هل من مصلحة أسرائيل إعادة أحتلال لبنان؟

فيما تتسارع المشاورات المكثفة لعقد اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب خلال الأيام المقبلة لمناقشة تطورات الأوضاع بالمنطقة والتصعيد الحالي على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية تسعى دول المنطقة لدرء خطر قد يشعل المنطقة بأكملها بعد عملية بطولية نوعية قام بها حزب الله اللبناني واطلق عليها اسم الوعد الصادق والحرية لسمير القنطار وإخوته.
وفيما يرى البعض ان هذه العملية جاءت لتؤكد نجاح المقاومة فاتحة الباب امام عملية تفاوض غير مباشر مع الاسرائيليين من اجل القيام بعملية تبادل تشمل الاسرى اللبنانيين، وايضا اسرى فلسطينيين وعرباً، فإن هناك من يرى ان هذه العملية جاءت لتضع المنطقة أمام مفترق طرق بعد التطورات المتسارعة التي حدثت في الساعات الاخيرة على الحدود بين لبنان واسرائيل والمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة عندما اغار على منازل المدنيين وقتل عائلات بأسرها ودفنها تحت الانقاض حيث بات الجميع يقرع طبول الحرب وعلت اصوات التهديدات من قادة اسرائيل الذين يريدون رسم حيثيات المنطقة على حسب مزاجهم وفرض التزام دولها وشعوبها بخيارات اسرائيل التي لا تحقق السلام ولا تحقق ادنى غاياته.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل من مصلحة اسرائيل في هذا الوقت بالتحديد ان ترتكب حماقة كبرى وتحتل لبنان لا اعتقد ذلك لأن هذا يعني ان اسرائيل تسعى الى تأليب جميع دول المنطقة عليها.
لا اعتقد ان بإمكان اسرائيل ايا كانت امكانياتها ان تواجه اربع جبهات في وقت واحد وهي فلسطين ولبنان وسوريا وايران وبالتالي على اسرائيل ان لا تتسرع باتخاذ مثل هذه الخطوة الحمقاء في لحظة نشوة من اولمرت الذي يعتقد ان مثل هذا التصعيد يجلب له المزيد من الدعم السياسي الداخلي والدولي مع ان هذه الصورة لن تكون كذلك عندما تشتعل المنطقة ان حالة التأهب التي تقوم بها تل ابيب لتصعيد عدوانها على لبنان لن يحل المشكلة ولن يردع اصحاب الحقوق من معاودة الكفاح لاستعادتها وتظل هذه الخطوة المتسرعة مغامرة باتجاه الجحيم ومحاولة هروب من اسرائيل من خيار مواجهة الحل الحاسم المتمثل بتسليم تل ابيب الاراضى لاصحابها واعادة الاسرى والمسجونين الى اوطانهم.
تظل اسرائيل وحدها هي التي تتحمل مسؤولية هذا الانهيار الامني الذي تواجهه سواء علي حدودها الشمالية مع لبنان، او حدودها الجنوبية مع قطاع غزة حيث تدفع بالمنطقة الى الاتجاه نحو العودة الي المربع خيار المقاومة والحرب الدفاعية ضد ارهابها المتواصل وبالتالي فإن اسرائيل وضعت نفسها بين جبهتين قد تتطور الى ثلاث واربع وربما اكثر بالاضافة الى انها تواجه الآن خيارات قاسية: فاما أن تشن حربا مجنونة لا تستطيع أن تتحكم بنتائجها أو أن تعطي الحقوق لاصحابها وتتجنب كارثة كبرى قد تطال امنها واستقرارها من جميع النواحي والجبهات المحيطة بها.
الحالة الوحيدة التي يمكن لاسرائيل ان تستفيد منها هو وجود انقسام عربي في مواجهة أي عدوان محتمل لتل ابيب ضد لبنان في حالة سادت حالة التبريرات السائدة مؤخرا لدى بعض الدول العربية والتي ترفع شعار التنازل من باب الواقعية السياسية التي ليس لها توصيف آخر سوى الهزيمة المبكرة ان انعكاسات ازمتي لبنان وغزة قد تتحول مع المدى القريب الى حريق اقليمي تطال شظاياه دول المنطقة وتطال اثاره الوضع السياسي الداخلي في اسرائيل ومستقبل مخطط الانسحاب الاحادي الجانب من الضفة الغربية فضلا عن الاثار الاقليمية باعتبار ان هجوم حزب الله حظى بشعبية كبيرة جدا في المنطقة خاصة وان الدول العربية اكتفت بمتابعة التوغل الاسرائيلي في غزة هذا الشهر من دون أن يحاول أي قائد عربي او اجنبي وقف العنف لكن حزب الله تدخل في الوقت المناسب ليشكل معادلة صعبة تجعل اسرائيل تفكر الف مرة قبل التسرع في خطواتها العدوانية كما ان حزب الله يمكن ان يستفيد من هذا الهجوم لتبرير استمرار وجود جناحه العسكري وبالتالي سيحظى بالمزيد من الدعم باعتباره القوة الاكثر فاعلية للدفاع عن البلاد.
من ناحية ثانية فإن خطوات اولمرت الاخيرة والمرتبكة ستشكل احراجا بالغا لرئيس الوزراء الذي سيكون عليه ان يشرح للإسرائيليين لماذا تحارب قواتهم مجددا في منطقتين سبق الانسحاب منهما بعد احتلال دموي طويل.
ومن ناحية اخرى لا يجب على اسرائيل التورط في مجازفات في وقت تبدو فيه حليفتها الاساسية واشنطن غارقة في مأزق متعدد المستويات في ظل الازمات التي تلقي بثقلها على الادارة الامريكية حيث لم تجد السياسة الامريكية في المنطقة نفسها في مثل الفوضى التي تواجهها الآن، فالاحداث في العراق تقترب من الوصول الى الحرب الاهلية في حين ان ايران التي وزعت بعض الابتسامات لفترة قصيرة تبدو متمسكة بطموحاتها النووية اكثر من أي وقت مضى اما اسرائيل فانها بدلا من التحرك نحو السلام مع جيرانها، تجد نفسها في مواجهة متصاعدة على جبهتين مع لبنان وسوريا في الشمال ومع الفلسطينيين. أحمد غراب ـ كاتب صحفي يمني