هل من وقفة مع الرواية الحربية؟

بقلم: السيد نجم
في انتظار رواية عن الحرب الاهلية اللبنانية

تتردد بين الحين والحين مقولات حول الرواية الحربية، وهو ما شغلني شخصيا منذ تجربة حرب أكتوبر 1973. وقد دفعني للكتابة في هذا الموضوع العديد من المقالات وكتاب"الحرب:الفكرة –التجربة- الإبداع" ثم كتاب "المقاومة و الأدب"، وتحت الطبع كتاب "المقاومة في الأدب العربي".. حيث اننا في الوطن العربي لم نتفق حتى الآن حول مفهوم "الرواية الحربية"!!
مجددا أجدنى أسطر تلك السطور بعد قراءة مقال "رواية الحرب اللبنانية...متى تكتب؟" بقلم د.جورج جحا المنشور في عدد512 ربيع الآخر1422/ يوليو2001 بمجلة العربي.
لماذا نحن هكذا في الوطن العربي نتلذذ بسلخ الذات، والتقليل من معطياتنا؟ أقول ذلك بمناسبة ما كتبه الناقد د.جورج جحا ومن قبله عدد من النقاد هنا أو هناك. وكان محور نقد الرواية الحربية: "أنها لم تكتب بعد"..!.هذا ما قيل في مصر ولبنان وسوريا و الكويت وفى غيرها من البلدان العربية صاحبة التجارب الحربية!!
أظن أنه حكم قاس وربما جائر أيضا، هاهي ذي كتابات غسان كنفاني، نبيل سليمان، ليلى العثماني، فاطمة العلي، إسماعيل فهد إسماعيل، عبد الستار ناصر، حيدر حيدر، مولود فرعون، محمد ديب، الياس خوري، رجاء نعمة، حنان الشيخ، جمال الغيطانى، يوسف القعيد، فؤاد حجازي، السيد نجم وغيرهم.. فلسنا في مجال الحصر والإحصاء.
المداخلة السابقة تشير بحسن نية إلى الكم، أن ما يقصده النقاد أن الرواية الحربية لم تكتب بالكم الكاف!!..ويبدو انه غير المعنى المقصود بتلك المقولة الخبيثة.
ربما يعنون –سامحهم الله- أن الرواية الحربية لم تكتب بالجودة الفنية المطلوبة؟!. ففي قراءة د. جورج تحديدا برر الناقد مقولاته ببعض المعطيات ثم قام بالتطبيق عليها عدد من الروايات الحربية اللبنانية: "الجبل الصغير/ الياس الخوري"، "حرب الشوارع/ شارل شهوان"، "تلة الزعرور/شكيب الخوري"، "البيت الكبير/ ربيع جابر"، "الظل و الصدى/ يوسف حبشي"، "بريد بيروت/ حنان الشيخ"، "حارث المياه/ هدى بركات"..وغيرها.
ترى كيف يرى الناقد "د.جورج" الرواية الحربية في التجربة اللبنانية؟
ان غالبية الروايات لم تحتو على شخصيات مرسومة بعناية، ومنها شخصيات كثيرة تحمل أفكارا مرسومة أو هي وسيلة لحمل أفكار الروائي. كثير من الأعمال لم يعكس اهتماما كافيا بالحدث الفعلي والذهني وتطويره، حتى أنها تتوقف وتعطل عمل قانون السببية الروائي.عدم قدرة الكتاب على تعرية الذات بملاحقة الأسباب وتدرجها. الافتقاد إلى رسم الآخر، فصورة الآخر غالبا مجهولة..ربما بسبب عدم قدرة الكتاب (بعضهم على الأقل) على التقمص وأن يعيش حياة الآخر. مشكلات الروائي اللبناني أنه يقرأ الماضي في الحاضر وهو ما خلق احجاما عندهم، وبالتالي لا يستطيع الكتابة بصدق كي لا يستفز الحاضر.. وبالتالي لم تتناول الرواية اللبنانية الحديث عما سبق الحرب.. وكذلك لا تحمل أغلب الروايات رؤية تخالف عما هو مألوف.. فأصبحت الحرب وكأنها جاءت فجأة. ثم جاء تسجيل الحرب (بشكل عام) بتصور تقليدي و سكوني.
وقد أورد الناقد بعض الأسباب التى جاءت بالرواية على تلك الصورة..أن الروائيين لم يعدوا لرواياتهم بالدرس و البحث الواجبتين، بل واتهمهم بالارتجال.

لعل ما يمكن للقارئ أن يخلص إليه بعد القراءة الأولى أن الناقد اتخذ من الخاص الفردي مأخذا عاما، وهذا التعميم هو الذي أدى إلى تلك النتيجة المفزعة، الا وهى "أن الرواية الحربية اللبنانية لم تكتب" كما قالها بعض النقاد من قبل في أرجاء الوطن العربي!!
دعونا نقولها هكذا بوضوح أكثر.. كثير من النقاد يستخدمون منهج المقارنة ببعض الأعمال العالمية المترجمة نموذجا، وأن ما كتب في الرواية الحربية العربية لم يصل إلى مستوى تلك الرواية أو غيرها. أذكر منها رواية "الحرب و السلام" لتولستوي، و"كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" لاريك ماريا ريمارك، و"ذهب مع الريح" لمرجريت ميتشل..وغيرها، وتلك الرواية التى أوردها الناقد في مقاله "رواية منزل القردة" للكاتب البريطاني جون فولرتون حول التجربة الحربية التى جرت أحداثها في سراييفو أثناء الحرب الأهلية هناك.
ولا رد يقال هاهنا سوى أن الفروق الفردية بين الروائيين عموما، عرب و غيرهم، وحتى بين العرب وبعضهم..يعتبر قضية أخرى. ترى كم كاتب روسي كتب في التجربة الحربية وكتب رواية على مستوى "الحرب والسلام"؟! وهكذا يمكن ملاحقة الأعمال كلها. ما أخذه النقاد على الرواية الحربية العربية والآن نضيف على خلاصة ما رصدته الأقلام النقدية العربية حول الرواية الحربية العربية، وأيضا جاءت ضمنا بقلم الناقد د.جورج جحا، ألا وهي:
التسجيلية.. التى هي المباشرة في العرض دون البحث عن العلاقات الخفية و المركبة.فقد تغلب الروائي حماسته فيعجز الجانب الفنى المرجو في أى عمل فنى.
لا تأتى المباشرة وحدها، بل و الخطابية التى إن وجدت تبقى أكثر فجاجة في أى عمل فنى. فالرواية في الحقيقة موازية لعالم الواقع ولا تماثله حتى في التجارب الكبرى مثل التجربة الحربية، ويبقى على الروائي إعادة صياغة الواقع واعادة تشكيله..وهو ما يعد من الفروق الفردية حتى في غير الرواية الحربية.
ولا نحرج – بالرغم مما سبق- الإشارة إلى أن الرواية الحربية لها خصوصيتها المتمثلة في خصوصية تجربتها، من القول بأن الرواية الحربية تحمل قدرا أكبر وأشمل من التسجلية..ربما يفوق أي رواية حول أى تجربة أخرى، ولا نتنازل عن التسجلية الفنية على كل حال.
فالرمال و الصحراء و عناصر الطبيعة الأخرى..هي هي التى يراها المقاتل في أوقات الحرب، إلا أنها غير تلك التى يعرف أثناء الحروب – ومن خاض التجربة عمليا يعي تلك الحقيقة- فالقمر الذي نعرف ليس هو الذي يراه المقاتل على أرض المعركة..!كيف لا يرصد المبدع تلك العلاقات الغامضة وكيف لا يسجلها. لكنها أبدا ليست هي التسجيلية الباردة أو المجردة!!
ثم تأتي الأيديولوجية..أو الصوت الزاعق أو الانتماءات السياسية، وهو المأخذ الثاني. فلا الرواية الحربية تسجيلية ولا هي أيديولوجية..بل إنسانية في المقام الأول وهو التناقض الذى قد لا يعيه البعض. خصوصا أن الرواية من الفنون النثرية التى قد تشجع البعض على الخطابية.فقد صورت بعض الأعمال (مثلا) لحظة الاستشهاد و كأنها لحظة زفاف عرس..وهو من المبالغة و الادعاء ما يفوق فنية الأعمال الجيدة على كل حال (مهما كانت رؤيتنا الأيديولوجية)، فالنفس البشرية جبلت على حب الحياة!!
تبقى الرواية الحربية هي الرواية الإنسانية التى تعالج تجربة شديدة الخصوصية، حيث الموت مقابل الحياة، وقبله مقاتلة الخوف والحيرة والقلق والنفس اللوامة..الخ. وقد عبر "شو" عن ذلك بقوله:
"إن الفن هو المرآة السحرية التى تقوم بعكس الأحلام غير المرئية وتحويلها إلى صورة مرئية، فأنت تنظر إلى المرآة لترى وجهك، وتنظر إلى الأعمال الأدبية لترى روحك".
والسؤال الهام الآن:
"كيف تتحقق المعادلة، أن تكتب الرواية الحربية التى تعنى بالتسجيلية المعاشة وأيضا تعنى بالقيم العليا دون أن تتعلق عينا الروائي بالسحاب غافلا آثار أقدامه و أقدام غير من المقاتلين من حوله..آثارهم جميعا على الأرض؟"
وهى أيضا ضمن الفروق الفردية..ليست بين كاتب شهير وآخر، بل بين كتاب البلد الواحد. ما أدب الحرب..الرواية خصوصا؟ "أدب الحرب" هذا المسمى التائه تارة، الغائم تارة أخرى، شاع في حياتنا الثقافية العربية خلال العقدين الأخيرين إلا أننا لم نتفق بعد على تحديد التعريف الواضح له كمصطلح نقدي. وهو ما نتج عنه التباس واضح مع الأدب السياسي و التاريخي بل وأدب المقاومة.
خصوصية أدب الحرب مرتبطة بخصوصية التجربة الحربية المعايشة، ولا تعنى المعايشة أن يكون الكاتب و الشخوص بالعمل الإبداعي مارسوا القتال في ميدان المعركة، بل تكون المعايشة مثلا للأم المكلومة على ولدها و حتى جيرانها المقاتلون هناك..إذن فالزمان له دوره في تلك التجربة وآلا أصبح أدبا تاريخيا. فمن يكتب عن الحروب الصليبية الآن يكتب أدبا تاريخيا ولا يكتب في أدب الحرب.
قال ارنست هيمنجواي ملخصا التجربة الحربية من خلال زاوية رؤية خاصة..قال:"إن حياة المحارب مصارعة من أجل الأمعاء المفتوحة"!
أن ذلك المحارب الجائع..من الطعام حتى الأحلام، يشارك في تجربة هو صانعها، هو الراغب في الحياة..فاغر الفم، ملتهب الحواس والمشاعر. ومع ذلك يبقى دائما معبرا على نقده للحياة، حتى أن "كولردج" قال: "لعل أقسى وأشق تجربة بشرية هي تجربة المقاتلة بمراحلها و أشكالها. فيبدو أدب الحرب و كأنه التعبير عن الأضداد..الموت مقابل الحياة، رهافة المشاعر مقابل الشراسة إلى حد المقاتلة.
فالحرب هي الحرب..مهما كان السبب معقولا أو غير ذلك، لذا يبقى قادرا على خلق أدبه التحفزي والتعبوي (سواء الأدب الصهيوني التى يمجد الاعتداء على العرب، أم الأدب الياباني الذى يخلد الأعمال الانتحارية في الحرب العالمية قبل هزيمتها وعلى العكس من ذلك حتى الصمت – بعد الهزيمة).
لكن ليس كل ما أنتجته الحروب أدب تعبوي، وقد كتب البعض دفاعا عن الذات و الأرض و الهوية، بل وعن اللغة و الأدب ذاته. عموما العمل الإبداعي يمر بمراحل الاستجابة العفوية، ثم بحالة الوعى بأنه حارب، ليس فقط دفاعا عن النفس بل من أجل السحاب، وأنه جزء من جهاز قيمي يجب الدفاع عنه. أنها الثنائية الخفية الغامضة، تلك التى عاشها "ليوناردو دافنشى"..فلم تكن امرأة تلك التى وقفت أمامه ليرسمها بقدر ما كانت روحا تلبستها "الموناليزا". أطروحة علمية لعل آخر ما ناقشته الجامعات المصرية حول "أدب الحرب" تلك الأطروحة لنيل درجة الدكتوراه من الباحث "عبد المنعم أبو زيد" هي:"البناء الفنى لرواية الحرب في مصر من 1967 إلى 1995..دراسة تحليلية".
وقد خلص الباحث بعد تحليل لست عشرة رواية إلى عدد من النتائج منها:
- "أدب الحرب" هو الأدب الثوري الذى يناقش قضية قومية، تحمل فكرا أيديولوجيا وتاريخيا، ويجسد الصراع الدائر بين الأمة وأعدائها، نصرا أو هزيمة في ثوب فنى إنساني، لا يتقيد بالصرامة التاريخية، بقدر ما يعول على الخيال، واستبطان إنسانيات واقع الحرب، انسانيا وعسكريا وسياسيا، وتجمع بين الحقيقة التاريخية و الخيال. ويشمل مصطلح رواية الحرب، جميع النصوص الروائية التى جعلت من الحرب موضوعا لها، بشكل مباشر أو غير مباشر.
- إن الرواية هي أفضل الأشكال الأدبية للتعبير عن ظاهرة الحرب، لأنها تمتاز ببنية ثقافية منفتحة، وتستطيع استيعاب أبعاد الظاهرة.
- قلة الأعمال الروائية التى ناقشت الحرب عموما، ومع ذلك لم تلق تلك الأعمال الاهتمام النقدى الواجب.
- عدم وجود مفهوم مستقر لأدب الحرب.
- الفعل في الرواية الحربية ليس من تخليق الشخصية، وانما رد فعل لأعمال الآخر.
- كان تأثير المكان له أهمية خاصة كما لماضى الشخصية في منحها قدر الحيوية و الترابط بينها والشخصيات الأخرى (أهل و أحباب، وسكان الوطن). الخلاصة وان تعددت التناولات والآراء في تلك الأطروحة، فالحقيقة أن الرواية المعبرة عن تجربة الحرب لها خصائصها وملامحها.. وبالتالي خصوصيتها.وفى اجتهاد خاص للكاتب (السيد نجم) أشرت إلى تفاصيل تلك الخصائص من خلال تناولات عديدة (في كتاب الحرب:الفكرة-التجربة-الإبداع).
فالنظر إلى أنماط القص في أدب الحرب..هناك قص البطل و البطولة، وقص الإثارة والمواقف الصعبة، وقص الدفاع عن الحياة.
وبالنظر إلى الكاتب أو المبدع تتنوع الخصائص..فالكاتب المشارك للتجربة الحربية في الميدان غير ذاك الذى كتب بعيدا عنه. كما أن المراسل الحربي يكتب تلك الأعمال التى تتسم بالتأمل والروية أكثر، ربما بسبب معايشة التجربة المباشرة في الميدان ثم الركون إلى التأمل في الداخل. كما تختلف التجربة من زاوية رؤية الكاتب المعايش للجبهة الداخلية البعيدة عن أرض المواجهة المباشرة.
وبالنظر إلى زمن كتابة الرواية، فقص زمن الحروب يختلف في ملامحه عن القص بعد فترة قليلة من وضوح نتائج المعارك، بل وعن تلك الأعمال التى تكتب بعد فترات طويلة من نهاية المعارك.

ولنخلص أخيرا بالقول أن الكلمة الفصل مازالت بين شفتي المبدعين، ولننتظر ماذا سيقول النقاد من بعد ؟! السيد نجم Mb_negm@hotmail.com