يحدث في العادة، سقوط وصعود قوة عظمى، بل سنشهد ولادة نظام كوني جديد، لا توجد فيه أقطاب كبرى بالمعنى العسكري، وتكون فيه قوة الجيش أقل تأثيرا - وأدعي كعربي أنه لدينا مدرسة مفتوحة نتعلم فيها مَن هي أمريكا، ولدينا أجوبة هامة حول النهج الذي تتبعه على الأقل بالنسبة لعلاقتها مع الخارج الذي يمكن من خلاله كشف بنيتها الداخلية..
والآن تنضج ظروف جديدة كشفت عنها حرب العراق، والمتابع لها سيجد بأن قوة أمريكا أضعف على الضرب في العمق الاجتماعي لأي كيان كان، وهي تجربة مرت بها في فيتنام وتمر بها الآن، وعلى العكس، الضربات تعود بالسلب على بنيانها وهذا عامل آخر سيقوضها، وأعتقد بأن حرب العراق ستكون آخر الحروب الكبرى في العالم الذي يتجه نحو بلورة توحد من نوع البناء – التحتي – الاجتماعي على حساب خسائر النظام السلطوي، وهذه الخسائر (ضعف القدرة على الغزو، التواصل الاجتماعي المتزايد، عدم القدرة على تلبية احتياجات الجيش...) هي التي تبشر بواقع مختلف أساسه المجتمع بكياناته المختلفة.

د. أسد محمد
كاتب سوري assadm20005@gawab.com